غزة والإسلام وإمبراطور الإعلام الفرنسي المسيحي المتطرف
تاريخ النشر: 28th, July 2024 GMT
رفضت هيئة تنظيم البث في فرنسا تجديد ترخيص قناة ترفيهية يملكها الملياردير اليميني الأصولي الكاثوليكي فانسون بولوري، وهي المرة الأولى التي تفعل فيها ذلك بالنسبة لمحطة تلفزيونية مجانية. وتعرضت قناة C8 لغرامات قدرها 7.6 مليون يورو لانتهاكها معايير البث، لأسباب من بينها الترويج لنظريات المؤامرة والأخبار المزيفة، فضلا عن عدم احترام التعددية.
على الرغم من تجريد C8 من ترخيصها، فقد تم تجديد تراخيص القنوات الأخرى المملوكة لبولوري، وخاصة قناةCNews (سي نيوز) التي تقدم على أنها إخبارية رغم أنها تطغى عليها النقاشات في اتجاه إيديولوجي يميني يعزف على وتر معاداة الهجرة باستهداف عنصري، إسلاموفوبي.
وقدر برزت "سي نيوز" منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 كواحدة من الأذرع الإعلامية الفرنسية، التي تمارس أسوأ أنواع الدعاية الصهيونية لتبرير العدوان الإسرائيلي على غزة.
ولم يكن ذلك مفاجئا من القناة التي تبث لسنوات سمومها العنصرية والإسلاموفوبية. والمفارقة أن القناة التي ظلت تزعم الدفاع عن "اللائكية" (العلمانية الفرنسية) من التهديد الإسلامي، تبث على المباشر الصلوات المسيحية الكاثوليكية، وبرامج دينية مسيحية على هوى مالكها الكاثوليكي المتدين بولوري.
من مفارقات بالوري في دعمه لخطاب اليمين المتطرف العنصري الإسلاموفوبي هو رعايته لإيريك زمور المترشح الفاشل للانتخابات الرئاسية الفرنسية العنصري الصهيوني المتطرف إيريك زمور، حيث ظلت قناة "سي نيوز" وهي تقوم بتلميعه رغم فشله السياسي المتكرر له ولحزبه وآخرها الانتخابات البرلمانية الفرنسية، وقبلها انتخابات البرلمان الأوروبي.
واللافت أن "زمور" يعني بالأمازيغية "زيتونة"، وأصل عائلته من يهود الجزائر، وقد هاجرت إلى فرنسا في نهاية الخمسينات فقط (حيث ولد هناك)، بينما يزايد على معاداة المهاجرين والعرب المسلمين بالذات. وقد انتقد المؤرخ اليهودي الفرنسي (الذي ولد في الجزائر) بن جامين سطورا، مزايدات زمور، الذي وصفه بأنه "يهودي عربي"، عكس ما يدعي أي من اليهود الذين عاشوا في المنطقة العربية، وكثير منهم لجأوا خاصة للمنطقة المغاربية من إسبانيا بعد انهيار حكم المسلمين في الأندلس (الذي عاشوا فيه برفاه وخدموا حتى كوزراء فيه)، وذلك فرارا من البطش المسيحي الكاثوليكي لمحاكم التفتيش خلال ما سميت بحروب الاسترداد المسيحية الرهيبة، والمفارقة أن إيريك زمور، أطلق اسم "الاسترداد" على حزبه، بكل ما لذلك من إحالة ومن تأثير لراعيه بولوري.
من مفارقات بالوري في دعمه لخطاب اليمين المتطرف العنصري الإسلاموفوبي هو رعايته لإيريك زمور المترشح الفاشل للانتخابات الرئاسية الفرنسية العنصري الصهيوني المتطرف إيريك زمور، حيث ظلت قناة "سي نيوز" وهي تقوم بتلميعه رغم فشله السياسي المتكرر له ولحزبه وآخرها الانتخابات البرلمانية الفرنسية، وقبلها انتخابات البرلمان الأوروبي. والمفارقة أن زمور اليهودي يزايد بالدفاع عن هوية فرنسا باعتبارها مسيحية كاثوليكية أولا، مع الحديث عن تهديد المهاجرين المسلمين لـ"اللائكية" (العلمانية الفرنسية)، والدفاع عن طرح اليمين الفرنسي المتطرف المعادي تاريخيا لليهود، والعميل للاحتلال النازي لفرنسا، والمتواطئ معه في إبادة والتنكيل باليهود في فرنسا (أثناء الحرب العالمية الثانية)، وحتى الجزائر المستعمرة آنذاك. بينما ساهم مسجد باريس، الذي يشرف عليه جزائريون مثلا في إنقاذ وحماية العديد من اليهود، بإعطائهم وثائق تقول إنهم مسلمون وليسوا يهودا! وكذلك الشأن في الجزائر، عندما تضامن وساعد المسلمون المضطهدون فيها، اليهود الذين كانوا يتعرضون لـ "انتقام" شديد من قبل حكومة "فيشي" الفرنسية العميلة للنازيين حينها، بلغ حد نزع الجنسية الفرنسية منهم، ومنعهم من الدراسة والعمل.
