بعيدا عن الولايات المتحدة وانتخاباتها.. كيف تتغير السياسة الدولية وتتعاظم مخاطرها؟
تاريخ النشر: 27th, July 2024 GMT
بينما تنشغل السياسة الأمريكية بسباق انتخابات ٢٠٢٤ وبالتحول الدراماتيكى الذى أدخله عليه انسحاب الرئيس الحالى جو بايدن والترشح المتوقع لنائبته كاميلا هاريس على بطاقة الحزب الديمقراطى فى مواجهة مرشح الجمهوريين الرئيس السابق دونالد ترامب، لا تتوقف مياه العلاقات الدولية عن السريان وتواصل قضايا الحرب والسلام والأمن العالمى الضغط على القوى العظمى للبحث عن حلول لها.
بعيدا عن الولايات المتحدة، يواجه الاتحاد الأوروبى، وهو بحسابات الاقتصاد والمال والتقدم العلمى والنفوذ السياسى قطب عالمى، مجموعة من الأزمات المركبة التى تؤثر على العلاقات بين دوله، وبينها وبين جوارها المباشر فى القارة العجوز وعلى ضفاف البحر المتوسط فى شرقه وجنوبه، وتعصف باستقرارها الداخلى.
• •فمن جهة أولى، وظف رئيس الوزراء المجرى فيكتور أوربان تولى بلاده للرئاسة الدورية للاتحاد فى مطلع يوليو الحالى لإطلاق مبادرات دبلوماسية ليست محل توافق عام بين الأوروبيين حيث زار روسيا للقاء مع رئيسها فلاديمير بوتين الذى يقاطعه الاتحاد منذ نشوب الحرب فى أوكرانيا (ربيع ٢٠٢٢) وحل فى الصين للقاء مع الرئيس شى جين بينج لطلب مساعدته فى صياغة خطة سلام لإنهاء الحرب والتقى مع ترامب فى الولايات المتحدة متنبئا بقدرته على وضع حد للحرب التى تستنزف القارة العجوز. تجاوز أوربان فى موسكو خط أوروبى أحمر يقضى بعدم الاقتراب من بوتين، وتناسى فى بكين توافق دول الاتحاد بشأن تهميش العملاق الآسيوى فى قضايا الحرب والسلام، وأظهر فى فلوريدا انحيازا سياسيا لمرشح انتخابى تتحسب أوروبا لاحتمال عودته إلى البيت الأبيض وفعل ذلك فى أجواء استقطاب غير مسبوقة فى الداخل الأمريكى. ثم كان أن رتبت فردية أوربان ومبادراته الدبلوماسية التى لم ينسق بشأنها مع شركائه الأوروبيين الذين إلى اليوم يصمون آذانهم عن حديث إنهاء الحرب والحل السلمى للصراع بين روسيا وأوكرانيا، رتبت إقرار إجراءات عقابية من قبل الاتحاد تمثلت فى خفض عديد الدول لمستويات حضورها فى الاجتماعات التنسيقية التى تترأسها المجر وفى نقل اجتماعات وزارية من العاصمة المجرية بودابست إلى بروكسل.
من جهة ثانية، بات واضحا للأوروبيين أن المخاطر الأمنية والاقتصادية المرتبطة بالحرب الروسية -الأوكرانية فى سبيلها إلى التصاعد، إن بسبب أتون سباق التسلح الذى أطلقته الحرب وتسكب عليه روسيا من خلال رفع معدلات إنتاجها العسكرى والولايات المتحدة بشحن المزيد من نظم السلاح المتكاملة إلى القارة العجوز المزيد من الزيت المشتعل أو بفعل الكلفة الاقتصادية والمالية الباهظة للحرب وتداعياتها السلبية على أسعار الطاقة ومن ثم معدلات النمو الوطنية فى عديد دول الاتحاد أو فيما خص اشتداد الضغوط المجتمعية والسياسية المتعلقة بقضايا هجرة ولجوء الأوكرانيين فى بعض الدول (ومنها المجر). اليوم، وعلى الرغم من مواصلة حكوماتهم الكبيرة رفض الانفتاح على حلول دبلوماسية وسلمية، صار الأوروبيون يدركون المضامين الكاملة والنتائج الكارثية لنشوب حرب على أراضيهم.
