سرايا - تهدف روسيا إلى استغلال عدم الاستقرار في الشرق الأوسط لتشتيت انتباه أميركا وتحويل مواردها بعيداً عن أوكرانيا. ومع ذلك، فإنها تريد تجنب اندلاع حرب إقليمية واسعة النطاق قد تضعف حليفتها إيران، وتعقد علاقاتها مع دول الخليج. وتشمل استراتيجية روسيا موازنة دعمها لإيران ووكلائها مع لوم الولايات المتحدة على أي تصعيد.

وعلى الرغم من الفوائد المحتملة لأي حرب، فإن الصراع الأوسع قد يشكل أخطاراً كبيرة على مصالح موسكو في المنطقة.


***
منذ الهجوم الذي شنته "حماس" على (إسرائيل) في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، سعدت روسيا بمشاهدة الوضع الآخذ بالتدهور في الشرق الأوسط، الذي يشغل بال عدوتها الرئيسة الولايات المتحدة. لكن قلق موسكو ازداد في 13 نيسان (أبريل)، عندما أطلقت طهران، التي يربطها بموسكو تحالف متنام، أكثر من 300 صاروخ وطائرة مسيرة على (إسرائيل) في رد على هجوم شنته الأخيرة على قنصلية إيران لدى دمشق. وعلى الرغم من أن هذا الهجوم تم تحييده بصورة فعالة من خلال الدفاعات المضادة للصواريخ والدعم المنسق من الولايات المتحدة والشركاء الغربيين، ردت (إسرائيل) بعد ستة أيام بضربة وجهتها إلى نظام الدفاع الجوي بعيد المدى من طراز "أس-300" في أصفهان، وهي مدينة تقع في العمق الإيراني. وأثناء الضربات، أشارت كل من (إسرائيل) وإيران إلى حرصهما على تجنب الانزلاق إلى الحرب. ومع ذلك، من خلال استهداف كل منهما الأخرى بصورة مباشرة في أراضيها، ألمح الخصمان القديمان إلى أن قواعد الاشتباك غير المكتوبة بينهما قد تغيرت، مما يجعل من الصعب على كل منهما توقع تصرفات الطرف الآخر ونواياه، والحد من أخطار التصعيد. وقد أثار هذا قلق روسيا، التي كانت تعمل بحذر بالغ من أجل تقويض سلطة الولايات المتحدة في المنطقة من دون أن تصبح متورطة كثيرا في أزمات المنطقة، كما أنها لم ترغب في رؤية حرب أوسع نطاقاً وهي تندلع في الشرق الأوسط.
بطبيعة الحال، يمكن أن تتمخض التوترات المتصاعدة بين إيران و(إسرائيل) عن فوائد لموسكو. فمن المؤكد أن المزيد من التصعيد في الشرق الأوسط من شأنه أن يحول انتباه واشنطن وإمداداتها عن أوكرانيا، حيث تشن روسيا هجومها حالياً. وكانت هذه الديناميكية واضحة سلفاً في أعقاب أحداث السابع من تشرين الأول (أكتوبر) مباشرة، عندما أرسلت إدارة بايدن وحدات إضافية من منظومة "باتريوت" إلى الشرق الأوسط، أخذتها من مخزون محدود من الأنظمة التي كانت كييف تسعى بشدة إلى الحصول عليها. وفي نيسان (أبريل)، وتحسباً لضربة انتقامية إيرانية ضد (إسرائيل)، قامت الولايات المتحدة بنقل المزيد من العتاد العسكري إلى المنطقة للمساعدة في الدفاع عن الدولة العبرية، ثم أرسلت واشنطن، في حزيران (يونيو)، مع تصاعد التوترات بين (إسرائيل) و"حزب الله"، سفناً وقوات من مشاة البحرية الأميركية إلى المنطقة. وسوف يستدعي مزيد من التصعيد التزاماً بتوفير موارد إضافية من الولايات المتحدة، وهو ما لا يمكن للكرملين إلا أن يرحب به. وعلاوة على ذلك، من المرجح أن تؤدي حرب تنشب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار النفط، مما سيعقد أكثر جهود إدارة بايدن للسيطرة على كلفة الوقود التي يدفعها المستهلك الأميركي العادي قبل أشهر من الانتخابات الأميركية. ومن المؤكد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سوف ينظر بسرور إلى مأزق الرئيس جو بايدن.
مع ذلك، سيكون من شأن اندلاع حرب أوسع نطاقاً في المنطقة أن ينطوي على أخطار كبيرة بالنسبة إلى موسكو. إذا بدأت (إسرائيل) في محاربة "حزب الله" أو إيران، فسيتعين على الكرملين أن يواجه ثلاث نتائج خطرة: تورط حليفته سورية؛ وإضعاف قدرة إيران على تزويد روسيا بالأسلحة؛ وتعقيد علاقات روسيا مع دول الخليج العربية وإيران. وفي حرب تدور في ميدان أكبر، ينبغي على الولايات المتحدة أن تتوقع من موسكو تقديم دعم محدود لخصوم (إسرائيل) وإلقاء اللوم بصوت عال على واشنطن في التصعيد، مع تفادي روسيا التدخل العسكري المباشر. ولذلك، ينبغي على الولايات المتحدة استخدام الوسائل الدبلوماسية والعسكرية المتاحة لها من أجل ضمان عدم تفاقم التوترات وخروجها عن السيطرة في المنطقة.