ورغم هذه الوقائع التاريخية حاول زمور، عبر "سي نيوز" وغيرها من الأذرع الإعلامية التابعة لبولوري تزوير التاريخ بالزعم كذبا أن رئيس الحكومة الفرنسية العميلة النازية لألمانيا "فليب بيتان" أنقذ آلاف اليهود الفرنسيين من المحرقة النازية في ألمانيا!
ورغم أن بولوري، البالغ من العمر 72 عاما، أعلن قبل عامين تقاعده وتسليم إدارة أعماله لأولاده (3 أبناء وبنت)، لكنه ظل يفرض سلطته وتوجهاته الإيديولوجية على وسائل الإعلام الكثيرة المكتوبة (مثل صحيفة جورنال دو ديمانش الأسبوعية) والمسموعة (مثل إذاعة أوروبا 1) والمرئية التي يسيطر عليها.
وإلى جانب إمبراطوريته الإعلامية يسيطر على جزء كبير من دور النشر، بينها دار "فايار" التابعة للمجموعة الكبيرة "هاشيت". وفي ديسمبر الماضي أوقفت "فايار" نشر كتاب التطهير العراقي لفلسطين" للمؤرخ الإسرائيلي المعادي للصهيونية إيلان بابيه، التي نفذت طبعاته، في موقف واضح داعم للكيان الصهيوني من بولوري.
وينحدر فانسون (المولود عام 1952) من عائلة بولوري البورجوازية من منطقة "بروتوني". وهو ابن رجل الصناعة ميشيل بولوريه ومونيك فولوت، ابنة الطيار والصناعي هنري فولوت ونيكول غولدشميت، سليلة عائلة غولدشميت اليهودية.
وقد دخل فانسون بولوري، عالم الأعمال وهو في الـ18 من العمر في قطاع البنوك، ودرس القانون حتى الحصول على درجة الدكتوراه من جامعة باريس ـ نانتير.
وفي بداية ثمانينات القرن الماضي استلم شركة الورق العائلية التي كانت تعاني واستطاع انقاذها وتوسيع أعماله وتنويعها والتوجه للاستثمار في عدد من الدول الإفريقية، التي استفاد كثيرا منها وعلاقاته مع حكامها الفاسدين. وقد اتهم بولوري بالتربح على حساب استغلال العمال الأفارقة، وبينهم أطفال.
وبعد تزايد ثروته وتوسع أعماله اقتحم بولوري قطاع الإعلام واستطاع في قترة قصيرة السيطرة على حصة معتبرة منه، وهو يفرض بصماته الإيديولوجية الآن بوضوح على المشهد الإعلامي الفرنسي.
والمفارقة أن بولوري الذي يدعي الدفاع عن القيم المسيحية، كان قد انفصل من زوجته وأمه صوفي فوسوريه في نوفمبر 2004. وقد أقام علاقة مع فلورنس فوسوريه، إحدى أخوات صوفي. ثم عاش بولوري في عيش مشترك (بدون زواج رسمي أو ديني) مع الممثلة والروائية أناييس جانيريت قبل الانفصال.
وكانت مجلة "فوربس" صنفت بولوري في المرتبة 189 ضمن أثرياء العالم والثامن في فرنسا بثروة تبلغ 9 مليارات دولار.
