الباحثون عن عمل.. جزء من المجتمع
تاريخ النشر: 29th, July 2024 GMT
محمد بن حمد البادي
Mohd.albadi1@moe.om
الإنسان كائن فطري؛ جُبِل على الدفاع عن أساسيات حياته: الغذاء، والكساء، والمسكن، والعيش الكريم، ومن هذا المنطلق، وباعتبار أن الوظيفة هي الجسر الموصل لهذه الأساسيات عند الغالبية؛ فإنَّ قضية الباحثين عن عمل لا تزال تستأثر بالنصيب الأوفر من النقاش في أغلب المجالس والمحافل، وأفردت لها مساحات واسعة في وسائل الإعلام المختلفة تعريفاً وتحليلاً وتنظيراً وتمحيصاً، ودخلت المنصات الاخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي باختلاف مسمياتها على الخط، كلٌّ يدلو بدلوه في هذه القضية، وكلٌّ يعرفها حسب منظوره، وكلٌّ يعدد أسبابها وأبعادها حسب قناعته، وكلٌّ يطرح الحلول لمعالجتها على طريقته، وبين هذا وذاك تقع وزارة العمل في الواجهة الرئيسية بشكلٍ مباشرٍ؛ فالرأي العام يجمع رأيه على أنها السبب الرئيسي في تفاقم هذه القضية وعدم السعي الجاد لإيجاد الحلول المناسبة لها.
ربما يتفق الجميع على أن قضية الباحثين عن عمل ليست وليدة اللحظة، بل أنها شغلت الرأي العام وصناع القرار لعدة عقود من عمر النهضة المباركة، ولا يزال السياسيون والاقتصاديون وأرباب الأعمال والمثقفون والأدباء والباحثون يولونها الكثير من الاهتمام، بالتشريع والدراسة والاستدلال والاستنتاج والبحث هنا وهناك لعلنا نجد الفانوس السحري الذي نمسح عليه فيطل علينا المارد العملاق برأسه ليهدينا حلاً ذهبياً لهذه القضية.
كلُّ الجهود والخطط والإستراتيجيات لم تفلح في إيجاد حل جذري يزيح المسببات التي تقف حجر عثرة نحو المضي قدماً في توظيف الشباب العماني في القطاعين العام والخاص، أو على أقل تقدير يعطينا بصيصاً من النور بتقليص عدد الباحثين عن عمل الذي يتزايد نهاية كل عام دراسي أو أكاديمي ليدخل خرِّيجو مؤسساتنا التعليمية في نفقٍ طويلٍ ليس له نهاية؛ بحثاً عن بارقة أمل في مستقبل ضبابي نحو التوظيف، إلا بعضاً من الحلول الآنية الخجولة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، كجرعات مسكنة للألم، أو ردة فعل خاطفة لتهدئة الرأي العام؛ لأن هذه الجهود أساساً لا تستند إلى واقع صلب أو رؤية واضحة، أو منهجية صحيحة، أو خطة بعيدة المدى للحد من تزايد عدد الباحثين الذي يربو على مائة ألف باحث كما صرحت به وزارة العمل مؤخراً؛ قبيل نهاية العام الدراسي أو الأكاديمي 2023/2024م؛ الذي انطوت صفحته قبل أيام، ليزداد العدد؛ وبالتالي تزيد سنوات انتظار الوظيفة وتتضاعف معاناة كل الباحثين عن عمل.
إنَّ حل ملف الباحثين عن عمل لن يأتي إلا من خلال الشراكة الوطنية المتكاملة التي أساسها الشفافية والمصارحة، والحوار الإيجابي والنقاش البناء والأسلوب المتزن بعيدا عن المبالغة والتضخيم بين جميع الأطراف ذات العلاقة بهذا الملف؛ وبالتالي يتحمل كل طرف مسؤوليته بشجاعة وإخلاص وحسن نية.
نحن اليوم في أمسِّ الحاجة لحوار وطني مبنى على أسس منطقية لتغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الشخصية التي ترى الأمور بمنظور ضيق، حوار وطني يوفر حلول مستدامة لهذه القضية باعتبارها قضية وطنية ذات أولوية قصوى؛ بعيداً عن كيل الاتهامات حول من المسؤول عن ازدياد حجم كرة الثلج.
يجب أن نتحلى بالجرأة والرغبة الصادقة والعزيمة القوية لحل هذا الملف، وذلك من خلال تبني إستراتيجيات واضحة، وخطط قابلة للتنفيذ، مع دعمها بالتشريعات اللازمة التي تنظم عملها وتسهل أداء مهامها لتكون النتائج مرضية للجميع، ولتكن نقطة الانطلاق من خلال تدريب الشباب العماني على رأس العمل المقرون بالتوظيف لإكسابهم المهارات اللازمة لكل وظيفة على حدة ثم بعدها نأتي إلى الإحلال الممنهج في كافة القطاعات كنقطة تالية؛ كما أنه لا بد من تحديث قانون العمل ليتضمن بنوداً للإحلال في القطاع العام بنسبة 100%، أما القطاع الخاص فيجب مراجعة ملف الباحثين عن عمل بحيث يكون التعمين إجباريًّا للمهن التي لا تتطلب خبرة فائقة، على أن تقدم تسهيلات للشركات والمؤسسات التي تلتزم بالتعمين وفق نسب واشتراطات معينة، وأيضاً تمنح إعفاءات وحوافز ومكافآت وأولوية في إسناد المناقصات والمشاريع الوطنية.
