ربما فشلت محاولة اغتيال المرشح الرئاسي الأميركي دونالد ترامب في الأيام الماضية وخسر المهاجم حياته نتيجة لهذه المحاولة الفاشلة، ولكن هذا لم يكن كافيا للسلطات الفدرالية الأميركية التي تحاول جاهدة تفسير أسباب هذا الهجوم والبحث عن المزيد من الأدلة المتعلقة بالمحاولة تخوفا من تكرارها في المستقبل، وبينما تحاول القوات الميدانية الوصول إلى أدلة عبر التحقيقات المعتادة، وجه مكتب التحريات الفدرالي في مدينة بيتسبرغ أنظاره إلى جوال المهاجم بحثا عن الأدلة.

انتقى توماس كروكس مهاجم ترامب هاتفا يعمل بنظام "أندرويد"، وتحديدا من هواتف "سامسونغ" الحديثة لهذا واجه مكتب التحريات الفدرالي بعض التحديات في الوصول إلى محتويات الهاتف كونه محميا بكلمة مرور معقدة، إذ فشلت تطبيقات كسر الحماية المعتادة التي يستخدمها المكتب في فتح الهاتف، ونظرا لأهمية الهاتف كدليل دامغ ضمن القضية، توجه مكتب "الإف  بي آي" إلى شركة "سيليبريت" (Cellebrite) الإسرائيلية التي ساعدتهم في كسر حماية الهاتف خلال 40 دقيقة عبر استخدام تقنية لم يكشف عنها سابقا، وذلك وفق ما نقلته صحيفة "واشنطن بوست" عن مصادر رفضت الإفصاح عن هويتها، ولكن من هي "سيليبريت"، وكيف تمكنت من مساعدة السلطات الفدرالية؟

تقنية غير مكشوف عنها

تعمل شركة "سيليبريت" منذ فترة كبيرة مع الحكومة الفدرالية الأميركية عبر العديد من وكالتها، إذ تزودهم بمجموعة من الأدوات والتقنيات التي تساهم في كسر حماية الأجهزة الإلكترونية بشكل عام والجوالات تحديدا أثناء التحقيقات، ولكن هذه التقنيات لم تكن كافية لكسر حماية هاتف كروكس الحديث.

تفرض طبيعة عمل الشركة مع "مكاتب التحقيق الفدرالية" وجود علاقة طيبة بينهما، فضلا عن تنسيق الجهود بين الشركة والمكاتب من أجل تخطي العقبات التي تظهر أثناء استخدام تقنيات "سيليبريت" مثلما حدث مع هاتف كروكس، لذا كان من السهل التنسيق مع الشركة وطلب مساعدتهم في فتح هذا الهاتف.

وبشكل فوري استجابت الشركة لمطالب "مكتب التحقيقات الفدرالية" وأرسلت إلى مقرهم الرئيسي في كوانتيكو تقنية جديدة تساعدهم على الوصول للهاتف واختراق حمايته، على الرغم من كون هذه التقنية غير معلنة واختبارية حتى اليوم، إذ لم تكن متاحة لأي من عملاء الشركة بشكل سابق.

في العادة، تحتاج برمجيات "سيليبريت" إلى ساعات وربما أيام أو سنوات حتى تتمكن من خرق حماية الهاتف دون الأخذ في الاعتبار احتمالية فشل البرمجية، ولكن بفضل التقنية الجديدة، تمكنت "الإف بي آي" من اختراق هاتف كروكس في 40 دقيقة فقط.

لم تكشف السلطات أو الشركة عن نوع التقنية الجديدة المستخدمة، ولكنها في العادة تتطلب تعطيل حماية الهاتف وإدخال ملايين كلمات المرور بشكل تلقائي وسريع للغاية لضمان الوصول إلى الهاتف بأسرع شكل ممكن، ورغم انتشار الأنباء عن هذه الحادثة إلى جميع الأطراف المشاركة فيها رفضت التعليق والكشف عن أي تفاصيل تتعلق بالوصول إلى الهاتف أو البيانات التي وجدت به.

