لجريدة عمان:
2025-03-20@03:06:08 GMT

الحـربُ بـوصفـها الـدرجة العـليا للعـنـف

تاريخ النشر: 24th, July 2024 GMT

الحـربُ أعلى أشكال العـنـف والـدّرجـةُ الأقصى لتعـبيره عن نفـسـه في الاجـتماع الإنسانـيّ؛ أكان ذلك داخل المجتمع الواحـد أو بين مجتمعٍ وآخَـر. وهـو -مجـسّـدا في الحـرب- أبْـلـغُ في الفـتـك وأبعـد من أيّ نـوعٍ آخـر من العـنـف؛ لأنّـه، بكـلّ بساطـة، يتوسّـل أدوات الـقـتـل فيصيـر عـنـفا مسـلَّـحـا. وحيـن يتجسّـد في شـكـلِ حـربٍ يفـيـض معـناهُ عـن أيّ معنـى آخَـر للعـنـف قـد نجـده في معاجـم علـم السّياسـة أو علـم الاجتماع السّياسيّ، فيصيـر (أي المعنى) أكـثـر من مجـرّد الإيـذاء: إيذاء مَـن يقـع عليه فـعْـلُ العـنـف؛ أعـني أنّـه يـنـتهي إلى فـعْـلٍ إفـنائـيّ: القـتـل.

صحيحٌ أنّ فـعْـل الـقـتـل يمكن أن يـقع من غير حـربٍ يحـتـشـد فيها جيشـان أو أكـثـر؛ قـد يـنـشـأ مـن مجـرّد خصومـةٍ بين اثـنيـن أو أكـثـر يستـفحـل أمـرُها إلى حيث تـنـزلق فيها المواجهـة إلى الـقـتْـل. غير أنّ التّـلازم ليس عضـويّـا، حُـكْـما، بين الخصومات والمنازعات التي تـقـع بين الأفـراد وفـعْـلِ الـقـتـل، بينما هـو تـلازمٌ ثـابت ومـتواتـرٌ في حالة الحـرب. وصـحيـحٌ، أيضـا، أنّ فـعْـل العُـنـف الحـربيّ مصـروفٌ إلى تحقيقِ هـدفٍ بعيـنه، هو الثّـابت في الحـروب جميـعِـها، هـو هـدف الإخضـاع: إخـضاع العـدوّ لإرادة مَـن نَـجَح في إلحـاق الهزيمـة بـه أو تدمير قـدرته على الـدّفـاع عن نفسـه، كما يحـدِّده كـلاوزڤيـتـس، لكن هـل يَـسَـع أحـدا أن يعتـقـد أنّ الإخـضاع شيءٌ آخـر غيـرُ مـمارسـةِ قـدْرٍ مّـا مـن الإفـنـاء؛ إذْ كيف يَـقْـوى جيـشٌ على إخضاع آخـر من غيـر قـتْـلٍ يُـوقِـع الخسائـرَ البشريّـة فيـه؟