الطريق إلى دمشق
حتى لو تجنبت إيران و(إسرائيل) المواجهة بصورة مباشرة، فإن تصعيد الصراع الإسرائيلي الحالي مع "حزب الله" سيكون محفوفاً بالأخطار بالنسبة لروسيا. وإذا قررت (إسرائيل) أن تغزو لبنان، فمن المرجح أن يقود ذلك إلى دمار ينتشر على رقعة كبيرة، فضلاً عن استهداف حزب الله لـ (إسرائيل) بهجوم صاروخي. ومن الممكن أن تصبح سورية، حيث تحتفظ روسيا بقواعد بحرية وجوية، بصورة سريعة ساحة ثانوية للصراع لأن "حزب الله" يملك فيها عدداً من المواقع وطرق الإمداد التي ستضربها (إسرائيل). وإلى جانب هجومها على القنصلية الإيرانية في دمشق، وجهت (إسرائيل) سلفاً ضربات للبنية التحتية السورية، بما في ذلك مستودعات للذخيرة ونقاط تفتيش ومقار قيادة، التي تمكن إيران من نقل الأسلحة إلى "حزب الله" وغيره من الشركاء. وفي أوائل تموز (يوليو)، أدت غارة جوية إسرائيلية بطائرة من دون طيار في سورية إلى مصرع اثنين من مقاتلي "حزب الله"، ما دفع الجماعة إلى إطلاق الصواريخ على مرتفعات الجولان. وتناقلت وسائل الإعلام العبرية، في الآونة الأخيرة، تقارير مفادها بأن تل أبيب قد حذرت الرئيس السوري بشار الأسد من المشاركة في الحرب الحالية في غزة، حتى إنها هددت بتدمير نظامه إذا شُنت هجمات أخرى من بلاده.
على الأغلب ستتزايد الهجمات الإسرائيلية على سورية في حال اندلاع حرب شاملة مع "حزب الله". وعلى الرغم من أن التأثير لن يكون مدمراً بالقدر الذي سيشهده لبنان، فإنه من المحتمل أن يوتر روسيا. وتشكل أوكرانيا في حد ذاتها أولوية في السياسة الخارجية الروسية، لكن سورية تظل مهمة بالنسبة للكرملين كمثال على صراع كانت فيه الغلبة لروسيا، بعد أن وقفت إلى جانب حليفتها. وتمتاز سورية أيضاً بقيمة استراتيجية بالنسبة لروسيا لأنها تعمل كمنصة انطلاق لبسط قوة موسكو في شرق البحر الأبيض المتوسط من قاعدة بحرية في طرطوس وقاعدة جوية في حميميم قامت روسيا بتحديثهما وتوسيعهما قبل غزو أوكرانيا. ويشكل البلد أيضاً مركزاً لنقل العتاد العسكري إلى ليبيا ومنطقة الساحل في أفريقيا، حيث يتوسع الوجود الروسي.
هناك العديد من الأهداف السورية المحتملة. وكان مطارا حلب ودمشق بالفعل هدفين لـ (إسرائيل). إلا أنه في حال نشوب حرب إسرائيلية مع "حزب الله"، فإن قاعدة حميميم الجوية التي تديرها روسيا في غرب سورية، التي يمكن استخدامها كمحطة عبور للأسلحة الإيرانية، قد تصبح هدفاً أيضاً. وستقوم (إسرائيل) على الأغلب بتنبيه موسكو قبل تنفيذها أي ضربات من هذا القبيل لأن إلحاق الأذى بالطاقم الروسي قد يؤدي إلى تصعيد الصراع.
مع ذلك، من الممكن أن تُستهدف بعض الممتلكات الروسية هناك من أسلحة ومنشآت. وربما كان القرار الذي اتخذته موسكو في كانون الثاني (يناير) بتكثيف دورياتها الجوية على طول خط فض الاشتباك بين سورية ومرتفعات الجولان بمثابة تحذير لكل من إيران و(إسرائيل) من السماح لسورية بالانجرار إلى دوامة صراع إقليمي. وفي حال تزايد الهجمات الإسرائيلية على سورية، من المحتمل أن تقوم موسكو بالتشويش الإلكتروني من حميميم لتعطيل العمليات الإسرائيلية والسماح للسوريين باستخدام أنظمة الدفاع الجوي الروسية للاشتباك مع الطائرات المقاتلة الإسرائيلية. ومن المرجح أن ترغب موسكو في تجنب خلق الانطباع بأن قواتها تقاتل (إسرائيل) بصورة مباشرة، إلا إذا اعتقدت أن وجودها في سورية مهدد بصورة أساسية.
المخزونات تضمحل
إذا انفجر الوضع في الشرق الأوسط، فقد تنجر إيران أيضاً إلى الصراع. وقد أفادت تقارير بأن المجلس الوزاري الحربي الإسرائيلي قد بحث خيارات معددة قبل توجيه ضربة انتقامية ضد إيران في 19 نيسان (أبريل)، بما في ذلك ضرب مرافق استراتيجية بينها قواعد للحرس الثوري أو منشآت البحوث النووية. ولكن، بدلاً من ذلك، أقر قرار تل أبيب على القيام برد معتدل. ومن المؤكد أن قادتها سيكونون أقل تحفظاً في حال حدوث المزيد من التصعيد، علماً أن لديهم القدرة على إلحاق أضرار جسيمة بإيران. وقد ظهر ذلك عندما استهدفت (إسرائيل) المنشأة في أصفهان، مما كشف عن قوة المصادر الاستخباراتية الإسرائيلية وقدرتها على العمل فوق الأراضي الإيرانية. وليس هناك شك في أن الهجمات المستقبلية يمكن أن تشل إيران.
