آخر ما صدر عن محكمة العدل الدولية من قرارات، أن الاحتلال الإسرائيلى للأراضى الفلسطينية غير قانونى، وأن على إسرائيل أن تخرج من هذه الأراضى فى أسرع وقت ممكن.. أما رد الفعل على ما صدر عن المحكمة فجاء على مستويين، أحدهما جامعة الدول العربية التى رحبت بالقرار، وثانيهما الرئاسة الفلسطينية التى رأت أنه قرار تاريخى.
طبعًا الشكر كله للمحكمة ولرئيسها نواف سلام، ولكن السؤال يظل عما سوف يؤدى إليه هذا القرار على الأرض؟.. هنا لا بد أن نذكر رد الزعيم السوفيتى جوزيف ستالين، الذى لما قيل له إن بابا الڤاتيكان رأيه كذا وكذا فى الحرب العالمية الثانية التى كان الاتحاد طرفًا فيها، رد فقال: كم دبابة لدى البابا؟
هذا بالضبط ما ينطبق على نواف سلام، الذى لا يملك شيئًا يحوّل به قرار محكمته من حبر على ورق إلى فعل فى دنيا الواقع.. ليس هذا تقليلًا من شأن سلام، ولا من قدر المحكمة، ولكنه تقييم للأمور كما هى فى واقعنا دون تهوين ولا تهويل.
إن حديث المحكمة عن أن الاحتلال الإسرائيلى للأراضى الفلسطينية هو كمن يقول لك إن «واحد زائد واحد تساوى اثنين»، وإلا، فهل هناك أحد يجادل فى صواب ما تقوله المحكمة ؟.. لا يوجد.. بل إن إسرائيل نفسها تعرف بينها وبين نفسها على الأقل، أن وجودها فى أرض فلسطين وجود غير قانونى، ولكنها تتصرف على أن هذه أرضها لا أرض الفلسطينيين!
وقد احتجت تل أبيب على قرار المحكمة وقالت كلامًا غاضبًا هنا وكلامًا ساخطًا آخر هناك، ثم بقى الحال على ما هو عليه، وبقى الفلسطينيون يواجهون الموت فى الضفة الغربية وفى قطاع غزة على السواء.. ولا شىء سوف يغير من الوضع على الأرض، ولو صدر عن المحكمة ألف قرار وقرار بهذا المعنى.
ربما يكون الشىء الذى أثار جنون الدولة العبرية، أن قرار المحكمة جاء يوم ١٩ يوليو، بينما كانت حكومة نتنياهو قد استصدرت قرارًا من الكنيست فى اليوم السابق مباشرةً بمنع قيام دولة فلسطينية لأنها خطر على إسرائيل.. هذا التلازم بين القرارين هو ربما الذى أثار جنون الإسرائيليين وجعلهم لا يهنأون بقرار الكنيست.
إسرائيل سوف تخرج من أرض فلسطين عندما يكون الفلسطينيون جبهة واحدة لا جبهتين، إحداهما فى القطاع والأخرى فى الضفة.. فهذه هى خطوة البداية ولا بداية سواها.. ومن بعدها سوف تأتى خطوات أخرى، ولكنك لا يمكن أن تقطع الخطوة الثانية فى أى طريق إلا إذا كنت قد قطعت الأولى، وإلا، فإن خطوات الحركة على بعضها تصبح ضد منطق الأمور.. وربما يكون اتفاق الفصائل الفلسطينية فى بكين قبل أيام على إنهاء الانقسام هو هذه الخطوة، غير أن الأمر يدعونا إلى أن ننتظر لنرى.
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: سليمان جودة خط أحمر محكمة العدل الدولية الاحتلال الإسرائيلي للأراضى الفلسطينية جامعة الدول العربية الرئاسة الفلسطينية قرار ا
إقرأ أيضاً:
ثنائيات في أمثال السيد المسيح (6) .. اِغفِر واِرحَم.. في اجتماع الأربعاء
ألقى قداسة البابا تواضروس الثاني عظته الأسبوعية في اجتماع الأربعاء مساء اليوم، من كنيسة القديس الأنبا أنطونيوس بالمقر البابوي بالكاتدرائية العباسية.
ثنائيات في أمثال السيد المسيحواستكمل قداسته سلسلة "ثنائيات في أمثال السيد المسيح"، وقرأ جزءًا من الأصحاح الثامن عشر من إنجيل معلمنا متى والأعداد (٢١ - ٣٥)، وتناول مَثَل الملك الذي يغفر والعبد الذي لا يغفر، وربط بين المَثَل وأحد المخلع (الوحيد) الواردة قصته في الأصحاح الخامس من إنجيل معلمنا يوحنا ، مشيرًا إلى القساوة البشرية في أقصى صورها.