بهذا المعنى نـرى إلى الحـرب بوصفـها تجسيـدا للعـنـف في أقـصى أشكـاله، وتمـكيـنا لـه من مضاعـفـةِ قـوّةِ تـأثـيـره من طريق توسُّـل وسائلـه النّـاريّـة القاتـلة. ولكن، لمّـا كانتِ الحـربُ نفسُـها ليست شيئـا آخـر غيـرَ ممارسـة السّياسـة بأدواتٍ ووسائـلَ أخـرى غـيرِ سياسيّـة -على ما يـرى كـلٌّ من كـلاوزڤيـتـس ولينـين- تَـرتَّـب على ذلك أنّ العـنـف، والحـربُ شـكـلٌ منـه، ظـاهـرةٌ سياسيّـة في المقـام الأوّل. هـو، إذن، لحـظـةٌ من السّيـاسـة ودرجـةٌ من درجـاتها مثـلما هـي الحـربُ كـذلك؛ فكمـا أنّ الحـرب امتـدادٌ للسّياسـة وممارسـةٌ لها بطـرُقٍ مسـلّـحـة، كذلك العـنـف يـتـغـيّـا هـدفًـا سياسيًّـا: جماعـيًّـا كـان (مثـل الحـروب) أو فـرديًّـا. ماذا يكـون هـدفُ فـعْـلٍ فـرديّ مـثـل الاغـتيال السّياسيّ، مثـلًا، سـوى بلـوغ هـدفٍ سياسيّ هو تصفيـة الخصـم أو العـدوّ؛ وما عسـاهُ يكون الفارق بيـنه، إذن، وبين عـمليّـة القـنص داخل حـربٍ مّـا؟ أن يكـون العـنـف ظاهـرةً سياسيّـة فهـذا لا يغيّـر في شيءٍ من حـقـيقـته أنّـه فـعْـلٌ يتـوسّـل أدواتٍ غيـرَ سياسيّـة؛ إذِ البُـغْـيـةُ منـه سياسيّـةٌ لأنّ أهـدافـه التي يـرْكَـب لها تلك الوسائـل أهـدافٌ سياسيّـة.

يـمـتـنع على الوعـي، إذن، إدراكُ صـلـةِ الحـرب -من حيث هـي عـنـفٌ مسـلَّـح- بالسّياسـة إنْ لم يلـتـفـت إلى الـدّواعـي التي تفـرض على جمـاعـةٍ أو دولـةٍ أن تلـجـأ إلى الحـرب. ربّـما نعـثـر في تلك الـدّواعي على خلـيطٍ من الأسباب والحـوامل، غير أنّـها ما تلـبـث أن تَـنْـحَـلّ، جميـعُـها، في دواعٍ سياسيّـة، ثمّ ما تـلبـث أن تُـميـط النّـقاب عن نـفـسـها بما هي (أي الـدّواعي) مصالـحُ في المقام الأوّل. السّياسـةُ والمصالحُ مـقـتـرنـةٌ ببـعضـها؛ إذِ المصلـحـةُ ما يـدفـع إلى توسُّـل السّياسـة -بمـا هي فاعـليّـةٌ اجتماعـيّـة منـتِـجـةٌ وذاتُ أثـرٍ-؛ والسّياسـة تنـحو إلى تحصيل مصلـحـةٍ أو إلى الـدّفـاع عن أخـرى قائـمة، لأنّ مـدارها على المصالـح دائـما كما تُـعَـلِّمـنا سياسيّـات ميـكاڤـيـلـلي. وهـكذا يَـسَـعُ السّياسَـةَ أن تسعـى إلى تحقـيق المصلحة باستخـدام وسائلها الخاصّـة من إقـناعٍ، ومُـفاوَضـةٍ، وإغـراءٍ بتـبادُلِ المنافـع، واحتـجاجٍ بالـقانون أو بالقـرائـن الماديّـة على أحقـيّـةٍ مّـا...إلخ، ولكن عنـدما يُـعْـجِـزُها ذلك كـلُّـه عن بلـوغ بُـغـيـتها تلجـأ إلى تـصعـيـد طريـقـتها، فـتـنـتـقـل من لحظة المُـطَـالَـبَـة السّـلميّـة إلى لحظـة الانـتـزاع بالقـوّة: لحظـة الحـرب. هكذا نُـلـفي المصلحـةَ وراءَ كـلِّ سياسـةٍ وعـنـفٍ وحـرب في التّـاريـخ الإنسانيّ، حتّـى أنّـه قـد يسـتعـصـي على المرء مـنّـا أن يـفـتـرض إمكان قيام عالـمٍ من السِّـلْـم الـدّائمـة بين الشّـعـوب والأمـم والـدّول، وخـالٍ من الحـروب ونـزاعـات العـنـف، على مثـال ما اعتـقـد إيمانويـل كَـنْـت؛ إذِ المصالـحُ وحـدها والنّـزاعـاتُ عليها بين الجماعات تـكـفي لتصنيع الحـروب وتـغـذيـتها بالوقـود الـدّائـم الذي لا يـنضُـب...

