لمياء محمود تكتب: راعي القراءة لجيلي الثمانينات والتسعينات
تاريخ النشر: 25th, July 2024 GMT
كنت في السابعة من عمري عندما عاد أبي من العمل، حاملا في يده كيسا بلاستيكيا كبيرا يضم عدة كتب مختلفة بينها مجلة ميكي ماوس التي اعتاد إحضارها لي كمحاولة منه لتشجيعي على القراءة، إلا أنّ أكثر ما لفت انتباهي كان رواية صغير عدد صفحاتها لا يتجاوز الـ60، بدأت في قراءتها بشغف كبير، كانت تتحدث عن مقدم اسمه نور يعمل في جهاز يعرف بالمخابرات العلمية في حقبة زمنية مستقبلية، وفريقه المكون من رمزي الطبيب النفسي وسلوى خبيرة الاتصالات والتتبع ومحمود خبير الطاقة والأشعة.
سرعان ما اندمجت بكل حواسي مع رواية أشعة الموت وازدادت رغبتي في قراءة المزيد من كتب ذاك العبقري الذي نجح في جذبي إلى مصطلحات أكبر من سني، لتبدأ رحلتي مع مؤلفات الراحل الدكتور نبيل فاروق الذي يعد المشجع الرئيسي لجيل التسعينات على القراءة بثلاث سلاسل فقط، هي ملف المستقبل ورجل المستحيل وكوكتيل 2000، بأسلوب شيق وممتع ويحوي الكثير من التفاصيل العلمية التي تفتح آفاقا جديدة لمن يقرأها ويتعلم أكثر.
الدكتور نبيل فاروق الحاصل على درجة البكالوريوس في الطب والجراحة من جامعة طنطا، لم يكن مجرد مؤلفا عاديا، إذ اتسم كل عدد من رواياته بالدسامة والثراء على الرغم من كونها مجرد روايات خيال علمي، لكنه نجح بأسلوبه البسيط والشيق أنّ يوعي جيلا كاملًا بالصراعات العربية والحروب التي خاضتها مصر لتحرير أرضها الثمينة في أكتوبر 1973 وقبلها حرب الاستنزاف، وكيف تحافظ مصر على أمن شعبها ورفاهيته، من خلال مهمات "رجل المستحيل" أدهم صبري، ضابط المخابرات الذي لا يشق له غبار، ويحارب دائما من أجل حماية البلد، هكذا بدأت اتعلم ما تعنيه كلمة مخابرات وضباط وأمن وحرب وسلام وكفاح، مصطلحات ربما بدت صعبة على طفلة لم تكمل عامها الثامن بعد، لكن المؤلف كان له رأي آخر.
مع مرور السنوات، كان شغفي يزداد أكثر وأكثر بمؤلفات الدكتور نبيل فاروق ذلك الرجل الذي ترك الطب من أجل الكتابة، وكلما قابلت أحدا من أصدقاء المدرسة أو الأقارب كنت أحدثه دائمًا عن أهمية قراءة روايات المؤلف العبقري الذي جذبني ببراعة إلى عالم الكتب، ووجدت أنّ كثيرا من جيلي يتابع موعد إصدارات الأعداد الجديدة بشغف كبير" كنت بستنى مع أصحابي من الساعة 6 الصبح قدام كشك الجرايد على أول شارعنا علشان ألحق العدد الجديد من ملف المستقبل ورجل المستحيل قبل ما يخلص"، رحلة شيقة تتضمن كثيرا من المعلومات في المجالات كافة سواء العلوم أو التكنولوجيا أو الجغرافيا والتاريخ نجح مثلي الأعلى في تعريفي بها
كان نبيل فاروق أول من عرفني معنى كلمة هولوجرام قبل حتى استخدامها في العصر الحديث، وكان يحرص دائما على تعريف جيلي بالمصطلحات الجديدة من خلال مغامرة شيقة لـ نور وفريقه أو مهمة صعبة تشف عن براعة الأجهزة الأمنية المصرية في الحفاظ على البلد وشعبها يخوضها أدهم صبري، ربما يصفني الجيل الحديث بالمبالغة إلا أنّ جيلي الثمانينات والتسعينات يعرفان جيدًا أهمية الكاتب الذي شجع الملايين على القراءة وتنمية عقولهم، أصبحت الآن أقرأ كثيرا من الكتب في المجالات المختلفة إلا أنّ مكتبتي الخشبية البسيطة في منزلي، تضم رفوفا كاملة تخلد أعمال كاتب راحل أثرى عقول الكثيرين ودفعهم إلى استكشاف آفاق مختلفة، فسلام على روح مؤلف نحتفي بكتاباته كلما سنحت الفرصة.