ومن الممكن أن تستهدف الضربات الإسرائيلية منشآت الإنتاج الإيرانية للطائرات من دون طيار في منطقتي طهران وأصفهان، أو الصواريخ البالستية في طهران وخوجير وشهرود، أو الذخيرة في بارشين وأصفهان. كما قد تتعرض للهجوم أيضاً المنشآت التي تنتج مكونات حيوية في صناعة الأسلحة، مثل محركات الطائرات من دون طيار في طهران وقم ومحركات الصواريخ البالستية الصلبة في خوجير وشهرود. وعلى الرغم من أن مثل هذه المرافق منتشرة في كل أنحاء البلاد، فإن الضربات واسعة النطاق يمكن أن تؤثر، على المدى القصير على الأقل، في عمليات نقل الأسلحة الإيرانية إلى روسيا من هذه الفئات.
ينطوي اندلاع حرب واسعة النطاق في الشرق الأوسط على أخطار كبيرة بالنسبة لموسكو. واعتماداً على ما تقرره (إسرائيل) -أو الولايات المتحدة إذا اختارت الانضمام إلى الهجوم- في وضع يشهد بعض التصعيد، فإن صناعة الدفاع الإيرانية يمكن أن تتعرض إلى ضغوط خطيرة. وسيكون لهذا عواقب على روسيا التي اعتمدت على إيران في الحصول على الطائرات من دون طيار وغيرها من الأسلحة لشن حربها في أوكرانيا. وفي الواقع، منذ غزو أوكرانيا في العام 2022، قامت موسكو وطهران بتوسيع تعاونهما العسكري الفني بصورة كبيرة؛ حيث تلقت روسيا أنواعاً مختلفة من الطائرات الإيرانية المقاتلة من دون طيار، وقذائف المدفعية، وذخائر الأسلحة الصغيرة، والقنابل الانزلاقية. واعترافاً بهذا الاعتماد، بدأت روسيا الإنتاج المحلي لطائرات "شاهد" الإيرانية من دون طيار وحصلت على إمدادات عسكرية إضافية من كوريا الشمالية. وعلى الرغم من أن هذه التغييرات ربما تكون قد قللت من اعتماد روسيا على نقل أنظمة الأسلحة الإيرانية إلى حد ما، فمن المؤكد أن موسكو لا ترغب في رؤية الصناعة الدفاعية لشريكتها وهي تواجه الإبادة. وما دامت تقاتل أوكرانيا، سوف ترغب روسيا في ضمان قدرة طهران على المساعدة في تجديد مخزونها، وفي الوقت نفسه الدخول في شراكة مع موسكو لتطوير أنواع جديدة من الطائرات من دون طيار.
كما سيكون من شأن دخول إيران في الحرب أن يسبب مشكلات أخرى لموسكو. فإذا اختارت (إسرائيل) مهاجمة إيران، ستحتاج طهران إلى حشد كل قدراتها العسكرية للرد. ونظراً لافتقارها إلى قوة جوية أو دفاعات جوية فعالة، سيتعين على إيران الاعتماد على أسطولها من الصواريخ والطائرات من دون طيار، وسيحد ذلك بشدة مما يمكنها إعطاؤه لروسيا. وحتى لو اقتصر التصعيد في الشرق الأوسط على القتال العنيف بين (إسرائيل) ووكلاء إيران، فسوف تحتاج طهران إلى تجديد ترسانات شركائها، ما يعني مرة أخرى أنه سيكون أمامها مجال أقل لدعم موسكو، كما يمكن أن تنطوي حملة تقودها (إسرائيل) ضد إيران على مجازفات على مستوى السمعة بالنسبة لروسيا. ففيما تشكل الحرب في أوكرانيا قمة أولوياتها، ليست لدى موسكو القدرة على، ولا الرغبة في، تقديم المساعدة لإيران في حال نشوب صراع عسكري خطر. وفي الواقع، أرادت روسيا دائماً تجنب الدخول في حرب مع (إسرائيل)، ناهيك عن القوات الأميركية، في الشرق الأوسط. وإذا تصاعدت التوترات، فإن روسيا لن تبرز كدولة تتمتع بالشهامة وتهب لنجدة حليفتها إيران. وسوف تتحدث بصوت عال عن العدوان الأميركي، وربما تزيد من دعمها العسكري لإيران في أعقاب الهجوم، إلا أنها ستحرص على عدم التورط فيه. وقد يؤدي هذا التقاعس عن التحرك إلى تشويه سمعة روسيا في المنطقة وخارجها. وعلى المدى المتوسط، ربما تدفع الحرب الإيرانية الإسرائيلية طهران، بمجرد تعافيها، إلى الحصول على سلاح نووي، وهي النتيجة التي لن ترغب روسيا في رؤيتها، بسبب الأخطار المرتبطة بتطور من هذا النوع.
المناورة الدقيقة