توماس كروكس مهاجم ترامب انتقى هاتفا يعمل بنظام "أندرويد"، وتحديدا من هواتف "سامسونغ" الحديثة (شترستوك) من هي "سيليبريت"؟

تأسست شركة "سيليبريت" عام 1999 في إسرائيل على يد آفي يابلونكا ويارون باراتز ويوفال أفالو قبل أن تتوسع في عام 2004 لتضيف فريقا جديدا كان مسؤولا عن النجاح العالمي لها، وقد اتخذت الشركة من الطب الشرعي الرقمي مجالا لها وتحديدا اختراق الهواتف المحمية بكلمات المرور والوصول إليها بشكل سهل ويسير، وتمكنت من إطلاق عدة أدوات تؤدي هذه الوظيفة عبر السنوات الماضية.

تمثل تقنيات "سيليبريت" ذروة أدوات الطب الشرعي الرقمي لهذا تعتمد عليها العديد من الهيئات الفدرالية الأميركية خصوصا، وهو الأمر الذي مكن الشركة من إدراج نفسها في بورصة "ناسداك" وتحقيق أرباح سنوية متكررة تصل إلى 98.6 مليون دولار مع نهاية الربع الأول من 2024، ومن المتوقع أن تزداد هذه الأرباح مع تزايد الطلب على التقنية الجديدة التي استخدمت مع هاتف كروكس.

تتباهى الشركة بأنها ساهمت في اختراق أكثر من 5 ملايين هاتف عبر عملها مع الهيئات القانونية المختلفة في الولايات المتحدة، فضلا عن نيتها في توطيد علاقتها مع السلطات الأميركية لتوسيع رقعة أعمالها، وهو الأمر المؤكد بعد النجاح الذي حققته الشركة.

فشلت تقنيات "سيليبريت" القديمة، والتي تعتمد عليها "الإف بي آي" حاليا في اختراق جوالات "آيفون" التي تعمل بنظام 17.5 أو أحدث، فضلا عن عجزها أمام هواتف "غوغل بيكسل" الحديثة أيضا، ولكن يبدو أن الشركة استطاعت التغلب على هذه العقبة.

مخاوف أمنية

ربما كان استخدام "الإف بي آي" لتقنيات "سيليبريت" مبررا هذه المرة، بسبب محاولة الاغتيال والتأكد من هوية المجرم، ولكن هذا لا يعني أن الهيئة ستلتزم بقوانين حماية الخصوصية المتهمين المحتملين في مختلف القضايا، خاصة تلك التي قد تكون جدلية.

في تقرير نشره موقع "ذا فيرج" أشار الباحث الأمني كوبر كوينتي إلى امتلاك الهيئات الفدرالية أكثر من أداة لاختراق الهواتف وتخطي حمايتها على غرار أدوات "سيليبريت"، إذ توجد أداة تدعى "جراي كي" (Graykey) تابعة لشركة "جراي شيفت" وتصل تكلفتها إلى 30 ألف دولار في بعض الحالات، وذلك فضلا عن الأدوات التي تطورها "الإف بي آي" لنفسها، ومن الجدير بذكره أن "جراي شيفت" كشفت عن قدرة أدواتها لاختراق هواتف "آيفون" التي تحمل نظام "آي أو إس 17" وأجهزة "سامسونغ إس 24″ و"بيكسل 6 و7" أيضا.

بالطبع، تثير هذه الأدوات العديد من المخاوف الأمنية المتعلقة بالخصوصية وحماية بيانات المستخدمين، وهو الأمر الذي دفع الكثير من النشطاء بمهاجمة الشركات العاملة في هذه القطاع تخوفا من وقوع تقنياتها في الأيدي الخاطئة أو تبرير استخدامها بشكل سيئ من أجل قمع الحريات، ولكن هذا لم يمنع "سيليبريت" ومثيلاتها من تطوير المزيد من التقنيات.

