عربي21:
2025-03-28@01:32:06 GMT

هل يضلُّ الإنسان نفسه أم يُكتب عليه الضلال جبراً!؟

تاريخ النشر: 29th, July 2024 GMT

هل يضلُّ الإنسان نفسه أم يُكتب عليه الضلال جبراً!؟

لطالما كان اختيار الإنسان لطريق الهداية أو الضلال معضلةً طرحت الكثير من التساؤلات عن مدى مسؤولية الإنسان نفسه عن ذلك الاختيار في ظل الإيمان بعقيدة القضاء والقدر، وكيف يمكن التوفيق بين مسؤولية الإنسان عن هداه وضلاله، وبين الإرادة والقدرة الإلهية وما يترتب عليها من حدود لحرية الإرادة التي منحها الله للإنسان لكي يكون مسؤولاً عن معتقداته وتصرفاته.

وقد فتح ذلك التساؤل الباب للكثير من الفرق الضالة والمنحرفة التي عبثت بأصول وأسس العقيدة الإسلامية، كفرق الجبرية والمرجئة وغيرهم.

ولكي نفهم أبعاد تلك المسألة بالمنهج السليم في ضوء العقيدة الإسلامية الصحيحة المستندة على القرآن الكريم والسنة النبوية، فلا بد من فهم معنى الضلال أولاً. فالضلال: ضد الهدى، ويقال: ضللت بعيري: إذا كان معقولاً فلم تهتد لمكانه، وضل عني: ضاع، وضللته: أنسيته. ويقال لكل عدول عن المنهج عمداً، أو سهواً، يسيراً  كان أو كثيراً: ضلال، فإن الطريق المستقيم الذي هو المرتضى صعب جداً، وإضلال الله للإنسان على وجهين:

إحداهما: أن يكون سببه هو أن يضل الإنسان، فيحكم الله عليه بذلك في الدنيا، ويعدل به عن طريق الجنة إلى النار في الآخرة.

الثاني: من إضلال الله: وهو أن الله تعالى وضع جبلة الإنسان على هيئة تجعله إذا راعى طريقاً محموداً  كان أو مذموماً ألفه واستطابه، وتعسر عليه صرفه وانصرافه .

وإن المقصود بإضلال الله للعبد هو خذلانه وعدم توفيقه وإعانته وعدم خلق المشيئة المستلزمة للهداية، والله سبحانه وتعالى يجعل ذلك في عباده ويخلقه فيهم بأسباب تكون من قبلهم، فهم إذا سدوا على أنفسهم باب الهدى إرادة منهم واختياراً، سده عليهم اضطراراً، فخلاهم وما اختاروا لأنفسهم وولاهم ما تولوا، فيكون ذلك عقوبة لهم، كما يعاقبهم في الآخرة بدخولهم النار.

ومن رحمة الله بعباده، أن ما يفعله الله عز وجل من إضلال بعض عباده بالطبع والغشاوة والختم وغير ذلك، لا يفعله بالعبد لأول وهلة حين يأمره بالإيمان ويبينه له، وإنما يفعله به بعد تكرار الدعوة له، والتأكيد في البيان والإرشاد وتكرار الإعراض منه، والمبالغة في الكفر والعناد، فحينئذ يطبع الله على قلوب هؤلاء العباد، ويختم عليهم، فلا يقبل الهدى بعد ذلك، والإعراض والكفر الأول لم يكن معه ختم وطبع، بل كان اختياراً، فلما تكرر منهم صار طبيعة وسجية. فتأمل هذا المعنى في قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ  لاَ يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ" (البقرة : 6 ـ 7).

إن المقصود بإضلال الله للعبد هو خذلانه وعدم توفيقه وإعانته وعدم خلق المشيئة المستلزمة للهداية، والله سبحانه وتعالى يجعل ذلك في عباده ويخلقه فيهم بأسباب تكون من قبلهم، فهم إذا سدوا على أنفسهم باب الهدى إرادة منهم واختياراً، سده عليهم اضطراراً، فخلاهم وما اختاروا لأنفسهم وولاهم ما تولوا، فيكون ذلك عقوبة لهم، كما يعاقبهم في الآخرة بدخولهم النار.حرية العبد في اختياره الهدى والضلال:

الأعمال التي يقوم بها الإنسان وفقاً لإرادته الحرة، واختياره، ورضاه، فالإنسان كائن عاقل مُدرك مُفكر، ويتميز عن غيره من المخلوقات بحرية الاختيار، قال تعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ  إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء" (الحج : 18) .