قد يؤدي التصعيد الإقليمي أيضاً إلى تعقيد علاقات روسيا مع إيران ودول الخليج العربية. في السنوات الأخيرة، سعت الإمارات والسعودية إلى التقارب مع إيران، على اعتبار أن الحوار المباشر والعلاقات الاقتصادية هما أفضل وسيلة للحفاظ على الاستقرار الإقليمي. وعلى الرغم من أن هذا التقارب تم تنظيمه من دون مساهمة روسية، فإنه عاد على موسكو بالفائدة. فقد سهل على الكرملين أن يقيم تحالفاً وثيقاً مع إيران وشركائها ووكلائها الذين يشكلون القوى الرئيسة المناهضة للغرب في المنطقة، مع الحفاظ على علاقات روسيا مع الدول العربية. وفي الوقت نفسه، هيأ التنسيق مع دول الخليج ضمن "أوبك+" لروسيا أن تمارس تأثيراً في سوق النفط.
كما ساعدت علاقات روسيا مع دول الخليج وإيران موسكو على تبرير توسيع عضوية مجموعة "بريكس"، وهي الكتلة التي أسستها البرازيل وروسيا والهند والصين في العام 2009، ثم انضمت إليها جنوب أفريقيا في العام التالي. وفي العام 2023، ارتفع عدد أعضاء المجموعة ليشمل إيران والإمارات العربية المتحدة، إلى جانب مصر وإثيوبيا، مما أفضى إلى تدعيم جهود الكرملين الرامية إلى بناء تحالف متنامٍ من القوى غير الغربية. ومن الأسهل بكثير على روسيا أن تحافظ على هذه العلاقات عندما يكون الخليج العربي متناغماً بدلاً من الانخراط في لعبة غالب أو مغلوب يكون التعامل فيها مع أحد طرفي الصراع مثيراً لغضب الطرف الآخر. ولا عجب إذن أن يشعر الدبلوماسيون الروس بالسعادة عندما وعد ملك البحرين، حمد بن عيسى آل خليفة، في أيار (مايو)، خلال زيارة قام بها إلى موسكو، بأن بلاده، وهي دولة خليجية عربية، ستقوم بتطبيع العلاقات مع إيران.
وقد يؤدي تصعيد عسكري بين (إسرائيل) وإيران إلى تعقيد خطط روسيا. وربما تشمل الأهداف المحتملة للوكلاء الإيرانيين المنشآت العسكرية الأميركية أو المراكز الاستراتيجية، مثل المنشآت النفطية التي استهدفها الحوثيون سابقاً في السعودية والإمارات. وبصرف النظر عمن يطلق الطلقة الأولى، من المرجح أن تلقي دول الخليج العربية باللوم على حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إذا حصل أي تصعيد. ومن شأن البرود الأخير في العلاقات بين (إسرائيل) والإمارات وحكومات الخليج الأخرى نتيجة حرب غزة أن يرضي الكرملين. ومع ذلك، فإن التصعيد الإقليمي يشكل أخطاراً قد تؤثر في الانفراج العربي الإيراني أيضاً، وبالتالي في روسيا.
مشكلات
في نيسان (أبريل) بدا أن إيران و(إسرائيل) تتجهان نحو حافة الهاوية، إلا أنهما تمكنتا بعد ذلك من ضبط النفس. وإذا ذهبتا إلى ما هو أبعد من ذلك في المرة المقبلة، أو إذا قررت (إسرائيل) أن الوقت قد حان لمواجهة "حزب الله"، فإن التصعيد الذي سيعقب ذلك سيهدد كل الأطراف، بما في ذلك موسكو التي ستضطر إلى اتخاذ قرار بشأن الرد أو البقاء على الهامش. ومع ذلك، فإن لروسيا قدرة محدودة بالمقارنة مع الولايات المتحدة، في التأثير في بلورة النتائج. ويعود سبب ذلك إلى أن القدرات العسكرية الروسية استنفدت سلفاً، كما أن نفوذها على المتحاربين لا يكاد يذكر. وعندما يحين وقت الجد، ستدعم روسيا إيران أو "حزب الله" على الغالب من خلال وسائل الحرب الإلكترونية أو عن طريق تمرير الأسلحة إلى شركائها من التي لا تحتاج إليها في حملة أوكرانيا. ومن المستبعد أن تشارك موسكو عسكرياً بصورة مباشرة في القتال. ولا شك في أنها ستحمل واشنطن مسؤولية حصول أي تصعيد. ولكن، نظراً للخسائر التي يمكن لروسيا أن تتكبدها في سورية وإيران وأماكن أخرى في المنطقة، فإنه ليس من المضمون أن تخرج ظافرة من مثل هذه الحرب. وإذا انفجر الشرق الأوسط، فسيلحق ذلك الضرر بأعداء روسيا، إلا أنه سيؤذي روسيا نفسها أيضاً.
وباعتبار أن الأولوية القصوى بالنسبة لموسكو تتمثل في المواجهة العالمية بينها وبين الولايات المتحدة بشأن أوكرانيا، فلا ينبغي أن تكون لدى بوتين أي مصلحة في الانجرار إلى حرب شاملة في الشرق الأوسط لا يمكنه السيطرة عليها. وتساعد التوترات في المنطقة روسيا في سعيها إلى تقويض النظام العالمي، ولكن فقط بقدر ما تكون السيطرة على هذه التوترات ممكنة. وتستفيد موسكو من الحرب الحالية التي تدور في غزة، وهي سعيدة برؤية التراجع في سمعة الولايات المتحدة بسبب ما ينظر إليه على نطاق واسع على أنه دعم غير عادل لـ (إسرائيل). ولهذا السبب أيضاً، لم تبد روسيا اهتماماً كبيراً بتهدئة التوترات الحالية.