المصدر: الوطن
كلمات دلالية: اليوم العربي للثقافة أهمية القراءة نبیل فاروق
إقرأ أيضاً:
عبد السلام فاروق يكتب: الانعزاليون في مصر.. المعركة مستمرة!
مصر ليست أرضا فقط، بل حكاية تتشكل بدم الأجيال وصخب الأفكار. في كتابه "الانعزاليون في مصر"، يغوص الناقد الكبير رجاء النقاش في أعماق تلك الحكاية، مسلطا الضوء على معركة ثقافية هزت جوهر الهوية المصرية في سبعينيات القرن الماضي. هذا الكتاب وثيقة تاريخية و رحلة في عقول تصارعت مع سؤال ملح: من نحن؟ وأين مكاننا بين أمم العالم؟
السؤال الملح الآن هو: هل كانت الانعزالية في مصر هروبا من الحياة، أم رد فعل على زمن مضطرب؟. يفكك رجاء النقاش شفرة هذا التيار بما يحمله من تناقضات: هل هي رغبة في الحفاظ على نقاء الثقافة المصرية من تداخلات العالم العربي؟ أم خوف من اندثار الذات في محيط أكبر؟ ببراعة محلل قدير، يربط الكاتب بين جذور التيار الانعزالي وسياقه التاريخي، حيث كانت مصر تحاول أن تجد مسارها بين انتماءين: انتماء إلى أمة عربية تتشكل، وانتماء إلى حضارة فرعونية تتنفس من خلال رمالها.
معارك السبعينيات:
تحت سماء السبعينيات المحملة بأسئلة الهزيمة والانتصار، اشتعلت معارك الكتاب والقلم. يقدم رجاء النقاش في كتابه مشهدا حيا لصراع بين عمالقة الفكر: لويس عوض الذي رأى في العربية قيدا، وتوفيق الحكيم الذي حاور الهوية بسخرية الفيلسوف، وحسين فوزي الذي تشبث بجذور مصرية خالصة. لم تكن هذه المعارك نزاعا على كلمات، بل حفر في أعماق الذاكرة الجماعية؛ فكل فكرة كانت مفتاحا لعالم محتمل.
الرقى في الخصام...
أجمل ما في الكتاب أنه يذكرنا بزمن كان الخصام فيه فنا. فالاختلافات بين الأدباء لم تتحول إلى حروب شخصية، إنما بقيت في مسارها الفكري: "يختلفون بشدة، ولكن كأنهم يعزفون على وتر واحد". هذا الرقى هو ما تفقده ساحاتنا الثقافية اليوم، حيث يغيب الحوار وتسطو اللغة الخشنة.
ذاكرة الكتابة... نور للغد
بإصدار هذا الكتاب، تحاول سلسلة "ذاكرة الكتابة" بقصور الثقافة، التي يرأس تحريرها الدكتور المؤرخ زكريا الشلق، أن ترسخ حقيقة: أن الفكر ليس ترفا، بل سلاح لخلق الوعي. فهوية مصر لم تختزل قط في نهر واحد، بل هي نسيج متلون من أنهار الحضارات. وما أشبه مناظرات السبعينيات بما نعيشه اليوم: صراع بين الانكفاء على الذات وانفتاح يهدد بذوبانها.
ففي زمن تتصاعد فيه أصوات العزلة والعنصرية، يظل كتاب رجاء النقاش مرآة نرى فيها أسئلة الأمس... وأجوبة الغد. لأن مصر، كما قال شاعرها، "لن تموت... ولن تنام".
