قال الدكتور محمود حسن البيطار، مدير مركز الاستشراف الإفتائي بدار الإفتاء المصرية، إن أكبر أزمة تواجه إنسان هذا العصر، هي أزمة الطغيان المادي، ففي ظل عالم متسارع جاءت عقوده الأولى للألفية الثالثة منطوية على تقدم غير مسبوق، كما أن نتائجه -على مستوى المجالات كافة- غير ملحوقة؛ وظنت البشرية أن هذه العقود قدمت إليها، حاملة من رقي الإنسانية الأخلاقي، بمقدار ما حملـته من هذا التقدم، وسرعان ما يزول هذا الظن، ويتبين لذوي العقول للوهلة الأولى، أنه حلم من أحلام اليقظة؛ إذ لم يواكب هذا التقدم برقي موازٍ في مجال القيم والأخلاق؛ بل إنه -في بعض حالاته- كان تقدمًا أصم عن الاستماع لصوت الضمير الإنساني، الذي يناديه في سائر الميادين.

مفتي تونس: مقدساتنا مستهدفة وقبلتنا الأولى ينكل فيها بشعب شقيق مفتي القدس: نخاطبكم من أرض الإسراء والمعراج لنصرة أبناء الشعب الفلسطيني

وأضاف خلال كلمة ألقاها ضمن فعاليات الجلسة العلمية الثانية المنعقدة بالمؤتمر العالمي التاسع لدار الإفتاء المصرية، لذلك يأتي دَور المؤسسة الإفتائية لحفظ منظومة الأخلاق، ولا يكون ذلك إلا بتحقيق مقاصد الشرع الحنيف، بتحقيق أحكامه؛ إذ إنَّ هذه المقاصد هي هدف التشريع الأسمى؛ وقِبلة المفتي العظمى؛ وهو المعنى الذي أشار إليه إمام الحرمين الجويني بقوله في "البرهان": "ومَن لم يتفطَّن لوقوع المقاصد في الأوامر والنواهي فليس على بصيرة في وضع الشريعة" [1/101]؛ من هنا يعلم هذا الاتساق والانسجام بين المقاصد الشرعية، وبين عمل المفتي في فتواه؛ هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، أشار البيطار إلى أن هذا

الحكم سواء كان بالدلالة المباشرة، أو الاجتهاد؛ وفق ما أقره إمام الأصول الشافعي في "رسالته"، حينما قال: "كل ما نزل بمسلم فقيه حكم لازم، أو على سبيل الحق فيه دلالة موجودة" [ص222]؛ فكلها أحكام جاءت بها البعثة النبوية، التي كان من أسمى مقاصدها، وأهم معانيها: تـتميم مكارم الأخلاق.
من هنا، يأتي دَور المؤسسات الإفتائية؛ لتذكر بتعاليم الدين الحنيف، ولتصنع منها حصنًا منيعًا واقيًا، ضدَّ فوضى القيم، وعبث الأخلاق، ولتبعث في النفس نبض ضميرها الخافت من جديد؛ من خلال ضبط أفعال المكلفين، بأحكام رب العالمين.  

وأوضح أن مضمون كلمته يتأسس على "البعد الأخلاقي للفتوى.. من منظور رسالة مركز الاستشراف الإفتائي"، لذا كان عمل هذا المركز قائمًا على تحقيق مفهوم الاستشراف الإفتائي، الذي هو "مهارة فقهية للمفتي، تهدف إلى استقراء شواهد الواقع المعيش، ومعطياته؛ للوقوف على ما قد يتولد عنها من قضايا إفتائية، لم يسبق التطرق إليها، في محاولة لإيجاد فتاوى استباقية لها، قبل الشيوع والانتشار"؛ وذلك انطلاقًا من هذا المبدأ، الذي بذَرَ بذرته الإمام الأعظم أبو حنيفة؛ مؤسس معنى الافتراض الفقهي: "إنا نستعد للبلاء قبل نزوله، فإذا ما وقع، عرفنا الدخول فيه، والخروج منه".