*كاتب جزائري مقيم في لندن
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه فرنسا اليميني فرنسا اعلام رأي يمين تأثيرات مقالات مقالات مقالات رياضة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة سی نیوز
إقرأ أيضاً:
فضيحة “الدرونز” التي كشفت مشاركة فرنسا في إبادة غزة
#سواليف
في ليلة 17 يوليو/تموز 2014، كانت عائلة شحيبر التي تنحدر من #غزة على موعد مع حادث أليم ومُعتاد في #فلسطين المحتلة، حيث قصف #جيش_الاحتلال منزلهم. أما الهدف الإستراتيجي، فتمثل في قتل عدة أطفال: أفنان (8 سنوات)، ووسيم (9 سنوات)، وجهاد (10 سنوات)، الذين استُشهِدوا وهم يُطعِمون الحَمام على سطح المنزل، فيما تسبب القصف في استشهاد طفلين آخرين.
بعد القصف مباشرة، بدأت منظمتان حقوقيتان هما “الميزان” الفلسطينية و”بتسيليم” الإسرائيلية في البحث عن السبب الحقيقي وراء الاستهداف، لكنها خلصت إلى عدم وجود أي هدف عسكري في منزل شحيبر حسب ما أكدته الأمم المتحدة نفسها بعد ذلك في تقرير نشرته في يونيو/حزيران 2015.
هناك سؤال ثانٍ كان يؤرق المحققين المستقلين حيال #السلاح الذي استُخدِم في القصف، وما أثار الاهتمام في أثناء تنقيب المحققين هو أسطوانة سوداء حملت نقوشا مسحها الانفجار جزئيا وعليها كُتب “أوروفارد ـ باريس ـ فرنسا”.
مقالات ذات صلةبسبب هذا الاكتشاف رفعت أسرة شحيبر دعوى في فرنسا ضد شركة “إكسيليا”، بسبب تواطؤها المحتمل في جريمة حرب اقترفتها إسرائيل في عملية “الجرف الصامد”. تقول هذه الأسطوانة الكثير عن الدعم العسكري والتقني الفرنسي لصالح جيش الاحتلال، وأحدث فصل فيه ما كشف عنه موقع “ديسكلوز” في تحقيق يورط فرنسا في #جرائم_إسرائيل في حق أهل غزة أثناء #حرب_الإبادة الدائرة حاليا.
رمادية فرنسية
قبل انطلاق الحرب على غزة يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت فرنسا رسميا وإعلاميا أيضا تصرح بالدعم الكامل لجيش الاحتلال للرد على ما حدث في السابع من أكتوبر. لكن إسرائيل حولت هذا الزخم الغربي من التعاطف إلى الإقدام على #جرائم حرب يصعب إخفاؤها.
بدأ التوجس يجد طريقه إلى أروقة الداعمين الغربيين، خصوصا مع ارتفاع الأصوات الرافضة للإبادة في الرأي العام الغربي، ومحاولاته الضغط على صناع القرار لوقف تصدير السلاح إلى إسرائيل.
في فرنسا، سبق أن وجَّه 115 برلمانيا في أبريل/نيسان من عام 2024 رسالة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مطالبين إياه بإيقاف مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل، لأن أي تحرك عكس ذلك يعني ضلوع باريس في الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني.
قبل ذلك بأيام، كان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قد أصدر قراره بحظر تصدير الأسلحة إلى دولة الاحتلال، وصوَّتت 28 دولة لصالح هذا القرار، فيما اعترضت 6 دول على رأسها الولايات المتحدة وألمانيا، أما فرنسا فوجدت لنفسها مكانا مريحا في المنطقة الرمادية التي جلست فيها 13 دولة من الممتنعين عن التصويت.
يتسق موقف فرنسا من هذا القرار الأممي مع موقفها العام حيال حرب غزة، وملف تزويد إسرائيل بالأسلحة، أو ببعض القطع التي تستعملها تل أبيب في صناعة أسلحتها التي توجهها في الغالب نحو الفلسطينيين العُزّل.
منذ بداية الحرب على غزة، سلكت فرنسا مسلكا يرقص على جميع الحبال، فهي لم تعلن قطع أي تعامل عسكري مع دولة الاحتلال، لكنها في الوقت نفسه نزلت بهذا التعاون إلى أقل درجة ممكنة، بحيث تحافظ على خيط رفيع يربطها بتل أبيب، مع بذل كل الجهد المطلوب للمحافظة على هذا الخيط من الانقطاع.