وفي محاولة من "سيليبريت" لطمأنة الرأي العام حول التقنيات الجديد والمخاوف المتعلقة بها مشيرة إلى قانون أصدره "الكونغرس الأميركي" في عام 2021 يمنعها من التعامل مع الحكومة الصينية وهونغ كونغ، بسبب المخاوف من قمع الحريات وانتهاك حقوق الإنسان عبر أدواتها، ولكنها مستمرة في تطوير تقنياتها والتعامل مع الهيئات الفدرالية الأميركية، وبينما لا تهم الجهة التي تستخدم التقنية، فإن مجرد وجودها بحد ذاته مؤشر خطر كبير، إذ يمكن إيجاد مبررات قانونية لهذه الهيئات من أجل اختراق الجوالات.

ولا تتشارك جميع الشركات التقنية مع "سيليبريت" في رؤيتها لتقنيات الطب الشرعي الرقمي، وربما يعد موقف "آبل" في نهاية 2015 أحد أبرز الأمثلة على ذلك، إذ رفضت الشركة إتاحة الوصول لهاتف المتهم الرئيسي في قضية إطلاق نار جماعي، مبررة موقفها بأنها لا تستطيع بناء باب خلفي يمكن استخدامه بشكل سيئ في هواتفها، وقد عزز هذا الموقف فضلا عن مواقف أخرى كثيرة من وضع "آبل" كشركة تهتم بالأمان والخصوصية أولا.

تمتلك إسرائيل بمفردها عددا كبيرا من الشركات التقنية التي تعمل في قطاع "القرصنة الأخلاقية" كما تدعيه، وربما كانت "إن إس أو" المسؤولة عن برمجية "بيغاسوس" الخبيثة و"سيليبريت" إحدى أبرز الأمثلة على هذا الأمر، فضلا عن وجود تقنيات أخرى غير معلن عنها، وهو ما يطرح تساؤلا عن أولويات التقنين الإسرائيلين الذين يتخذون من القرصنة مجالا لكسب الأموال.

استخدام التقنية في الإبادة الجماعية

من غير المعروف إن لعبت برمجيات "سيليبريت" أو "بيغاسوس" دورا في حرب الإبادة الشعواء على غزة أم لا، ولكن من المعروف عن جيش الاحتلال استخدامه لترسانة من الأسلحة التقنية غير المعلن عنها من أجل تحقيق أهدافه.

استخدام مثل هذه التقنيات في اختراق هواتف المعتقلين أو ضحايا الغارات يعد انتهاكا صريحا لخصوصيتهم، فضلا عن قوانين الحرب وجميع معاهدات حقوق الإنسان، وبينما تدعي "سيليبريت" قطع علاقتها مع الصين بسبب انتهاكات الحرية هناك، فإنها قد تجد مبررا لها من أجل استخدام تقنياتها في حرب غزة من قبل الجيش الإسرائيلي.

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حراك الجامعات حريات الفدرالیة الأمیرکیة هاتف کروکس الوصول إلى فضلا عن من أجل

إقرأ أيضاً:

ثمن سياسات القوة التي ينتهجها ترامب

إيفو دالدر ـ جيمس م. ليندسي

انتهى عهد السلام الأمريكي، ونشأ النظام الدولي القائم على القواعد بقيادة الولايات المتحدة إثر الهجوم الياباني على بيرل هاربور في السابع من ديسمبر 1941، وانتهى مع تولي دونالد ترامب ولايته الثانية، حيث كان الرئيس يؤكد باستمرار أن هذا النظام يضر بالولايات المتحدة، إذ يحملها مسؤولية مراقبة العالم بينما يمنح حلفاءها الفرصة للعب دور الضحية. وأثناء جلسة الاستماع في مجلس الشيوخ لتأكيد تعيينه، صرح وزير الخارجية ماركو روبيو قائلًا: «إن النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية لم يعد مجرد نظام قديم، بل تحول إلى سلاح يستخدم ضدنا».

