سياسة القطيع لتأييد جرائم الإبادة والتطبيع
تاريخ النشر: 28th, July 2024 GMT
رغم السيطرة الصهيونية على وسائل الإعلام العالمية وتجنيدها لخدمة أهدافها ومصالحها، وهو ما كشفته حربها الإجرامية على غزة، إلا أن هناك بعض الإعلاميين الذين هالهم الإجرام وغيّروا وجهات نظرهم بغير الاتجاه الصهيوني، منهم من استقال بسبب الإملاءات والأوامر التي تهدف إلى تغيير الحقائق لصالح الكيان الصهيوني، ومنهم من أقيل.
موريس مورغان الصحفي الإنجليزي المشهور بدأ مشواره في التضليل ودعم جرائم الإبادة، ثم استفاق من غيبوبته، لكنه لم يعد إلى رشده وكامل وعيه، الصحفي الأمريكي المشهور كريس هادجز- مدير مكتب صحيفة نيويورك تايمز في الشرق الأوسط، والحائز على جائزة بوليتزر للصحافة، دمعت عليناه وهو يصف جرائم الإبادة الجماعية في غزة، وأكد أن إسرائيل تهدف من تلك الجرائم (ضد الإنسانية) وجرائم الإبادة والحصار والتجويع وتهجير الفلسطينيين قسريا إلى سيناء، وفقا لوثيقة سرية مسربة لوزارة المخابرات الصهيونية بتاريخ 13 أكتوبر 2013م وذلك بهدف تحقيق حلم إسرائيل الكبرى، وهؤلاء أكثر إجراما من الفاشيين لا يرحمون أحداً، وهدفهم إخلاء غزة من سكانها.
لقد أثبتت الحرب الإجرامية المسلطة على غزة أن هناك صحوة ضمير لدى بعض النخب السياسية والإعلاميين والشعوب، وأثبتت أن هناك من ماتت ضمائرهم وإنسانيتهم، فذهبوا لتأييد الإجرام والدفاع عنه بكل وقاحة وجرأة، المفكر اليهودي اليساري نعومي شومسكي وجه دعوة للمثقفين والمفكرين –لعدم الانسياق كالقطيع لدعم سلطة الدولة الخاصة- التي تريد أن تحكم العالم من خلال السيطرة على المال والثروات والسلطة وهي دعوة شجاعة لمواجهة اللوبي الصهيوني الأمريكي، فأمريكا -وفقا لوجهة نظره- غزت العراق بعمل عدواني صارخ- لا يستند إلى الشرعية الدولية بل بناء على قرارات أمريكا وحدها، ويشكل حالة نموذجية تنتظرها محكمة نوفبرج للجرائم الدولية، كجرائم حرب وجرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية، ولكن الإعلام لا يتحدث عنها على أنها جريمة غزو ويدعمها مع اعتراف الرئيس الأمريكي الأسبق أوباما بأن ذلك كان خطأ استراتيجياً فادحاً ولن تفلت أمريكا من العقاب.
ومن هنا نجد أن أمريكا لا تستطيع ولن تسمح بإدانة جرائم الإبادة، والجرائم ضد الإنسانية التي يرتكبها الصهاينة في غزة، لأنها ارتكبت أبشع منها في العراق وغيرها من البلدان كفيتنام وأفغانستان، ومثل ذلك بريطانيا برغم- أن هناك جدلا في مجلة التايمز اللندنية في اتجاه تأييد الاعتراف بجرائم الإبادة الجماعية للإمبراطورية الاستعمارية البريطانية التي ارتكبها جيشها قبل مئات السنين، وهذا المبرر لعدم معارضتها لجرائم الكيان الصهيوني على أرض غزة وفلسطين، وهي أيضا من أعطت وسلمت فلسطين لليهود بناء على وعد بلفور وقسمت الوطن العربي بينها وبين بقية الدول الأوروبية فرنسا وإيطاليا وروسيا وألمانيا وغيرها من الدول الاستعمارية التي مارست أبشع الجرائم في حق الشعوب المتخلفة أو النامية مجازاً وهي التي وضعت الحدود بناء على ما يحقق استراتيجيتها ويؤمن مصالحها على المدى القريب والمتوسط والبعيد، واستعانت بالعملاء والخونة في تثبيت الفرقة والشتات بين أبناء الأمة الواحدة والملة الواحدة، مما جعل كل محاولة لتجاوز الافتراق إلى التوحد والالتحام تحارب ولكن بواسطة السلطات والهيئات الرسمية، وبينما تتضافر جهود التوحد لدى دول الاتحاد الأوروبي بثقافاته المختلفة وأديانه المتعددة، ولغاته المتنوعة، وتاريخه المتشظي في الاحتراب والانقسام، نجد السعي الحثيث في سياسات الغرب وعملائه في الوطن العربي والأمة الإسلامية يعملون على تجزئة المجزأ وتقسيم المقسم، فالسودان إلى جنوب- شمال، والعراق أيضا، وسوريا ولبنان واليمن والسعودية وكلها معرضة للانقسام ولكن وفقا للزمن الذي يضعه المستعمر الجديد، وما يتفق مع مصالحه، وما يسعى إليه.