في السياق ذاته أكد أن المتأمل في واقعنا اليوم لا يكاد يجد مجالًا للشك في أن عالمنا اليوم -وإن كان يتحلى بتقدم مذهل، وقفزات مدهشة- إلا أنه -وهو يسارع في سباقه المادي- يأتي اضمحلال الجانب الروحي، وغياب البعد الأخلاقي، كأكبر كارثة تواجه إنسان هذا الزمان ... في ظل فلسفة تقديس المادة، والتمحور حول الأنا والذات على المستوى الفردي والمؤسسي والدولي.

كما عرض بعضًا من أعمال مركز الاستشراف الإفتائي، الذي هو لبنة من لبنات الأمانة العامة، لدور وهيئات الإفتاء في العالم، راعية هذا المؤتمر، حيث عني مركز الاستشراف الإفتائي، بدراسات مجال الربوتات، وما يتعلق بها من قضايا، ووظائف، وأحكام،.. وعلى من تقع المسؤولية والضمان.

كذلك عُني مركز الاستشراف الإفتائي، بدراسات مجال الواقع الافتراضي (الميتافيرس)، وما يتعلق به من تساؤلات، متعلقة بأداء العبادات، أو المعاملات، وكذا ما يعمل على ضبط النفس، وحراسة الفضيلة والأخلاق، تحت مظلة هذا الواقع الافتراضي، حال غياب أعين النظار ورقابة الأشخاص.

وتابع: كان من ضمن اهتمامات مركز الاستشراف الإفتائي: ما يتعلق بتكنولوجيا النانو، وما يتصل بها من أحكام الطهارة، والتداوي، والطعام والشراب، وكذا تطرقت دراسات مركز الاستشراف الإفتائي، إلى لقاحات الحمض النووي، وما يتعلق به؛ من تجارب على الإنسان والحيوان، في الحالات المختلفة.

وكذا تطرقت بحوث مركز الاستشراف الإفتائي، إلى مجال التعديل الجيني، وقضاياه المستقبلية، وما يتعلق به من طموحات وتجارب وعلاجات.

وجاءت الطباعة الثلاثية عامة، والطباعة الحيوية وآمالها المستقبلية -على وجه الخصوص- باعتبارها أحد أهم المجالات الطبية، التي تطرق إلى تأصيل أحكامها مركز الاستشراف الإفتائي.

وفي ختام كلمته لفت النظر إلى أن المركز لم يغفل عن تناول مجال تركيب شرائح الرأس، وما يتعلق به من تساؤلات وأحكام، ضمن أغراضها المختلفة، وغيرها من المجالات الإفتائية الاستشرافية الأخرى، وما يتصل بها من قضايا، موضحًا أن كل ذلك في محاولات بحثية جادة، تقوم على مراحل أربع، تجمع بين: التصوير، ثم التكييف، ثم التدليل، ثم تنزيل الحكم والإفتاء في محاولة فقهية إفتائية، همها مجاراة قضايا الواقع المتسارع، بل واستشراف تساؤلاته الإفتائية، وتطلعاته المستقبلية.

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: دار الافتاء المصرية المؤسسات الإفتائية وما یتعلق مجال ا

إقرأ أيضاً:

كيفية مواجهة الشائعات الإلكترونية في ظل العصر الرقمي

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

أصبح العالم اليوم أكثر ترابطًا بفضل وسائل التكنولوجيا الحديثة، وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي، التي سهلت تبادل المعلومات وسرّعت من انتشارها. ولكن ومع هذه السرعة ظهرت تحديات جديدة أبرزها انتشار الشائعات الإلكترونية، التي قد تكون مضللة، مضرة، أو حتى خطيرة في بعض الأحيان. لذلك أصبحت مواجهة الشائعات مسؤولية فردية ومجتمعية لحماية الأمن المعلوماتي والسلام الاجتماعي. فالشائعات الإلكترونية هي معلومة غير دقيقة أو ملفقة، يتم تداولها عبر الإنترنت، غالبًا دون التأكد من مصدرها أو صحتها. وقد تنتشر لأسباب متعددة منها السعي وراء الشهرة، أو إثارة البلبلة، أو لأغراض سياسية أو اقتصادية.