إنَّ الإنسان العماني سيبقى دائما يُمثل حجر الزاوية في المسيرة التنموية لهذا الوطن، فجميع المؤشرات التاريخية تدل على أن لديه القدرة الفائقة على بناء بلده بنفسه، ولم يسجل التاريخ يوماً أن العماني كان متوانياً أو عاجزاً أو متكاسلاً عن العمل، فهو الذي بنى القلاع والحصون والأبراج بهندسة فريدة، وهو الذي حرث وزرع وحصد وشق الأفلاج في مسارات صخرية ليروي الأرض، وهو الذي بنى السفن التي مخرت عباب البحار ليصل بها إلى بلدان وأقاليم جديدة لينشئ فيها مراكز عالمية فتحت آفاقاً رحبة للتبادل التجاري والعلمي والمعرفي، وحافظ على أمن وسيادة وطنه مئات بل آلاف السنين ليكون هذا الوطن قبلة العالم حين ينشد السلام.
وما نعيشه في الوقت الحالي من استقرار سياسي ونمو اقتصادي وتماسك اجتماعي ورصيد علمي ومعرفي ووحدة وإلفة مجتمعية؛ ما هو إلا إحدى نتاجات هذا الإرث الأصيل الذي صنعه أجدادنا ليكون جبلاً راسخا نستند عليه حين تهب الرياح الهوجاء، ونرى بكل فخرٍ واعتزازٍ السفينة العمانية تمخر عباب بحارٍ مليئة بالأمواج العاتية من دون أن ينكسر لها صارٍ، كل ذلك من فضل الله علينا؛ ثم بفضل القيادة الحكيمة من لدن جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
وفي ختام القول.. إنَّ الله قد حبا هذا البلد الطيب خيرات وفيرة في برها وبحرها وسهولها وجبالها، وثروات هائلة في شتى القطاعات (النفط والغاز، والسياحة، والتعدين، والثروة الحيوانية والزراعية والسمكية)، التي لو وجدت عقولاً مبدعة تستغلها بالشكل الصحيح لقامت عليها صناعات متعددة كفيلة بفتح مئات الآلاف من الفرص الوظيفية، فقط أطلقوا العنان للشباب العماني؛ الذين نعتبرهم ثروة الوطن التي لا تنضب، اتركوا لهم فرص استخراج هذه الثروات من مكامنها، افتحوا لهم الأبواب، خذوا بأيديهم توجيهاً وإرشاداً، وأخرجوهم للأضواء؛ قدموا لهم الدعم والتحفيز والتشجيع، أعينوا كل من يملك المهارة والفكر والعلم ليكونوا مصدر إنارة وحضارة وإبداع، ليخلقوا فرصاً مستمرة للعمل لهم وللأجيال القادمة.
رابط مختصرالمصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
متحف زايد الوطني يعلن قائمة الباحثين الحاصلين على منح بحثية بقيمة مليون درهم
أعلن متحف زايد الوطني أسماء الباحثين الثمانية الحاصلين على مِنَحٍ مِن صندوق متحف زايد الوطني للبحوث لعام 2024، الذي يُموِّل الأبحاث المتعلقة بثقافة دولة الإمارات العربية المتحدة وتاريخها وتراثها. واختير الباحثون الثمانية من 79 متقدِّماً، لمنحهم التمويل تقديراً لتميُّز أبحاثهم، وشملت قائمة الحاصلين على هذه المنح باحثِين من دولة الإمارات العربية المتحدة وإيطاليا والهند والولايات المتحدة الأميركية.
واختارت لجنة من الخبراء مجموعة من المشاريع البحثية المتميِّزة التي تغطِّي مجموعة واسعة من الاختصاصات والمواضيع التي تُعمِّق معرفتنا بدولة الإمارات والمنطقة. وتشمل هذه المشاريع تحليل المخلَّفات العضوية، وإعداد موسوعة للأشجار المحلية في دولة الإمارات، ودراسة العمارة الحديثة والمعالم المعاصرة في الدولة، واستخدام الفخار، إلى جانب مبادرة رقمية لحفظ النقوش الصخرية في دولة الإمارات العربية المتحدة.