على أنّـه بمـقـدار ما ظـلّـتِ الحـروبُ استـجابـاتٍ لمصالـحَ دعـتْ إليها، ظـلّ في إمكـان الخبـرة الإنسانـيّـة والتّـراث الفـكـريّ الإنسانيّ الْـتمـاسُ سُـبُـل تـفادي الانـزلاق إليها أو -عنـد الفـشـل في التّـفادي- سـبُـلُ الخـروج منـها حيـن تـقع وتصيـر أمـرًا لا مَـهْـرب منـه. ولقـد أوجـدتِ الخـبـرةُ الإنسانيّـة أطـرًا مؤسّـسيّـة وقـانونـيّـة لاحتـواء عـنـف الحـرب و«تـهـذيبِ» ذلك العـنـف و«أنـسنـتِـه» والحـدِّ من آثـاره الكارثـيّـة والإفـنـائـيّـة. وكمـا كـانتِ الـدّيمـقراطيّـة طريـقـةً أخـرى لاحتـواء الصّـراعات الطّـبـقـيّـة قصْـد منـعـها من الانـزلاق إلى التّـعبيـر عن نـفسـها في شـكـلٍ انـفـجـاريّ من قـبِـيـل حـروبٍ أهـليّـة مـدمِّـرة، كذلك أتـت قـوانيـن الحـرب -المنصـوصُ عليها في معاهـدات دوليّـة- تحـاول أن تَـحُـدّ من أضـرارها من طـريق التّـقـليـص مـن رقـعـتها - ومن ذلك إخـراج المدنيّـيـن والبنى التّحتـيّـة من نطاق ساحـة الحـرب وأهـداف قـواها المتـحاربـة- أو التّـقـليص من قـوّتـها النّـاريـة -ومـن ذلك تحـريـم اسـتخـدام السّـلاح النّـوويّ وأسلـحة الـدّمـار الكـلـيّ وسواها ممّـا عُـدّ أسـلحةً محظـورة- ولكن من غير أن يكـون في وُسْـع هـذه المنـظومـة من القوانيـن الـدّوليّـة، ولا في وسْـع النّـظـام الـدّيمـقراطـيّ معـها أن يَـضَـعَـا للحـرب حـدًّا أو نـهايـة.

من البيّـن أنّ السّياسـة التي تـقـود، في وجـهٍ منـها، إلى الحـرب هي عيـنُـها السّياسـة التي تسمـح، في وجْـهٍ آخـر منـها، بالخـروج من الحـرب. هكـذا تصـوَّرها تـوماس هـوبـس وسيلـةً لاتّـقـاء الحـرب وطـريـقًا للخـروج منها وللسّـيـطرة على العـنـف المـتـأصّـل في البشـر، وبالتّـالي، لضمان الأمـان. وهـذا صحيـحٌ إلى حـدٍّ بعـيـد، لكن ليس تـمـامَ الصّحـة؛ فلـقـد تكـون السّـياسـةُ مخْـرجـا من الحـرب والعـنـف، لكـنّـها مخـرجٌ نسـبيّ لأنّ دافـعيّـة الحـرب تـظـلّ قائـمـةً في جـوف كـلّ مجتـمعٍ ودولـة: المصالح والتّـنازع عليـها.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: سیاسی ـة

إقرأ أيضاً:

الاتحاد يتخطى السلام بثنائية في دوري الدرجة الأولى

تخطى نادي الاتحاد نظيره السلام بفوزه عليه بهدفين مقابل هدف في اللقاء الذي جمعهما على أرضية ملعب المجمع الرياضي بصحار ضمن الجولة الـ8 من تصفيات الصعود من دوري الدرجة الأولى لكرة القدم المؤهلة لدوري عمانتل وتحديدا قبل 3 جولات تمثل مسك الختام للتصفيات.