وإذا كان الهامش الديمقراطي ومساحة الحرية المشروطة في الغرب قد سمحت بتوجيه النقد للسياسات الإجرامية وأيضا بالمظاهرات، فإن مساحة الاستبداد والاستعباد في الدول العربية قد حولت المجرمين والقتلة إلى حمائم سلام، والمعتدى عليهم إلى شياطين وإرهابيين يجب إبادتهم إما بالأسلحة المحرمة دوليا أو بالحصار والتجويع، وأما الشعوب فالسجون مقر للعلماء والمثقفين وصناع الرأي العام، حتى الدعاء على الظالمين والمجرمين جريمة تستوجب العقاب، والمساءلة والاتهام، فما بالك بالمواطن العادي.
جرائم الإبادة تتوالى واحدة بعد أخرى، وكلما أدان العالم واحدة، تبعتها ثانية، ومع ذلك فإن الإعلام المتصهين يبرر ذلك ويبارك المزيد ويحمل الضحية والمعتدى عليه المسؤولية، ويطالب بإطلاق سراح أسرى الحرب لدى المقاومة مع أن الكيان الصهيوني يحتجز الشعب الفلسطيني كرهينة ويحتجز في سجونه الآلاف من أبطال فلسطين بالاشتباه، بل بلغة الرحمة من قبل عضو حكومة الصهاينة بن غفير – حينما سئل عن الأسرى- هل لديهم غذاء كما تفعل المقاومة “رعاية المحتجزين”؟ فصرح بالحرف الواحد- الأسرى الفلسطينيون يجب قتلهم بطلق في الرأس “قانون إعدام الأسرى”، وحتى تمرير قانون الإعدام سوف نعطيهم القليل للعيش لا أكثر من ذلك، هذه التصريحات وغيرها من تصريحات الحاخامات ورئيس الكيان ورئيس الوزراء في وجهة نظر القطيع المتصهين لا تشكل إرهابا ولا تستحق الإدانة والشجب والاستنكار، لأنها صادرة عن من يجب لهم الطاعة والولاء، أما من يناصر المستضعفين على أرض غزة وفلسطين دولا، أو أفرادا فهم مدانون ويجب معاقبتهم، ولو كان ذلك على حساب الدين والمبادئ والأخلاق والقيم.
يقولون إن الصهاينة استطاعوا مواصلة الحرب وهم المعتادون على الحروب الخاطفة، والسبب في ذلك أن هناك جيشاً من المرتزقة يمارس جرائم الإبادة ومن خلفه دعم دولي رهيب وعربي عجيب، ولولا ذلك لانهار،- ولكن البطولة هي الصمود الأسطوري للمقاومة المحاصرة من الإجرام الصهيوني الصليبي، والصهيونية العربية، وجيش الخونة والعملاء العرب، صنعوا أسلحتهم بأنفسهم وواجهوا العدو من مسافة صفر وأدناها وسطروا ملاحم في مبادئ الثبات والشجاعة والتحدي ستظل تذكر كالأساطير والبطولات النادرة للفئة المؤمنة التي بشر بها خاتم الأنبياء وسيد المرسلين سيدنا محمد بن عبدالله الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويصدق فيهم قول الله سبحانه ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ”.