وقال معالي محمد خليفة المبارك، رئيس دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي: «يجسِّد صندوق متحف زايد الوطني للبحوث التزام الوالد المؤسِّس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيَّب الله ثراه، بالتعلُّم من ماضينا، وتعزيز فهمنا بتاريخ المنطقة وثقافتها. إنَّ صندوق البحوث لا يقتصر على دعم الباحثين وحسب، بل يُسهم أيضاً في صون التراث الثقافي الغني لدولة الإمارات العربية المتحدة بشقَّيه المادي وغير المادي. ومن خلال هذه المشاريع البحثية المتنوّعة، يغطِّي صندوق البحوث مجموعة واسعة من المواضيع التي تسلِّط الضوء على عمق التاريخ والثقافة في دولة الإمارات والمنطقة بأسرها».
أخبار ذات صلةوقال الدكتور بيتر ماجي، مدير متحف زايد الوطني: «بعد النجاح الذي حقَّقه صندوق البحوث في عامه الأول، نحن فخورون بالإعلان عن المجموعة الجديدة من الباحثين المستفيدين. تتناول المشاريع المختارة مجموعة واسعة من المواضيع، من علم الآثار والهندسة المعمارية إلى إرث الشيخ زايد الدائم، وتعكس المشاريع المختارة التزام متحف زايد الوطني بتوسيع آفاق المعرفة، وتعزيز المشاركة المجتمعية، والاستفادة من البحث العلمي لتعميق فهمنا لتاريخ المنطقة، وأودُّ أن أغتنم هذه الفرصة لتهنئة جميع المستفيدين من هذه المنح، وأتطلَّع بشوق لمعرفة نتائج أبحاثهم».
يُذكَر أنَّ صندوق البحوث يخصِّص ميزانية سنوية تبلغ مليون درهم موزَّعة على مِنَحٍ بحثية بمبالغ متفاوتة، ما يجعله أحد أهم برامج التمويل البحثي في المنطقة. وتتضمَّن قائمة الباحثين الحاصلين على مِنح عام 2024:
الدكتورة فاطمة المزروعي (دولة الإمارات العربية المتحدة) – رئيس قسم الأرشيفات التاريخية، الأرشيف والمكتبة الوطنية – تاريخ التعليم النظامي في إمارة أبوظبي: قراءة في وثائق قصر الحصن (1957-1966).
فاطمة الشحي وحصة الشحي (دولة الإمارات العربية المتحدة) – دائرة الآثار والمتاحف، رأس الخيمة: إعادة بناء تاريخ وتكنولوجيا واستخدامات الفخار من خلال دراسة بقايا الفخار من المواقع الأثرية في رأس الخيمة.
مروان الفلاسي (دولة الإمارات العربية المتحدة) – موسوعة الأشجار المحلية في الإمارات: الأشجار المعمّرة والموسمية، تجميع، تحليل، وتعليق، كتاب مصوَّر يتضمَّن شرحاً شاملاً للمحتوى.
الدكتور خالد العوضي (دولة الإمارات العربية المتحدة) – التراث العابر للحدود: وضع العمارة الحديثة والمعالم المعاصرة في دولة الإمارات على الخريطة العالمية.
الدكتور ميشيل ديجلي إسبوستي (إيطاليا) – أستاذ مشارك، معهد الثقافات المتوسطية والشرقية، الأكاديمية البولندية للعلوم – مشروع بحث الأبراق: الحياة والموت في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية خلال الألفية الثانية قبل الميلاد.
الدكتورة أكشيتا سوريانارايان (الهند) – زميل ما بعد الدكتوراه جيرالد أفيراي وينرايت، معهد ماكدونالد للأبحاث الأثرية، جامعة كامبريدج – فهم استخدام الأواني على المدى الطويل في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية من خلال تحليل بقايا المخلفات العضوية.
الأستاذ ياسر الششتاوي (الولايات المتحدة الأمريكية) – أستاذ مساعد، كلية الدراسات العليا للهندسة والتخطيط والحفظ المعماري، جامعة كولومبيا – هدية زايد للشعب: دراسة مطبعية مورفولوجية للبيت الوطني الإماراتي.
الدكتور ويليام زيميرل (الولايات المتحدة الأميركية) – محاضر أول، كلية الفنون والعلوم الإنسانية؛ عضو هيئة تدريس ببرنامج دراسات الطرق العربية وبرنامج التاريخ، جامعة نيويورك أبوظبي – فن النقوش الصخرية في جنوب وشرق شبه الجزيرة العربية، مركز دراسة افتراضي للحفظ الرقمي للنقوش الصخرية في دولة الإمارات.
يعمل صندوق متحف زايد الوطني للبحوث، الذي أطلقه المتحف في عام 2023، على تمويل الأبحاث التي تُثري فهم التراث الثقافي والتاريخي لدولة الإمارات العربية المتحدة. ويتماشى مع مهمة المتحف في الحفاظ على قيم ومساهمات الوالد المؤسِّس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيَّب اللّٰه ثراه. ويهدف إلى أن يكون مؤسَّسة بحثية عالمية المستوى، وهيئة موثوقة تُعرِّف بتاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة وثقافتها من عمق الماضي حتى اليوم.