وأوضح قداسة البابا أن المَثَل يقدم عنصر الرحمة والتي لم تكن تتوفر لدى المحيطين بمريض بيت حسدا، وشرح رحمة الله الواسعة من خلال مشاهد المَثَل، كالتالي:
- في المشهد الأول يقدم لنا المَثَل مقارنة غير متوازنة بين الملك الذي يتنازل ويرحم ويترك الدين وبين العبد الذي يتعالى ويقسو ولا يترك الدين، ومريض بيت حسدا كان يريد الرحمة من المحيطين به "لَيْسَ لِي إِنْسَانٌ يُلْقِينِي فِي الْبِرْكَةِ مَتَى تَحَرَّكَ الْمَاءُ. بَلْ بَيْنَمَا أَنَا آتٍ، يَنْزِلُ قُدَّامِي آخَرُ" (يو ٥: ٧)، بينما رحمة الله واسعة "امْتَلأَتِ الأَرْضُ مِنْ رَحْمَةِ الرَّبِّ. بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ، وَبِنَسَمَةِ فِيهِ كُلُّ جُنُودِهَا" (مز ٣٣: ٥، ٦).
يتكلم الأصحاح ذاته عن المعاملات الإنسانية والمغفرة للآخر، "كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ" (مت ١٨: ٢١، ٢٢)، وإجابة السيد المسيح فتحت أمامنا أن الرحمة بلا نهاية.
المحاسبة في المَثَل تشير إلى يوم الدينونة، ومبلغ عشرة آلاف وزنة يُبيّن ضخامة الدين على الإنسان، فالإنسان مدين لله بكسر الوصايا وكأنها دين لا يُغفر، ولا يغفر هذا الكسر إلا رحمة الله.
"تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ الْجَمِيعَ" (مت ١٨: ٢٦)، هل نطلب من الله أن يتمهّل علينا حتى نحسن من سيرتنا، ونعيش في الوصية؟! فموقف الله من الإنسان متمثل في حبه وشفقته ورحمته وغفرانه، لأنها طبيعته.
"فَتَحَنَّنَ سَيِّدُ ذلِكَ الْعَبْدِ وَأَطْلَقَهُ، وَتَرَكَ لَهُ الدَّيْنَ" (مت ١٨: ٢٧)، "دَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ" (١ يو ١: ٧)، فالدين الذي علينا هو خطايانا وآثامنا ولذلك نلجأ إلى الله ليرفعها عنا ويرحمنا ونصير في بياض ناصع.
في المشهد الثاني يقدم المَثَل العلاقة بين العبد والعبد الآخر، "فَلَمْ يُرِدْ بَلْ مَضَى وَأَلْقَاهُ فِي سِجْنٍ حَتَّى يُوفِيَ الدَّيْنَ" (مت ١٨: ٣٠)، ونرى أن الإنسان أمام أخيه الإنسان تكون أذنيه صماء وقلبه حجريًّا بينما الله يستجيب للإنسان من كلمات قليلة يقدمها.
"فَلَمَّا رَأَى الْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُ مَا كَانَ، حَزِنُوا جِدًّا" (مت ١٨: ٣١)، برغم أن الدين كان قليلًا جدًّا إلا أن الإنسان يسقط في القساوة والخطية بسبب الغفلة والنسيان، فالله ينظر إلى الآثام العظيمة التي صنعها الإنسان ويرفعها عنه، ونحن ننظر إلى الآثام الزهيدة ونتوقف عندها ولا نغفر لبعضنا البعض.
"وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَلاَتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَلاَتِكُمْ" (مت ٦: ١٥)، الله ينظر إلى مقدار مغفرتنا للآخر لكي يعطينا الرحمة من عنده، وبنفس المقدار.
"فَلَمَّا رَأَى الْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُ مَا كَانَ، حَزِنُوا جِدًّا"، الله يسمع تنهدات البشرية من قسوة الآخرين، فعندما يسقط الإنسان في القساوة والخصام والعناد ينسى أن الله يمكن أن يرحمه، "وَالْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ" (أف ٣: ٢٠).
"أَفَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّكَ أَنْتَ أَيْضًا تَرْحَمُ الْعَبْدَ رَفِيقَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟" (مت ١٨: ٣٣)، الله يعاتب الإنسان لأنه بفعله يستبعد نفسه من نعمة الله.
وطرح قداسته تساؤلاً: أين نحن من هذه الرحمة؟
١- يجب أن نتذكر كل أيام حياتنا كيف يرحمنا الله ويغفر لنا ويستر علينا.
٢- يجب أن نتذكر أنه إذا غفرنا سيُغفر لنا وإذا لم نغفر سيضيع منا الملكوت، فصرخة مريض بيت حسدا صرخة مدوية للغاية "لَيْسَ لِي إِنْسَانٌ"، والأمر بيد الإنسان.