موضوعيا، لا تُمثِّل تجارة الأسلحة بين فرنسا وإسرائيل إلا 0.2% فقط من 27 مليار يورو من صادرات باريس إلى دول العالم التي يمكنها استعمالها عسكريا أو في مجالات تقنية أخرى وتكون غالبا مجرد قطع غيار، حسب تصريح سيباستيان ليكورنو، وزير القوات المسلحة الفرنسي.
لا تمانع فرنسا من تبادل المساعدة مع الإسرائيليين فيما يخص بيع الأسلحة، لكن المساعدة تخضع لحسابات أخرى أفصحت عنها مصادر لصحيفة “لوموند” أثناء التحقيق الذي نشرته الجريدة الفرنسية عام 2021 حول برنامج “بيغاسوس” للتجسُّس، حيث يقول المصدر: “نحن قريبون من الإسرائيليين بمسافة تسمح لنا أن نعرف ماذا يفعلون، لكن في الوقت ذاته، لدى فرنسا رغبة واضحة في عدم مساعدة إسرائيل في أي عمليات تقوم بها في غزة، لذلك لا نريد أخذ أي مجازفة في إرسال بعض الأسلحة التي قد تُستعمل في ذلك”.
أسلحة فرنسا.. للدفاع فقط
في تقرير لها في 28 أبريل/نيسان الماضي، أفادت صحيفة “لوموند” أن فرنسا حتى قبيل الحرب الأخيرة على غزة كانت تزود إسرائيل بقطع ضرورية لصنع القذائف المدفعية، لكن في أكتوبر/تشرين الأول 2023، قررت باريس وقف العقود الخاصة بهذه القطع.
وتشير تقارير البرلمان الفرنسي الصادرة عام 2023 إلى أن فرنسا أرسلت إلى إسرائيل عددا من المعدات الخاصة بتدريع السيارات والمراقبة عبر الأقمار الصناعية.
بعيدا عن المعلومات التي جاءت في وسائل الإعلام الفرنسية، ثمَّة أخبار أخرى أكثر لفتًا للأنظار، منها التحقيق الاستقصائي الذي نشره موقع “ديسكلوز” الفرنسي في مارس/آذار 2024، وقال إن باريس سمحت في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2023 بإرسال شحنة تضم ما لا يقل عن 100 ألف خرطوشة (ما يغلّف الطلقة)، انطلقت من مرسيليا عبر شركة “أورولينكس” الفرنسية المتخصصة في صناعة المُعدات العسكرية.
يشير التحقيق إلى أن حجم الشحنة وصل إلى 800 كيلوغرام من الذخائر أُرسِلَت إلى شركة “آي إم آي سيستمز” الإسرائيلية، المُزوِّد الحصري للجيش الإسرائيلي لهذا النوع من الذخائر، ويتعارض هذا التمويل المباشر مع تأكيد باريس عبر قياداتها السياسية أن الأسلحة والمعدات الدفاعية فقط هي ما تصل إلى تل أبيب.
فضيحة المُسيَّرات
مع جولة خفيفة في مواقع التواصل الاجتماعي للعالقين في غزة، نجد أن صوت الخلفية المشترك بين الفيديوهات يغلب عليه ضجيج الطائرات المُسيَّرة، أو ما ُسميه أهل غزة بـ “الزنّانات”.
شكَّلت حرب غزة فرصة لإسرائيل لتفعيل الكتيبة 166 التي تحمل اسم “سرب الطيور النارية”، بحسب ما نشر موقع “إسرائيل ديفِنس”، والهدف من هذه الطائرات هو مراقبة غزة، ثم تنفيذ الضربات. وضمن هذا السرب هناك الطائرة “هيرميس 900” التي يصل طولها إلى نحو 15 مترا، وهي قادرة على الطيران لمدة 30 ساعة متواصلة، وعلى ارتفاع 9000 متر.
لا يحتاج الضباط الذين يوجِّهون هذه الطائرات إلا إلى غرفة تحكم تبعد مئات الكيلومترات عن مسرح العمليات، ثم تنفيذ الضربات مستفيدين من الدقة الكبيرة التي توفرها هذه الطائرات الحديثة، حيث بإمكانها مثلا الإجهاز على سائق سيارة على بُعد 5 أو 10 أمتار دون إصابة أي راكب آخر في السيارة نفسها، رغم أن الاستعمال الإسرائيلي لهذه الأسلحة لا يهتم كثيرا بالقتلى المدنيين.