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
كيف سينظر الغرب إلى الإبادة في غزة؟
علي بن حمدان الرئيسي **
في روايته الأولى الديستوبيَّة "الحرب الأمريكية" (2017)، يصف الصحفي والروائي عُمر العقاد مذبحةً تقع في مخيم للاجئين بدقة مرعبة وهادئة. ويلاحظ من خلال عيون امرأة تدعى سارات: "كانت الجثث تشكل بركًا رطبة في الأرض المتربة. كانت هناك حرارة فيهم. شعرت سارات بحرارة على جلدها، رطبة وحقيقية مثل البخار المتصاعد من قدر يغلي. كانت تعرف ما هو. كانت حرارة الحياة المُنطفئة. حرارة شيء يغادر".
ولكن المفاجأة هنا أن المخيم يقع على الحدود بين ولايتي ميسيسيبي وألاباما في الولايات المتحدة الأمريكية. إنه عام 2081؛ حيث تنزلق الولايات المتحدة إلى حرب أهلية. ويزور العقاد -الذي وُلِدَ في مصر ونشأ في قطر وانتقل إلى كندا في سن المراهقة ويعيش الآن في ولاية أوريجون الأمريكية- الولايات المتحدة المتخيلة التي يعيش فيها الناس العاديون في جزء من العالم الذي نشأت فيه عائلته.
إن موقع المذبحة في الرواية يسمى "معسكر الصبر". وهو اسم يُردد صدى مخيم صبرا للاجئين في لبنان، وهو مسرح لقتل جماعي للمدنيين، معظمهم من الفلسطينيين، على يد ميليشيا مدعومة من إسرائيل في عام 1982. ولكن عند إعادة قراءة الفصل الآن، فمن المستحيل ألا نفكر أيضًا في المذابح التي ارتكبتها إسرائيل في غزة.
في كتابه الجديد "ذات يوم، سوف يكون الجميع ضد هذا إلى الأبد"، والذي يتناول ردود الفعل الأمريكية والأوروبية إزاء الدمار الذي حل بغزة، يحاول العقاد، بطريقة مختلفة للغاية، أن يفعل الشيء نفسه: إرغام القراء الأمريكيين على التفكير في الضحايا الفلسطينيين ليس باعتبارهم "هم"؛ بل باعتبارهم "نحن". وإذا كان العقاد يُحاوِل في روايته سد الفجوة المعرفية بين أمريكا والشرق الأوسط، فإنه في "في يوم من الأيام" يثور على اتساع هذه الفجوة، بنفس الطريقة التي يتم بها، على الأقل في الخطاب الرسمي، إبقاء المعاناة الهائلة التي يعيشها المدنيون في غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 تحت السيطرة، وحصرها في الظلام الخارجي للأشياء التي تحدث لأشخاص ليسوا بشرًا تمامًا.
في إحدى لحظات "الحرب الأمريكية"، ترى سارات أن "الرغبة في الأمان ربما كانت في حد ذاتها مجرد نوع آخر من العنف؛ عنف الجبن والصمت والخضوع. فما الأمان في كل الأحوال إلا صوت قنبلة تسقط على منزل شخص آخر؟". وهذه فكرة تتكرر في "يوم من الأيام" عندما يسترجع العقاد ذكرياته الأولى عن الحرب، والتي تتلخص في مشاهدته لقناة "سي إن إن"، بينما كانت القنابل الأمريكية تسقط على بغداد أثناء حرب الخليج الأولى في عام 1990: "لقد كان الأمر أشبه بما حدث لبعض الأماكن، ولبعض الناس: لقد تحولوا إلى كرات من الضوء الأبيض الباهت. ما كان يهم هو أننا لم نكن نحن ضحايا هذه الحرب".
في الرواية، يُزعج العقاد قراءه بإسقاط حاضر أمريكا في صورة مرعبة لما قد يبدو عليه وطنهم المألوف بعد عقود عديدة. وهنا، يسعى إلى إرباكنا بالقيام بالعكس، مطالبًا إيانا بالنظر إلى الحاضر من منظور مستقبل مُتخيَّل: "ذات يوم، سوف يُعتبر من غير المقبول، في الدوائر الليبرالية المهذبة في الغرب، عدم الاعتراف بجميع الأبرياء الذين قُتلوا في تلك الأحداث المؤلمة التي وقعت منذ زمن بعيد... ذات يوم، سوف تقبل العملة الاجتماعية الليبرالية كعملة قانونية معاناة أولئك الذين قضي عليهم في السابق بصمت".