خلال الأشهر التسعة الماضية التي يمكن القول إنها الأكثر أهمية بالنسبة للشرق الأوسط منذ عقود، كانت روسيا على الخطوط الهامشية للمساعي الدبلوماسية. وفي حين يتنقل كبار المسؤولين الأميركيين بلا كلل بين عواصم الإقليم، فقد ركزت روسيا جهودها على مجلس الأمن الدولي. وهناك، انتقدت موسكو مرات عدة واشنطن بسبب فشلها في دعم قرارات وقف إطلاق النار. وعندما اقترحت الولايات المتحدة، أخيراً، قراراً خاصاً بها لوقف إطلاق النار على ثلاث مراحل، امتنعت روسيا عن التصويت بحجة الافتقار إلى التفاصيل، ولكنها لم تلجأ إلى استخدام حق النقض (الفيتو) ضد القرار الذي حظي بدعم العالم العربي. وقد استمتعت روسيا بمشاهدة الولايات المتحدة وهي تواجه المأزق المزدوج المتمثل في كونها اللاعب المكروه في المنطقة أكثر من كل ما عداه، واللاعب الذي تتطلع إليه قوى عديدة من أجل الخلاص، وهو دور لا تستطيع واشنطن أن تقوم به -أو أنها لن تقوم به. وطالما ظلت سياسة الولايات المتحدة غارقة في هذه الفوضى، فليس لدى روسيا أي سبب لتعريض مصالحها للخطر من خلال تأجيج مزيد من المشكلات الإقليمية.
إذا نشبت حرب بين (إسرائيل) و"حزب الله"، فإن روسيا ستجد نفسها أمام خيارين معقولين: إما أن تكون غير قادرة على القيام بأي شيء، أو أن تزيد من دعمها لخصوم (إسرائيل) في وقت تتجنب فيه التورط العسكري المباشر. ولن يكون البقاء على الهامش موقفاً مقبولاً، مما يعني أن النتيجة المرجحة أكثر من غيرها هي أن موسكو ستدعم وكلاء إيران بمزيج من إمدادات الأسلحة والتأييد بطرق غير عسكرية. وبفضل قدراتها المتطورة على نحو متزايد، يمكن لروسيا تصعيد حربها الإلكترونية من سورية عن طريق التشويش على أنظمة توجيه الأسلحة الإسرائيلية، كما أن بمقدورها أيضاً أن تعطي مزيداً من الأسلحة لـ"حزب الله" في لبنان أو الحوثيين في اليمن، وهو ما يتوافق مع استراتيجيتها الحالية. في كانون الثاني (يناير)، ضرب "حزب الله" قاعدة مراقبة الحركة الجوية الإسرائيلية في جبل ميرون بواسطة صواريخ موجهة مضادة للدبابات بدت وكأنها روسية الصنع. ووفقاً لمسؤولين أميركيين، فقد بحثت موسكو، أخيراً، مسألة إمداد الحوثيين بصواريخ كروز. ويجب أن تمنع القيود العسكرية الناجمة عن الحملة الروسية في أوكرانيا والحصافة السياسية التي تفرضها علاقاتها مع دول الخليج العربية، الكرملين، من التورط بصورة أعمق مما ينبغي مع وكلاء إيران.
يجب أن تكون واشنطن واضحة الرؤية بخصوص وجهة نظر روسيا المتعلقة باندلاع حرب أوسع نطاقاً في الشرق الأوسط. ليست لدى موسكو مصلحة في أن تحقق الدبلوماسية الأميركية الهدوء والاستقرار في المنطقة، غير أنها لا تريد أيضاً حرباً إقليمية. ولذلك، على الرغم من أن روسيا لن تكون قوة بناءة تساعد الولايات المتحدة على نزع فتيل التوترات، فإنها لن تحث إيران أو وكلاءها على شن حرب شاملة ضد (إسرائيل). وإذا اشتعلت حرب هناك، فيجب على واشنطن أن تتوقع دعماً محدوداً من روسيا لخصوم (إسرائيل)، كما يتعين عليها أن تعمل على تقويضه أو تحييده حيثما يمكنها ذلك. ومن المستبعد أن تنفع تحذيرات واشنطن لموسكو من وجوب عدم التورط في الأمر. وبدلاً من ذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تشجع شركاءها العرب في الخليج على ممارسة ضغط هادئ على روسيا حتى لا تقوم الأخيرة بتقديم صواريخ وأسلحة أخرى لوكلاء إيران، مع توضيح الأخطار التي يمكن أن تنجم عن ذلك. ويجب على الولايات المتحدة أيضاً تعزيز دفاعاتها، وأن تقوم تشجيع شركائها الإسرائيليين على احترام الخطوط الحمراء الروسية في سورية، وقبل كل شيء، تكثيف جهودها الدبلوماسية لضمان احتواء الوضع بسرعة في حال نشوب حرب بين "حزب الله" و(إسرائيل).