في تحقيق جديد حول صفقات السلاح بين فرنسا وإسرائيل، نشر موقع التحقيقات الفرنسي “ديسكلوز” وثائق تُثبت تورط شركة “تاليس” الفرنسية، التي تمتلك الدولة 26% من أسهمها، في تسليم إسرائيل مجموعة معدات إلكترونية تساعد في جمع قطع طائرة “هيرميس 900″، من بينها قطعة “TSC 4000 IFF”، وهي تساعد هذه المُسيَّرات على تجنُّب الصواريخ والمُسيَّرات “الصديقة” التي قد تعترض طريقها، حتى لا تسقط الصواريخ الموجهة نحو الفلسطينيين على الإسرائيليين أنفسهم.
يشير التحقيق إلى أن 8 قطع من هذه الأجهزة أُرسِلَت فعلا إلى إسرائيل بين ديسمبر/كانون الأول 2023 ومايو/أيار 2024، أي بعد أشهر من انطلاق العمليات الإسرائيلية في غزة.
ويسلط التحقيق الضوء على إشكالية مراقبة العقود السرية التي تعقدها الجهات العليا الفرنسية مع بعض الدول ومن بينها إسرائيل، وذلك رغم خروج وزير الدفاع الفرنسي يوم 20 فبراير/شباط 2024 أمام البرلمان مؤكدا أن جميع القطع التي تُرسَل إلى إسرائيل عبارة عن معدات يُتأكَّد من نوع الآليات التي تُستَعمل فيها.
يعود هذا التعاقد السري بين فرنسا وإسرائيل إلى 2 مارس/آذار 2023، حين اشترت شركة “إيلبيت سيستيمز” الإسرائيلية المصنعة لطائرات “هيرميس 900” ثماني قطع إلكترونية بمبلغ 55 ألف يورو للقطعة الواحدة من جهات فرنسية (440 ألف يورو إجمالا). وصل الطلب بعد أسابيع من انطلاق الرد الناري على هجمات 7 أكتوبر، في الوقت الذي كانت تحذر فيه الأمم المتحدة من أن النيران الإسرائيلية غالبا ما تطول النساء والأطفال الرضع.
ورغم ذلك، يقول موقع “ديسكلوز” إن وزارة الدفاع الفرنسية لم تحترم الاتفاقيات التي وقَّعت عليها بعدم بيع أسلحة لجهات تستهدف المدنيين، بل واصلت دعم تحركات حكومة نتنياهو في تدمير قطاع غزة.
كانت فرنسا قد واجهت في وقت سابق دعوة من 11 منظمة حقوقية تتزعمها منظمة العفو الدولية “أمنستي” بسبب إرسالها أسلحة إلى تل أبيب، مع العلم أن الأخيرة لا تجرب أسلحتها ولا الأسلحة التي تحصل عليها من حلفائها إلا في مواجهة الفلسطينيين.
سكوربيون
تجمع فرنسا وإسرائيل علاقة تسليح وتكنولوجيا وطيدة، ويكشف تحقيق مهم لموقع “أوريان 21” عن العلاقة بين جيش الاحتلال وجهاز الدفاع الفرنسي، وعن الغموض الكبير الذي يكتنف هذه العلاقة، التي تشهد تعاونا بين الفرنسيين والإسرائيليين على حروب المستقبل التي سيكون أبطالها الروبوتات والطائرات المُسيَّرة.
تمتاز العلاقات بين فرنسا وإسرائيل بنوع من الودية، وإن كانت قد تعكرت في الفترة الأخيرة، بيد أن الأمر ليس بذلك الوضوح أو الشفافية فيما يتعلق بالجانب العسكري، لأن العلاقة تتأرجح بين الود والمنافسة، بل تصل أحيانا إلى الاختراق. لا يحب الفرنسيون الطريقة التي يتعامل بها الإسرائيليون في مجال الصناعات العسكرية، فهم يكسرون الأثمان بهدف الاستيلاء على أسواق السلاح.
وليس هذا فحسب، بل أصبح جيش الاحتلال منذ سنوات يتوجه إلى أهم الأسواق التقليدية التي كانت فرنسا تتمتع بالأفضلية المطلقة فيها لينافسها هناك، وهي سوق أفريقيا.