وإذا ما أضفنا إلى ذلك عجز الاتحاد الأوروبى عن التدخل الفعال لإنهاء الحرب فى غزة واكتفاء حكوماته الكبيرة، خاصة الألمانية والفرنسية والإيطالية، بالدعوة (حتى الآن) غير المؤثرة إلى وقف إطلاق النار وإلى إنفاذ المزيد من المساعدات الإنسانية وإلى الشروع فى جهود إعادة الإعمار فى تجاهل شامل لواقع القطاع الذى لم يصمت به السلاح منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، ثم ربطنا بين الحرب واحتمالات التصعيد الإقليمى فى لبنان بين إسرائيل وحزب الله وبين إسرائيل وجماعة الحوثيين فى اليمن تصير بيئة المخاطر المحيطة بالقارة العجوز والكلفة المفزعة لانهيار الأمن والاستقرار على ضفاف المتوسط الشرقية والجنوبية (وتأثيراتها على قضايا كالهجرة غير الشرعية) جلية.
من جهة ثالثة، وكما دللت نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة فى فرنسا وكما تدلل استطلاعات الرأى العام فى ألمانيا ودول أوروبية أخرى، لا تعانى القارة العجوز من حرب على أرضها ومن بيئة إقليمية فاقدة للأمن والاستقرار تحيط بها، وحسب. بل أضحت مجتمعاتها فى الغرب والجنوب مثلما فى الشمال والوسط والشرق تتعرض لهزات عنيفة بسبب الاستقطاب السياسى الحاد بين يمين عنصرى متطرف ويسار راديكالى يضيع فى خضم صراعاتهما حول الهجرة والأجانب والسياسات الاقتصادية والاجتماعية والموقف من الحرب الروسية – الأوكرانية الوسط السياسى (يمينا ويسارا أى أحزاب المسيحية الديمقراطية والأحزاب الليبرالية هنا وأحزاب الاشتراكية الديمقراطية وأحزاب العمال) الذى صنع معجزة النمو المستدام والأمن الشامل والاندماج القارى فى أعقاب الحرب العالمية الثانية (١٩٣٩-١٩٤٥).
الصفيح الساخن الذى تقف عليه مجتمعات أوروبا وهى تتابع اقتراب اليمين المتطرف فى فرنسا من اقتناص مقاعد الحكم وتراقب الحالة الألمانية بانتخابات الولايات والانتخابات الفيدرالية المتتالية فى ٢٠٢٤ و٢٠٢٥ وتشاهد الذكاء السياسى لرئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلونى التى تنقلب على القوانين الليبرالية فى الداخل وتتصرف بعقلانية تلتزم بالتوافق الأوروبى العام فى الخارج، الصفيح الساخن هذا يذكر بأوضاع القارة العجوز فى فترة ما بين الحربين العالميتين (بين ١٩١٨ و١٩٣٩) وخلالها سببت الصراعات الداخلية (خاصة فى ألمانيا) والحروب والأزمات الأهلية (آنذاك فى البلقان وفى إسبانيا) انهيارا اقتصاديا قاتلا (الكساد العالمى ١٩٢٩) وفكت تدريجيا الهيمنة الاستعمارية للأوروبيين على العالم وزجت بهم إلى كوارث الفاشية والنازية ومحرقة اليهود (الهولوكوست) ودماء ودمار الحرب العالمية الثانية.
• •
وفى حين تستنفذ طاقات أوروبا بفعل أزمات دول الاتحاد والمخاطر الناجمة عن الحروب داخل القارة وفى جوارها المباشر والصراعات السياسية داخل مجتمعاتها وتراوح الحكومات الكبيرة فى باريس وبرلين وروما فى مواقع السكون دون إطلاق مبادرات حقيقية للحد من الأزمات والمخاطر والصراعات وبينما تنشغل الولايات المتحدة بسباقها الانتخابى ووضعية الاستقطاب السياسى والمجتمعى التى تعانى منها، تواصل الصين صعودها الدبلوماسى والسياسى عالميا وتنتزع مساحات جديدة لأدوارها إن فى الجنوب العالمى أو فيما خص إدارة شئون التجارة والحرب والسلام بين الجنوب والشمال والتوسط لحل صراعات إقليمية تهدد الأمن والاستقرار. تنتزع الصين تلك المساحات الجديدة، وكما تدلل وساطتها لتفكيك التوترات بين الكوريتين وتهدئة الشد والجذب بين الفلبين ودول آسيوية فى المحيط الهادى وكذلك إعلان بكين بشأن المصالحة الفلسطينية، رغما عن تحفظات الأمريكيين والأوروبيين واتساقا مع رؤية حكومتها للتوسيع التدريجى لنفوذها فى قضايا العلاقات الدولية والسياسة العالمية على نحو يتناسب مع تقدمها الاقتصادى والاجتماعى والعلمى والتكنولوجى الداخلى.