*هانا نوتي: مديرة برنامج أوراسيا لمنع انتشار الأسلحة النووية في "مركز جيمس مارتن لدراسات منع انتشار الأسلحة النووية". وهي مشاركة بارزة غير مقيمة في برنامج أوروبا وروسيا وأوراسيا في "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية". مترجم عن "فورين أفيرز"، حيث نُشر في 15 تموز (يوليو) 2024.

إقرأ أيضاً : عشرات المنظمات الأميركية تنتقد دعم وتسليح "إسرائيل" .. تفاصيلإقرأ أيضاً : الأهالي يفكون حصار أجهزة الأمن الفلسطينية لقائد كتيبة طولكرم في مشفىإقرأ أيضاً : أول خطوة لحكومة بريطانيا الجديدة بشأن "مذكرة اعتقال نتنياهو" .. وإسرائيل تعبر عن استيائها

المصدر: وكالة أنباء سرايا الإخبارية

كلمات دلالية: روسيا روسيا موسكو روسيا الوضع موسكو إيران الدفاع مدينة المنطقة إيران روسيا بايدن كييف المنطقة الدفاع الدولة بايدن الرئيس بوتين الرئيس المنطقة إيران روسيا روسيا الخليج موسكو روسيا إيران الله روسيا إيران الرئيس أوكرانيا موسكو روسيا روسيا موسكو موسكو الثاني إيران موسكو الدفاع موسكو الوضع إيران إيران العمل روسيا الدفاع روسيا إيران أوكرانيا موسكو روسيا روسيا روسيا موسكو روسيا موسكو إيران إيران إيران أوكرانيا موسكو روسيا القوات روسيا روسيا المنطقة روسيا روسيا إيران الخليج الإمارات موسكو إيران روسيا الخليج روسيا الخليج موسكو إيران مصر روسيا الخليج السعودية الخليج رئيس الوزراء الخليج غزة إيران موسكو روسيا إيران موسكو روسيا بوتين المنطقة روسيا موسكو روسيا روسيا روسيا مجلس موسكو روسيا العالم روسيا المنطقة سياسة روسيا روسيا موسكو إيران لبنان الثاني جبل أوكرانيا الخليج روسيا موسكو روسيا إيران روسيا الخليج روسيا الوضع النفط روسيا العالم الخليج قيادة الإمارات مصر بريطانيا إيران المنطقة الشمالية الوضع لبنان مدينة مجلس السعودية سياسة الدولة الله العمل بايدن الدفاع غزة الثاني جبل أوكرانيا بوتين رئيس ال على الولایات المتحدة الطائرات من دون طیار دول الخلیج العربیة علاقات روسیا مع فی الشرق الأوسط إیران و إسرائیل مع دول الخلیج بصورة مباشرة من المرجح أن اندلاع حرب فی المنطقة التی یمکن المؤکد أن مع إیران فی العام إیران فی فی سوریة موسکو فی روسیا أن روسیا فی حزب الله یمکن أن ومع ذلک قد یؤدی إلا أنه من خلال مع ذلک فی حال إلا أن

إقرأ أيضاً:

عن إجرام المجمع الصناعي العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط

 

لا يحتاج المرء إلى الكثير من الفطنة لكي يدرك بأنّ الولايات المتحدة تعيش على إذكاء الحروب في دول العالم، وخاصة في المنطقة العربية، وذلك من خلال دور المركّب الصناعي العسكري (Military – Industrial Complex)  الذي يُعدّ مصدرًا أساسيًا لتمويل حروب الولايات المتحدة وحلفائها، وخاصة “إسرائيل”، باعتبارها الحليفة الأوثق في الشرق الأوسط منذ إنشائها في عام 1948.

إنّ عودة حرب الإبادة الجماعية التي تمارسها “إسرائيل” على غزّة والضفّة الغربية ما كانت لتكون وتستمر بهذه الوتيرة لولا الدعم الأمريكي المطلق لها، إذ لا يمكن فصل هذه الجرائم التي تقوم بها إزاء الشعب الفلسطيني عن دور المجمع الصناعي العسكري الأمريكي الذي يضطلع برفد الجيش “الإسرائيلي” بأحدث آلات القتل، وذلك من خلال شركات الأسلحة الأمريكية الشهيرة مثل: لوكهيد مارتن ورايثيون ونورثروب جرومان وجنرال دايناميكس وبوينغ …  في الماضي، أثار الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور عند انتهاء ولايته في عام 1961، معضلة المجمع الصناعي العسكري وخطورته، حيث حذّر من هذا التحالف الذي يتكوّن من الكونغرس وشركات السلاح الرائدة ووزارة الدفاع الأمريكية. ووصف آنذاك الأمر بأنه تهديد للديمقراطية، فضلًا عن تأثيره المباشر في السياسة الخارجية الأمريكية.