أسئلة الزمن المتصدع..
مصر لا تتكسر على صخرة التاريخ، كلما ارتطمت بها أمواج الأسئلة الحائرة : هل نحن أبناء النيل أم أحفاد العرب؟ أم نحن كل ذلك وأكثر؟ في كتابه، يقتبس رجاء النقاش شعلة من معركة السبعينيات، ليضيء بها طريق الحاضر المعتم. ليست الانعزالية هنا انطواء على الذات، بل ردة فعل على خيانة الزمن: زمن الهزائم السياسية، والانتصارات الثقافية الزائفة.
جروح الهوية!...
يحاور النقاش أسطورة "التميز المصري" التي تتجدد كالفينيق كل قرن. فالانعزاليون لم يكفروا بالعربية لذاتها، لكنهم خافوا أن تذوب "الروح المصرية" في بحر القومية العربية الواسع. هل كان حسين فوزي محقا حين نادى بـ"مصر الفرعونية" ككيان منفصل؟ أم أن لويس عوض كان أقرب إلى الحقيقة حين رأى في العربية جسرا للخلاص من سجن التخلف؟ الكتاب يدعونا لنرى في هذه الجدليات لعبة مرآة: كل فكرة تكشف جانبا من أساساتنا الهشة.
حين يخون الفكر الأمة !
لم تكن معارك السبعينيات بريئة. فوراء جدل "الهوية" كانت السلطة تحرك خيوط الدمى. يلقي النقاش بظل على هذا التواطؤ الخفي: كيف استخدمت السلطة الانعزالية كستار لتجذير شعور بالانفراد، بينما هي تحاول فتح الأبواب لسياسات الانفتاح الاقتصادي. هل كان الصراع الفكري مسرحية كبرى، أم أن الأدباء كانوا ضحايا لعقد أعمق؟
الوله بالذات... أين الحد بين الفخر والنرجسية؟
يتجاوز النقاش في تحليله حد الوصف إلى التشريح النفسي للانعزاليين: هل هم من يخشون على مصر من "الآخر"، أم أنهم يخشون أن تكشف عورات الذات؟ يقدم الكتاب مقاربة جريئة: الانعزال ليس إلا وهما لإحياء مجد ماض لم يكن بهذا البهاء. فمصر التي يتغنى بها الانعزاليون – بحضارتها العتيقة – لم تكن قط جزيرة منعزلة، بل ملتقى لشعوب الشرق والغرب.
اليوم.. هل انتهت المعركة أم اتسعت؟
الغطاء الأكثر إثارة في الكتاب هو حيوية الأسئلة. فما زلنا نجادل أنفسنا: هل نحن أفريقيون أم عرب؟ هل نلتفت إلى الشرق أم نندفع نحو الغرب؟ يشير النقاش إلى أن جذور الأزمة لم تذبُل؛ فكلما اشتدت أزمات الواقع، عادت الانعزالية كـ"رحم آمن" نلجئ إليها. لكن الخطر الحقيقي ليس في الانعزال، بل في تجزئة الهوية إلى قطع متضاربة: فرعونية هنا، عربية هناك، إسلامية في الوسط.
الكتاب يصفعنا بحقيقة: لن تكتمل هوية مصر إلا إذا توقفنا عن تقطيعها إلى شظايا. فمصر ليست فرعونية ولا عربية فقط، بل هي وعاء يحتضن تناقضات التاريخ كله. وربما كان "الانعزاليون" – برغم انكفائهم – قد ساهموا في صنع هذه الهوية المركبة، لأنهم أثاروا السؤال الأصعب: كيف نكون نحن، بكل تعقيداتنا؟
في زمن تتحول فيه الهويات إلى سلاح لقتل الآخر، يبقى كتاب رجاء النقاش دعوة لفهم الذات قبل حملها على الأكتاف. لأن مصر، كما علمتنا السبعينيات، لن تكون إلا بمثل هذه الحروب الفكرية: حروب تبني، لا تدمر.