ولكن العقاد نفسه يكافح ضد الصمت، ليس الصمت الناجم عن اللامبالاة أو الجبن؛ بل الصمت شبه الكامل الذي فرضته عدم قدرة اللغة في مواجهة الإبادة الجماعية. لقد ذكّرتني رواية "ذات يوم" بقول صمويل بيكيت عن "غياب القدرة على التعبير... جنبًا إلى جنب مع الحاجة للتعبير".
ومهما كان رأي المرء في حُججه، فإن الكتاب يتمتع بالحيوية اليائسة التي يتمتع بها كاتب يحاول انتزاع إجابة مناسبة من مجرد كلمات على سؤاله: "ما الذي بقي لي أن أقوله سوى المزيد من الموتى، المزيد من الموتى؟". إن هذا السؤال موجود في الهاوية بين العبء العاطفي الزائد الناتج عن متابعة التقارير الحية اليومية عن الفظائع، من ناحية، والمحاسبة المستقبلية التي لم تصل بعد من ناحية أخرى. ويكتب العقاد: "ربما يكون هذا هو الوقت الذي لا وزن له حقًا، بعد أن تفقد الصفحة الأولى اهتمامها، ولكن قبل أن تصل كتب التاريخ".
ولكي يعطي العقاد وزنًا للكلمات فيما يصفه بسخرية أنيقة نموذجية بأنه "فترة الانتظار الإلزامية" قبل أن يتسنى للمرء أن يتحدث عما لا يمكن التحدث عنه، فقد ابتكر شكلًا يمكن أن نطلق عليه "المجادلة"، وهو مزيج من الجدل والمذكرات. ورغم أنه ربما لا يكون مزيجًا تمامًا؛ فإن الشخصي والسياسي لا ينسجمان دائمًا. إن ذكرياته -عن الأسرة، والنزوح، وكونه مُسلمًا غريبًا مُشتَبَهًا به في أمريكا الشمالية، وسنوات عمله كصحفي مع صحيفة "ذا جلوب آند ميل" يُغطي، من بين أمور أخرى، الحروب في أفغانستان والعراق- تُستَحضر بشكل رائع، وتتميز بالبرودة المكررة للخبرة التي تم صقلها عبر الزمن والتأمل.
والجانب الجدلي في الكتاب، والذي تم كتابته في خضم العنف المروع، أكثر إرباكًا، وهو أمر مفهوم؛ فالجدال يسعى إلى الإقناع، ولكن العقاد يكتب في إحدى النقاط أنه "لم تعد هناك حجج يمكن تقديمها". إن "التزامه بالتعبير" داخل عالم النشر الأمريكي السائد يتعارض مع استنتاجه أنه لا يوجد شيء يمكن إنقاذه من الليبرالية الغربية.
لا يرى أن القتل في غزة خيانة للمبادئ الديمقراطية؛ بل يعتبره دليلًا على أن هذه المبادئ كانت أكاذيب منذ البداية: "لقد كانت هذه هي الحال دائمًا". ويقترح أنه لا يوجد شيء يمكن فعله سوى "المقاومة السلبية"، والابتعاد عما يسميه باستمرار ولكن بشكل غامض "الإمبراطورية". ولكن كتاب "ذات يوم" هو أكثر من ذلك بكثير؛ ففي أفضل حالاته، هو بمثابة سبر للأعماق المُظلمة لوعي جماعي تشكله الحاجة إلى التهرب من الأدلة اليومية على الكارثة السياسية والبيئية. وعندما قرأته وأنا أشاهد لوس أنجلوس تحترق، وأشاهدُ لقطات الطائرات بدون طيار التي تبدو فيها المدينة وكأنها مدينة تعرضت لقصف جوي، أذهلتني رؤية العقاد القائلة إنه "عندما تأتي حرائق الغابات الأكبر -كما حدث بالفعل- فإن الصناعات التي ساعدت في إحداث هذا الكارثة بتجاهلها القاسي، سوف تعتمد على تسامحنا المتزايد مع الكارثة". وكتابه يمثل صرخة حزينة ولكنها بليغة ضد تسامحنا مع كوارث الآخرين.
** ترجمة لمراجعة رواية عمر العقاد "ذات يوم، سوف يكون الجميع ضد هذا إلى الأبد" بقلم فنتان أوتيل، والمنشورة في صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية بتاريخ 25 فبراير 2025
رابط مختصر