يشكّل المُجمع الصناعي العسكري الأمريكي إلى جانب مجتمع الاستخبارات   والبيروقراطية الاقتصادية ما يُسمّى بالدولة العميقة (Deep State) في الولايات المتحدة. وتُعرّف “الدولة العميقة” على أنّها مجموعة من الأفراد والمؤسسات التي تُعتبر ذات تأثير كبير في السياسات الأمريكية، ويُعتقد أنّ لديها نفوذًا كبيرًا في رسم السياسات الداخلية والخارجية، على الرغم من افتقارها إلى السلطة التشريعية الرسمية. وتشمل هذه المجموعة عناصر من الجيش، وأجهزة الاستخبارات، والبيروقراطية الحكومية، بالإضافة إلى قطاعات أخرى من المؤسسات التي يُعتقد بأنها تعمل في كثير من الأحيان بشكل مستقل عن الإرادة الشعبية أو الحكومة المنتخبة، وتهدف إلى الحفاظ على استمرارية الأوضاع التي تخدم مصالحها الخاصة. مع التأكيد على أنّ الدولة العميقة تستمدّ قوتها من أجهزة الأمن القومي والاستخبارات الأمريكية.

تشير الباحثة الأمريكية سارة لي ويتسن، إلى أنّ قطاع الصناعات العسكرية يعتمد على التأثير المباشر على المسؤولين الحكوميين، فعلى سبيل المثال تجاوزت التبرعات الانتخابية في عام 2020 عتبة الخمسين مليون دولار. وغالبًا ما يتم منح وظائف في هذا القطاع للمسؤولين الحكوميين والعسكريين، فبالنسبة إلى المسؤولين المدنيين، تُعدّ العديد من هذه الوظائف أدوات ضغط لصالح المؤسسات الدفاعية. أما المسؤولون العسكريون، فهم غالبًا ما يشغلون وظائف داخل المجمع الصناعي أو يعملون كمستشارين في البنتاغون وفروع الجيش، ويشاركون أيضًا في التفاوض وتنفيذ عقود المشتريات التي كانوا يمثلون فيها الحكومة الأمريكية سابقًا.

في انتخابات عام 2022، أنفق المجمع الصناعي العسكري ما يقارب 101 مليون دولار على جماعات الضغط، وساهم بأكثر من 18 مليون دولار في الحملات السياسية. معظم هذه الأموال كانت تذهب إلى السياسيين – سواء كانوا من الجمهوريين أو الديمقراطيين – الذين يشاركون في اللجان التي تحدد الانفاق الدفاعي السنوي. وعليه، يمكن للمقاولين توقع الحصول على حصة كبيرة من أي انفاق يخصصه الكونغرس والبنتاغون. وهذا إن دلّ على شيء، إنّما يدلُّ على مدى تغوّل وتأثير المركب الصناعي العسكري في تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية.

على مدى عقود، اعتمدت استراتيجية الولايات المتحدة الدولية على إشعال الحروب في مختلف أنحاء العالم، وخاصة في الشرق الأوسط، نظرًا لأهميته الجيوسياسية في العقل الأمريكي. واليوم، تتركز الأنظار أكثر من أي وقت مضى على لبنان وسورية والعراق واليمن وإيران وفلسطين، وخاصة بعد أن أعطى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الضوء الأخضر لحكومة “إسرائيل” في استئناف الحرب ضدّ الفلسطينيين في الضفّة الغربية وغزّة من ناحية، وشن غارات شبه يومية على لبنان وسورية من ناحية أخرى. ففي الحرب الجارية، تسببت القوّة النارية الهائلة لجيش الاحتلال في مقتل آلاف المدنيين الفلسطينيين في غزّة وتدمير مدن كاملة، وذلك باستخدام أسلحة قدّمتها الولايات المتحدة. وتتولى الأخيرة في نفس الوقت مهمّة ردع اليمن عن مساندة غزّة والضفّة الغربية، على الرغم من أن عدوانها على اليمن لم يؤت أكله في عهد الإدارة السابقة، وعلى ما يبدو لن يحقق الأهداف المرجوة في ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فاليمن له خصوصية واستقلالية في محور المقاومة، إذ يتمتع بهامش مناورة وإمكانات تجعله مستمرًا في إسناد الشعب الفلسطيني حتّى وقف العدوان الإسرائيلي.

تُعدّ “إسرائيل” أكبر متلقٍ للمساعدات العسكرية الأمريكية، وقد تمّ ترجمة ذلك من  خلال مذكرة تفاهم تمتد لعشر سنوات (2019 – 2028). فبحسب تفاصيل المذكرة، تقدم الولايات المتحدة سنويًا 3.3 مليار دولار كجزء من التمويل العسكري الخارجي، بالإضافة إلى 500 مليون دولار لبرامج التعاون في مجال الدفاع الصاروخي. والنقطة التي لا ينبغي إغفالها هو دور اللوبي الصهيوني  وتأثيره في السياسات الأمريكية، كان من أبرز الذين أثاروا هذه المسألة هما المنظّران الأمريكيان جون ميرشايمر وستيفن والت، حين أشارا في كتابهما المعنون “اللوبي “الإسرائيلي” والسياسة الخارجية الأمريكية” (The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy) إلى مدى قوة اللوبي “الإسرائيلي” مثل إيباك (AIPAC)  في دفع الولايات المتحدة بما فيها من أكاديميين وموظفيين حكوميين وعسكريين ورجال أعمال ووسائل إعلام عالمية إلى تبني سردية ومقاربة “إسرائيلية” صرفة من أجل الحصول على كلّ أشكال الدعم الديبلوماسي والعسكري على حدّ سواء.