وللشائعات الإلكترونية العديد من الأثار السلبية بداية من إثارة القلق والخوف بين المواطنين، ايضا تشويه السمعة الشخصية أو المؤسساتية، كذلك إرباك الرأي العام وتعطيل اتخاذ القرارات السليمة، بالاضافة إلى التأثير السلبي على الاقتصاد أو الأمن القومي.

ولكن يوجد بعض الأساليب البسيطة لمواجهة الشائعات الإلكترونية، منها التحقق من المصدر فلا ينبغي تصديق أي خبر يتم تداوله دون التأكد من مصدره، ويجب الاعتماد على المصادر الرسمية مثل الوزارات، الجهات الحكومية، والمؤسسات المعروفة، ايضا التفكير النقدي وعدم التسرع في النشر فمن الضروري التوقف لحظة قبل مشاركة أي محتوى والتفكير هل هذه المعلومة منطقية؟ هل مصدرها موثوق؟ ما الهدف من نشرها؟، كذلك الإبلاغ عن المحتوى المضلل فمعظم مواقع التواصل الاجتماعي تتيح خاصية الإبلاغ (Report) عن الأخبار الكاذبة أو الضارة، ويمكن إبلاغ الجهات المختصة، مثل وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية، من جهة اخرى نشر التوعية الرقمية من خلال المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، حيث يجب تعليم الأفراد، خاصة الناشئة والمراهقين، كيفية التعامل مع المعلومات الرقمية، بالاضافة إلى متابعة المنصات الرسمية مثل صفحة وزارة الداخلية أو الصحة أو الهيئات الحكومية على منصاتهم الرسمية، للحصول على الأخبار الموثوقة فور صدورها، واستخدام التكنولوجيا لمكافحة الشائعات فبعض الجهات بدأت استخدام الذكاء الاصطناعي لرصد الشائعات وتتبع مصادرها وتحليل انتشارها. كذلك يوجد دور هام للاسرة والمدرسة في التوعية.فالأسرة يجب أن تغرس في الأبناء روح البحث والتأكد، وألا يصدقوا كل ما يُنشر، والمدرسة عليها إدخال مواد تعليمية أو ورش توعية عن “التربية الإعلامية” و”أمن المعلومات”. فمواجهة الشائعات الإلكترونية لا تتطلب فقط قوانين صارمة، بل تحتاج إلى وعي جمعي وثقافة رقمية مسؤولة. فكل فرد يحمل هاتفًا متصلًا بالإنترنت أصبح صانعًا ومتلقيًا للمعلومة، لذا فإن عليه أن يتحلى بالوعي، ويكون جزءًا من الحل لا من المشكلة. ولن نحمي مجتمعاتنا من خطر الشائعات إلا بالتربية الإعلامية، والثقة في المؤسسات الرسمية، والتدقيق في كل ما يُتداول.

 

مقالات مشابهة

  • كيفية مواجهة الشائعات الإلكترونية في ظل العصر الرقمي
  • ريكيلمي خليفة مارادونا الذي تحدى قواعد العصر
  • خبير علاقات دولية: تطابقً وجهات النظر بين مصر وفرنسا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية
  • تركيا تواجه أزمة غذائية.. 648 حالة تسمم بسبب وجبة شعبية
  • أكبر أزمة أيتام في التاريخ الحديث.. أرقام صادمة لضحايا العدوان على غزة من الأطفال
  • عاجل | السيد القائد: العدو الإسرائيلي يركز على محاربة الجانب الإنساني في كل ما يتعلق به من إعدامات ومنع كل مقومات الحياة
  • مسيرة الغضب من مسجد البيطار في مخيم البقعة .. ” خذلان غزة عار” / شاهد
  • رد فعل غير عادي لفعل عادي يعذب ضمير محجوب شريف النبيل
  • اليابان تواجه "أزمة وطنية" بعد رسوم ترامب
  • تمهيدية نقابة أطباء السودان تحذر من أزمة في مركز غسيل الكلى بنيالا