فهذه الكائنات جميعها لا حرية لها ولا اختيار، بينما الإنسان الذي يعمل بمحض إرادته الحرة ومشيئته المختارة، قد يطيع، وقد يعصي، وأكد القرآن أن الإنسان الذي تحمَّل الأمانة والتكليف، زوده الله بقِوى، وملكات، واستعدادات لتحقيق تلك الخلافة، ولأداء الأمانة، فخلق لديه الاستعداد للخير والشر، وللتقوى والفجور، والهدى والضلال، ومَنحه العقل الذي يميز به بين الحق والباطل، والخير والشر، ووهبه القدرة التي لا يمكن عن طريقها أن يحق الحق ويبطل الباطل، أن يأتي الخير، ويدع الشر، وأنزل الله الكتب، وأرسل الرسل لهداية الإنسان، وإرشاده لمنهج الحق والخير، وجعل في الإنسان قوة ذاتية واعية مدركة يمكن أن يستخدمها في تزكية النفس وتطهيرها، وتنمية إستعداد الخير فيها وتغليبه على استعداد الشر، فيفلح الإنسان بهذا. وقد يظلم هذه القوة، ويغطيها، ويضعفها، فيخيب، قال تعالى: "قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا" (الشمس : 9 ـ 10).

وقد نطق القرآن الكريم، بإسناد الفعل إلى العبد في الكثير من آياته، مثل قوله تعالى: "جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (الأحقاف : 14) . قال تعالى: "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ" (فصلت : 46) . وقال تعالى: " كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ" (المدثر : 38) .

وأثبت القرآن الكريم للعبد في آياته مشيئة الاختيار، فقال تعالى: "إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا" (الإنسان : 3). وهكذا، فإن الإنسان حرٌ، ولقد زوده الله بالعقل والإرادة، يختار ما يراه من حق أو باطل، ويفعل ما يروق له من خير أو شر، فهو مزود بوسائل الإدراك، يدرك ما في الأشياء من قيم ويحكم عليها ويختار، وهو بالخيار أن يسلك طريق الحق والخير فيكون شاكراً، أو يعوج في طريقه فيجنح نحو الشر والباطل، فيكون كفوراً. فالإنسان حر في دائرة أعماله الإختيارية والمرتبطة بالتكليف والمسئولية، وهذه الحرية يؤكدها ما يلي:

أ ـ واقع حياة الإنسان، الذي يشعر بالفرق الواضح بين الأعمال الاختيارية، وبين الأعمال التي تقع عليه اِضطراراً.

ب ـ كما يؤكدها العقل الذي يقضي بأن المسئولية والتكليف لا بد أن تكون منوطة باستطاعة الإنسان على الفعل أو الترك، لأن من لا يملك هذه الاستطاعة، فلا يصح عقلاً أن تتوجه إليه المسئولية أصلاً.

ج ـ إضافة إلى ذلك لو لم يكن الإنسان مختاراً، لما كان ثمة فرق بين المحسن والمسئ، إذ أن كلاً منهما مجبر على ما قاله، ولبطل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فلا فائدة لهما، حيث أن الإنسان مسلوب الإرادة، ولما كان ثمة معنى لتكليف الله للعباد؛ لأن تكليفه إياهم مع سلب اختيارهم يتنافى مع العدل الإلهي الذي أثبته لنفسه، بل لو كان الإنسان مجبراً على أفعاله، لضاعت فائدة القوانين، ولبطل معنى الجزاء من الثواب والعقاب.

د ـ قبل هذا كله، جاءت النصوص الشرعية تنسب العمل والاختيار إلى الإنسان، وما يكتسبه نتيجة لجهده، وثبت الجزاء بالجنة لمن أطاع، والنار لمن عصى. قال تعالى: "وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ" (الشورى: 30). وقال تعالى: "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ  أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" (الروم: 41). وقال تعالى: " وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ" (الكهف: 29) . وقال تعالى: " لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ" (التكوير: 28).

ولكن هذه المشيئة الإنسانية محدودة مرتبطة بمشيئة الله المطلقة، وتابعة لها، إذ أن الإنسان يعمل أعماله الاختيارية، ويمارس حريته في العمل داخل دائرة صغرى تقع ضمن دائرة كبرى، وهي نطاق النظام الكوني العام، إذ أن أعماله مهما كانت، واختياره مهما كان خيراً أم شراً حقاً أم باطلاً، لن يخرج في أدائه الأخير عن السنن الكونية التي وضعها الله في الكون، وتقوم عليها قوانين الحياة البشرية "لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" (التكوير : 28 - 29). فمشيئة الناس ليست منفصلة عن مشيئة الله تعالى، ولا مستقلة عنها، بل إن الله قد شاء للإنسان أن يختار أحد الطريقين: طريق الهداية، وطريق الضلال، فإن اختار الطريق الأول، ففي نطاق المشيئة الإلهية، وإذا اختار الثاني ففي نطاقها أيضاً .

المراجع:

1 ـ الإيمان بالقدر، د. علي محمد الصلابي، دار ابن كثير، بيروت.
2 ـ تفسير المنار، محمد رشيد رضا، ص (11/ 484) .
3 ـ الحسنة والسيئة لابن تيمية، ص  94 ـ 95.
4 ـ شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، ابن القيم، ص 173، 196، 209.
5 ـ العقيدة الإسلامية، د.أحمد محمد جيلي، ص 363 ـ 365.