ولا شك في أنّ الدول العميقة بكلّ عناصرها في الولايات المتحدة تستلهم سياساتها الخارجية تجاه الدول الأخرى من المذاهب الواقعية، فالواقعيون (Realists)  على اختلاف آرائهم لا يعترفون إلا بالقوّة كمحدّد محوري للبقاء والحفاظ على أمن ومصلحة الدولة. ولعلّ أكثر ما تتبنّاه السياسة الخارجية الأمريكية في هذا المضمار، هو رؤية الواقعية الهجومية (Offensive Realism)  التي نظّر لها جون ميرشايمر، والتي تفترض أنّ الدول بطبيعتها تريد أن تحصل على ما أمكنها من القوّة للوصول إلى الهيمنة. وقد تجلّى ذلك من خلال الحروب العسكرية والاقتصادية والناعمة التي شنتها الولايات المتحدة على الدول التي لا تدور في فلكها، ولا أدلّ على ذلك من أمثلة، هو حروبها في فيتنام وأفغانستان والعراق…، وتمكين حليفتها “إسرائيل” من احتلال فلسطين وقضم الأراضي من دول الطوق. لذلك، لا يمكن فصل سياسات واشنطن في الماضي والحاضر عن المدرسة الفكرية التي اعتمدتها على مدى عقود، وهي مدرسة ترتكز على لغة القوّة والهيمنة، بل إن هذه المدرسة ترى لغة العدالة في النظام الدولي مناقضة لرؤيتها الفكرية ونهجها العملي. هذه النظرة الواقعية لا تسري فقط على خصوم وأعداء الولايات المتحدة، بل تمتد أيضًا لتشمل حلفاءها الأوروبيين التقليديين، وإن كان ذلك بدرجة أقل وبخطاب سياسي أكثر اعتدالًا.

في نهاية المطاف، يمكن القول إنّ المجمع الصناعي العسكري الأمريكي الذي يتمتع بأهمية كبيرة في دوائر صنع القرار، يعمل منذ عقود على تأجيج الحروب وخلق الفوضى في العالم، بهدف إنعاش الاقتصاد الأمريكي من جهة، وتقويض استقرار الدول للتمكّن من الهيمنة عليها من جهة أخرى. واليوم، نرى مفاعيله في غزّة والضفّة الغربية ولبنان واليمن وسورية والعراق. الموضوع هنا يتجاوز الوضع المأساوي في غزّة، حيث يسعى الأمريكيون و”الإسرائيليون” إلى تشكيل شرق أوسط خالٍ من أي مقاومة، وقائم على قهر إرادة الشعوب والسيطرة على المقدرات، تمهيدًا للتطبيع الجديد الذي يعطي “إسرائيل” جرعة إضافية تضمن استمرارية وجودها في منطقة معادية لها شعبيًا، وإن طبّعت بعض الأنظمة العربية معها، فالأغلبية الجماهيرية في الوطن العربي ينظرون إلى “إسرائيل” على أنّها كائن لقيط وظرفي، لن ينعم بالاستقرار على المدى القصير والطويل. ويأتي ذلك، على الرغم من أن القوى المناوئة للمشروع الأمريكي – “الإسرائيلي” تمرّ بمرحلة من الأفول، ولا نبالغ إذا قلنا بأنّ هذه القوى لا تقاتل “إسرائيل” فحسب، بل “الحضارة الغربية” المتوحشة التي خسرت سرديتها ومصداقيتها أمام شعوبها لناحية ادعائها الدفاع عن حقوق الإنسان وحق تقرير المصير (Self – determination)، وهذا ما انعكس في خروج مظاهرات جماهيرية من أعرق جامعات العالم تنديدًا بالجرائم التي يرتكبها الكيان الصهيوني. ولعلّ الواقعيين الكلاسيكيين (Classical Realists) أصابوا حينما قالوا، إن القوى الكبرى هي عدو لنفسها بالدرجة الأولى، لأن الهيمنة التي يولدها النجاح، تدفع الفاعلين إلى النظر إلى أنفسهم ككيانات منفصلة عن مجتمعاتهم وأعلى منها، وهذا بدوره يؤدي إلى فقدان التوازن، مما يستدعي الحاجة إلى إعادة الأمور إلى نصابها وضبط النفس الجامحة.

مقالات مشابهة

  • تحرير العراق من إيران.. تصعيد امريكي لتأجيج الأوضاع في الشرق الأوسط - عاجل
  • بزشكيان: إيران تريد حوارا “على قدم المساواة” مع الولايات المتحدة
  • تلغراف: إيران تسحب عناصرها من اليمن بعد تصعيد الضربات الأمريكية
  • باحث سياسي: واشنطن تعتبر إسرائيل قاعدة عسكرية لضمان نفوذها في المنطقة
  • واشنطن ترسل حاملة طائرات نووية ثانية إلى الشرق الأوسط.. ماذا نعرف عنها؟
  • عن إجرام المجمع الصناعي العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط
  • خبير: أمريكا تضغط على إيران بتعزيز وجودها العسكري في الشرق الأوسط
  • خبير: أمريكا تضغط على إيران لتعزيز وجودها العسكري في الشرق الأوسط
  • هل تضرب أمريكا إيران؟ «مصطفى بكري» يكشف مستقبل الصراع في الشرق الأوسط «فيديو»
  • بلومبيرغ: "إسرائيل" هي أكثر المتضررين في الشرق الأوسط من رسوم ترامب