منذ اتفاق أوسلو، استثمرت إسرائيل كثيرا في القارة السمراء، خصوصا في مجال حماية الأنظمة القائمة. وفي السياق نفسه، حافظ الإسرائيليون رغم ذلك على نوع من التعاون مع الفرنسيين كما حدث في الكاميرون، حيث دعموا الجيش الكاميروني للقتال ضد جماعة “بوكو حرام”، وأقدم مرتزقة إسرائيليون على تأطير كتيبة التدخل السريع، التي تعمل تحت قيادة الرئاسة مباشرة، وجهز الإسرائيليون كتيبة التدخل السريع ببنادق كانت حتى الأمس القريب لا تأتي إلا من الصناعة الفرنسية.
تجاوز تأثير السلاح الإسرائيلي رعايا فرنسا السابقين من الأفارقة إلى فرنسا نفسها. وصحيح أن جيش الاحتلال منذ بدء عدوانه الغاشم على غزة قد استعان بكل مَن له إبرة يمكنها أن تغطي حاجتها العسكرية لإبادة غزة وسكانها، إلا أن الإسرائيليين في الظروف العادية يؤثّرون بالفعل في مجال التسليح والدفاع الفرنسي، مع أن العكس ليس صحيحا بالضرورة.
ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت فرنسا هي التي تبيع الأسلحة لجيش الاحتلال، أما اليوم، فأضحت تل أبيب تبيع لباريس، إذ استوردت فرنسا أنظمة المراقبة الإلكترونية والمُسيَّرات، وحتى الجنود الآليين. ولا يُخفي الفرنسيون انبهارهم بالتكنولوجيا الإسرائيلية، وبالقليل من البحث، يمكننا الوصول إلى بعض نتائج هذا التعاون الخفي، أما الفاكهة المسمومة الأكثر نضجا هي “برنامج سكوربيون”.
لا يعلم الفرنسيون الكثير عن برنامج خفي يسمى “تآزر الاتصال المعزز بتعدد الاستخدامات وتثمين المعلومات”، المعروف اختصارا بـ”سكوربيون”، وهو برنامج “ذكي” سيدخل في قلب إستراتيجية القوات البرية الفرنسية للعقدين المقبلين.
أهم نقطة في برنامج “سكوربيون” هي تطوير قيادة رقمية واحدة تعتمد على وصلة مشتركة، تسمح للجنود المختلفين والأدوات العسكرية المنتشرة، وبالخصوص المُسيَّرات والروبوتات، بالاتصال في وقت واحد لاستباق أي ردود فعل يقوم بها العدو المفترض.
لذا، سيتمكن الجندي الفرنسي من الحصول على جميع هذه المعلومات عبر مواقع “جي بي إس” خاصة بالبرنامج، الذي عملت عليه شركة “إلبيت” الإسرائيلية، من أجل حرب “بدون ضوضاء”، وبحيث يُتيح هذا النظام الاستباقي لفرنسا أن تتجنَّب مقتل العديد من جنودها عبر قراءة التحركات الاستباقية لعدوها.
عمل جيش الاحتلال على تطوير تقنياته عبر تجريبها في غزة وفوق جثث أهلها، ولذلك تمكن من التقدم في نقاط ثلاث: أولها محو أصوات محركات المُسيَّرات، وثانيها تصغير حجمها وتطويرها بحيث يماثل حجمها حجم الحشرات، وأخيرا القضاء على أي آثار رقمية لها مع تحديد إشارات العدو.
كل هذا وأكثر يوجد في برنامج “سكوربيون” الذي لا تقتصر أهميته في الصناعة الفرنسية على الاستخدام، بل تتجاوزه إلى التصدير، حيث أبدت بعض الدول، ومنها دول عربية، حماسها الشديد للحصول عليه، وهو برنامج وصل بالطبع، قبل كل هؤلاء المشترين، إلى جيش الاحتلال الإسرائيلي.
وبذلك يبدو الموقف “المحايد” الذي تحاول القيادة السياسية في فرنسا اتخاذه من حرب الإبادة الحالية، موقفا لا تعضده مواقف الجانب العسكري، الذي بات بصورة أو بأخرى جزءا من هذه الحرب، وجزءا من آلة القتل التي تحرق وتدمر يوميا كل ما تطاله دون رادع.