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب تقارير الضلال الانسان رأي ضلال أفكار أفكار أفكار سياسة سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة وقال تعالى قال تعالى

إقرأ أيضاً:

فلسفة العيد التي علينا البحث عنها

ينتظر المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها وهم يحيون العشر الأواخر من رمضان يوم الجائزة وهو يوم العيد. والعيد في الفكر الإسلامي لحظة وجودية بالغة العمق، تتجلّى فيها روح الإنسان بعد أن تُصقل بالتهذيب والتطهر المعنوي طوال شهر كامل من الصيام والقيام، يخرج الصائم منها كيوم ولدته أمه؛ لذلك تبدو فكرة عيد الفطر السعيد أكبر من كونها مناسبة تأتي بعد أن أكمل المسلم صوم شهره الذي هو أحد أركان الإسلام الخمسة فهي أقرب إلى الولادة المعنوية للإنسان بعد أن يكون قد نجح في مجاهدة النفس، وتكون العبادة قد نقته من شوائب العادة، فأصبح أكثر صفاء وطهرا، والصوم هو ثورة داخلية على شهوات الإنسان وترسيخ لحالة السمو النفسي، وقرب من الذات العليا للإنسان.. وهي الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها؛ لذا يكون العيد لحظة احتفاء بانبثاق الإنسان الجديد الذي هذبه الصيام ونقته العبادة.

وفي فلسفة العيد، يتلاقى البعد الفردي مع الجماعي، إذ يخرج الناس من حالة الاعتكاف والعبادة التي يبدو عليها في الكثير من الأوقات البعد الفردي إلى حالة الفرح الجماعية وكأن العيد يقول لهم: أنتم أكثر نقاء الآن وأكثر تسامحا وأقل أنانية، وبهذا البعد وهذه الفلسفة تتجلّى عبقرية الإسلام في مزجه بين الروح والواقع، بين الإيمان والسلوك، بين الذات والآخر.

ويتجاوز العيد بمنطقه الإنساني الحدود الجغرافية وأسوار اللغة واللون ليتحول إلى رمز كوني تبدو فيه حاجة الإنسان أكثر وضوحا للحظة يتوقف فيها الزمن ليستطيع تأمل ذاته ويعاهد نفسه على أن يبدأ من جديد. وتبدو هذه الفرصة/ المناسبة مواتية للصفح، وموعدا لمحو الضغائن، وإعلانا للخروج على العادات السيئة، يبدأها الفرد من ذاته، وينسجها في علاقاته مع من حوله.

والعيد كما يربي الإسلام أفراده عليه أكبر بكثير من فرحة تعاش في يوم واحد ولكنه معنى يُبنى وسؤال يُطرح في وجدان الجميع: هل خرجت من رمضان كما دخلت؟ أو أنك الآن أكثر صفاء، وأكثر قربا من حقيقتك الكبرى؟ هنا، تبدأ صفحة جديدة تسطر بالنوايا الصادقة والأعمال الخيرة التي تتعالى فوق الضغائن وفوق الأحقاد وفوق المصالح الفردية المؤقتة؛ لذلك يكون المجتمع بعد العيد أكثر تماسكا وأكثر قدرة على فهم بعضه البعض والعمل في إطار واحد.

وهذه المعاني التي على الإنسان أن يستحضرها وهو مقبل على أيام العيد السعيد، حتى يستطيع أن يعيش العيد في معناه العميق لا في لحظته الآنية التي قد يبدو فيها الاحتفاء أقرب إلى احتفاء مادي بعيدا عن العمق المعنوي المقصود من فكرة بناء الإسلام للمسلمين في يوم العيد.

مقالات مشابهة

  • «الشيخ خالد الجندي»: مصر البلد الوحيد في العالم التي سمعت كلام الله مباشرةً (فيديو)
  • رحم الله نفوسًا تائهة وأبدانًا أعياها المرض
  • كيف نجَّى المكر الإلهي عيسى عليه السلام؟
  • حقيقة تجديد جسم الإنسان نفسه كل 7 سنوات
  • محاكمة نتنياهو ولجنة القضاة.. تعرّف على الأزمات التي تهدد بانهيار النظام القضائي الإسرائيلي
  • فعالية خطابية في حجة بذكرى استشهاد الإمام علي وتكريم كوكبة من طلاب جيل القرآن
  • فلسفة العيد التي علينا البحث عنها
  • ما المبلغ الذي سيحصل عليه الفائز بكأس العالم للأندية 2025؟
  • الركراكي: عودة زياش وبوفال للمنتخب الوطني مرهون بالعودة للمستوى الذي كانا عليه من قبل
  • وكيل أوقاف الفيوم: حفظة القرآن الكريم هم النماذج المضيئة التي يجب أن يحتذى بها