هذا الفوز جعل الاتحاد يظفر بالنقاط الثلاث ويرفع رصيده إلى 6 نقاط قد لا تشفع له كونه يقبع في المركز الأخير في سلّم ترتيب فرق الدوري وبذلك قدم خدمة جليلة للفرق التي تنافس حاليا على الصدارة حيث أبعد السلام بعض الشيء بعد أن فقد النقاط الثلاث وتجمد رصيده عند سابقه 8 نقاط.

وكان شوط المباراة الأول قد انتهى بالتعادل السلبي بين الفريقين وفي الشوط الثاني وتحديدا عند الدقيقة 55 تمكن المحترف الأجنبي ديالو محمد من تسجيل هدف الاتحاد الأول في مرمى حمد المسلمي حارس السلام وعزز فوز الفريق اللاعب عمر ندونج عند الدقيقة 62 بإحراز الهدف الثاني، في حين أن هدف السلام الوحيد حمل إمضاء اللاعب مهيمن الصابري في الدقيقة 94 من عمر شوط المباراة الثاني.

تميز اللقاء بمستوى متوسط فنيا خلال الشوط الأول الذي غلب فيه طابع اللعب العادي بين الفريقين والتكافؤ في الأداء ولاحت عدة فرص لكنها ظلت تائهة ولم يتمكن المهاجمون من ترجمتها إلى المرميَيْن.

وفي الشوط الثاني بدا الحراك كثيرا وظهر الفريق الضيف (الاتحاد) مصمما على العودة من خارج الديار بالفوز وتحقق له ذلك بإحراز هدفين جعلاه يلعب بأريحية وتمكن مدربه سالم النجاشي من توظيف قدرات لاعبيه في حالة من الترابط بين الخطوط الثلاثة وتضييق خط الدفاع بالتعاون مع حارس المرمى رياض العلوي.

أما بالنسبة لفريق صاحب الأرض المستضيف فقد أوقع نفسه في مأزق وتعرّض لهدفين في مرماه وعجز عن تحقيق التعادل على أقل تقدير رغم ما سعى إليه مدربه أحمد آل عبدالسلام حيث تمكن من إحراز هدف وحيد فقط.

يذكر أن السلام قد عاد من التعادل إيجابيا بهدف للكل مع سمائل في الجولة 7 من التصفيات التي جرت على ملعب الأخير. وبعد هذه الجولة أصبح في المركز الرابع ويسبقه ظفار في المركز الأول برصيد 15 نقطة ومسقط في المركز الثاني برصيد 14 نقطة وسمائل في المركز الثالث بواقع 13 نقطة في حين أن الاتحاد ما زال في المركز الأخير، وفي الجولة المقبلة سيلعب السلام أمام ظفار وبوشر أمام الاتحاد في حين أن سمائل سيلاقي مسقط.

أدار اللقاء الحكم محمود المجرفي، وعاونه كل من جاسم الخروصي وعلاء الحوسني، وعلي الجساسي حكما رابعا، ومسعود الغافري مراقبا للمباراة، ومحمد الموسوي مقيّما للحكام، وعبيد المعني منسقا عاما، وأحمد المعمري منسقا إعلاميا، ومحمد المخمري منسقا أمنيا.

مقالات مشابهة

  • «فاضل كام يوم؟».. موعد صرف مرتبات شهر مارس 2025 للعاملين في الدولة
  • هل تنتهي الحرب الروسية الأوكرانية خلال الأيام المقبلة؟.. محلل سياسي يُجيب
  • الاتحاد يتخطى السلام بثنائية في دوري الدرجة الأولى
  • أبناء حرمة.. انقذوا ناديكم
  • باحث سياسي: إسرائيل استغلت التهدئة لاستكمال مشروعها التدميري في غزة
  • محلل سياسي: هذا هو السيناريو الأخطر على غزة
  • خبير سياسي: إسرائيل تريد بعودة الحرب أن توقع حماس على اتفاق استسلام
  • بداية الأسبوع المقبل.. تفاصيل صرف مرتبات شهر مارس 2025
  • الأسبوع المقبل.. موعد صرف مرتبات شهر مارس 2025
  • قبل العيد.. مواعيد صرف مرتبات شهر مارس 2025