نحن أمام عالم تتغير أحواله كل يوم، ولا بديل عن المحاولة المستمرة لفهم مساراته الراهنة واستقراء تطوره المستقبلى.
*نشر أولاً في صحيفة “الشروق المصرية”
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *
التعليق *
الاسم *
البريد الإلكتروني *
الموقع الإلكتروني
احفظ اسمي، بريدي الإلكتروني، والموقع الإلكتروني في هذا المتصفح لاستخدامها المرة المقبلة في تعليقي.
Δ
شاهد أيضاً إغلاق أخبار محليةسلام الله على حكم الامام رحم الله الامام يحيى ابن حميد الدين...
سلام الله على حكم الامامه سلام الله على الامام يا حميد الدين...
المذكورون تم اعتقالهم قبل أكثر من عامين دون أن يتم معرفة أسب...
ليست هجمات الحوثي وانماالشعب اليمني والقوات المسلحة الوطنية...
الشعب اليمني يعي ويدرك تماماانكم في صف العدوان ورهنتم انفسكم...
المصدر: يمن مونيتور
كلمات دلالية: الولایات المتحدة القارة العجوز
إقرأ أيضاً:
إعلام الحوثيين: 4 قتلى في غارات أمريكية غربي اليمن
يمن مونيتور/ صنعاء/ وكالات:
ضربت غارات جوية أمريكية مشتبه بها المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون في اليمن، يوم الأربعاء، حيث قال الحوثيون إن إحدى الغارات قتلت أربعة أشخاص على الأقل بالقرب من مدينة الحديدة الساحلية المطلة على البحر الأحمر.
وفي الوقت نفسه ، تظهر صور الأقمار الصناعية التي التقطتها وكالة أسوشيتد برس يوم الأربعاء وتحليلتها وكالة أسوشيتد برس ما لا يقل عن ست قاذفات شبح من طراز B-2 Spirit متمركزة الآن في دييغو غارسيا في المحيط الهندي – وهو انتشار غير معتاد للغاية وسط الحملة في اليمن والتوترات مع إيران.
وقال الحوثيون إن الهجوم استهدفت مؤسسة المياه في مديرية المنصورية جنوبي المحافظة.
وأدت الحملة المكثفة من الضربات الجوية في اليمن في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي استهدفت الحوثيين بسبب ما تقول إدارة ترامب إنها هجماتهم على السفن في مياه الشرق الأوسط، إلى مقتل ما لا يقل عن 65 شخصا، وفقا لأرقام الضحايا التي نشرها الحوثيون.
يبدو أن الحملة لا تظهر أي علامات على التوقف حيث ربطت إدارة ترامب مرة أخرى ضرباتها الجوية على الحوثيين المدعومين من إيران بمحاولة للضغط على إيران بشأن برنامجها النووي سريع التقدم. وفي حين لم تقدم حتى الآن تفاصيل عن الحملة وأهدافها، قدرت السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض كارولين ليفيت العدد الإجمالي للضربات يوم الثلاثاء بأكثر من 200 ضربة.
وقال ليفيت: “لقد ضعفت إيران بشكل لا يصدق نتيجة لهذه الهجمات، وقد رأينا أنهم قضوا على قادة الحوثيين”. لقد أخرجوا أعضاء مهمين كانوا يشنون ضربات على السفن البحرية والسفن التجارية ولن تتوقف هذه العملية حتى يتم استعادة حرية الملاحة في هذه المنطقة”.
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *
التعليق *
الاسم *
البريد الإلكتروني *
الموقع الإلكتروني
احفظ اسمي، بريدي الإلكتروني، والموقع الإلكتروني في هذا المتصفح لاستخدامها المرة المقبلة في تعليقي.
Δ
شاهد أيضاً إغلاق أخبار محليةرعى الله أيام الرواتب حين كانت تصرف من الشركة. أما اليوم فهي...
اتحداك تجيب لنا قصيدة واحدة فقط له ياعبده عريف.... هيا نفذ...
هل يوجد قيادة محترمة قوية مؤهلة للقيام بمهمة استعادة الدولة...
ضرب مبرح او لا اسمه عنف و في اوقات تقولون يعني الاضراب سئمنا...
ذهب غالي جدا...