يعكس تشكيك ترامب في دعم الولايات المتحدة لأوكرانيا وتايوان، وسياسته الحمائية القائمة على فرض التعريفات الجمركية، وتهديده باستعادة قناة بنما، واستيعاب كندا، والاستحواذ على جرينلاند، رؤيته لعالم تسوده سياسات القوة ومجالات النفوذ على غرار القرن التاسع عشر، حتى وإن لم يصرّح بذلك صراحة، فقد كانت القوى الكبرى آنذاك تسعى إلى تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ، متجاهلة إرادة الشعوب الخاضعة لحكمها، وهي رؤية يتبناها ترامب بوضوح. فهو يرى أن المصالح الأمريكية خارج نصف الكرة الغربي محدودة، ويعتبر التحالفات عبئًا على الخزانة الأمريكية، ويؤمن بضرورة فرض الهيمنة على الجوار الإقليمي. وتعكس رؤيته للعالم نهجًا مستمدًا من فلسفة ثوسيديديس، الذي قال: إن «الأقوياء يفعلون ما بوسعهم، والضعفاء يعانون ما ينبغي عليهم تحمله».

رغم الإنجازات الاستثنائية التي حققها عهد السلام الأمريكي، مثل ردع الشيوعية، وتحقيق ازدهار عالمي، وترسيخ السلام النسبي، فقد زرعت الأخطاء الأمريكية بذور انهياره قبل صعود ترامب بوقت طويل. فقد أدت الغطرسة السياسية إلى حروب باهظة الثمن ومهينة في أفغانستان والعراق، فيما زعزعت الأزمة المالية عام 2008-2009 الثقة في كفاءة الحكومة الأمريكية وسياستها الاقتصادية؛ لذا، ليس من المستغرب أن يشعر بعض الأمريكيين بأن بلادهم قد تحقق نجاحًا أكبر في نظام عالمي مختلف، تحكمه القوة لا القواعد. وبما أن الولايات المتحدة تمتلك أكبر اقتصاد عالمي، وأقوى جيش، وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا، فقد تبدو مؤهلة للنجاح في مثل هذا النظام.

لكن هذا النهج يحمل في طياته نقطة ضعف جوهرية غالبًا ما يغفلونها وهي: قلة الخبرة في ممارسة سياسة القوة العارية. فهذا الأسلوب غريب على الولايات المتحدة، لكنه مألوف لمنافسيها. فقد ظل الرئيس الصيني شي جين بينج ونظيره الروسي فلاديمير بوتين مستاءين من النظام الأمريكي لأنه قيّد طموحاتهما الجيوسياسية، وتعلّما كيفية التنسيق لمواجهة النفوذ الأمريكي، لا سيما في الجنوب العالمي. وعلى عكس ترامب، لا يواجه كلاهما قيودًا داخلية تحد من سلطتهما.

في الواقع، تطلع ترامب إلى كندا وجرينلاند له جذور تاريخية في السياسات الأمريكية، فقد حلم الجيل المؤسس للولايات المتحدة بضم كندا؛ إذ صرح الرئيس السابق توماس جيفرسون في مستهل حرب عام 1812 بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بأن «الاستحواذ على كندا هذا العام ... لن يكون أكثر من مجرد مسألة زحف». واستمر هذا الطموح في أربعينيات القرن التاسع عشر من خلال شعار «54-40 أو القتال»، في إشارة إلى خط عرض الحدود الجنوبية لإقليم ألاسكا، الذي كان آنذاك تحت الحكم الروسي، والمطالبة بضم مناطق شاسعة من شمال غرب المحيط الهادي في كندا.

من جهة أخرى، فكّر الرئيس أندرو جونسون في شراء جرينلاند من الدنمارك بالتزامن مع شراء الولايات المتحدة لألاسكا من روسيا عام 1867، فيما أعاد الرئيس هاري ترومان طرح فكرة الشراء سرًا عام 1946، مشيرًا إلى القيمة الاستراتيجية للجزيرة. في الواقع، تستند دعوة ترامب في خطاب تنصيبه إلى «توسيع أراضينا» إلى رؤى مماثلة لأحلام «القدر الواضح». كما أن هدفه بزيادة نفوذ واشنطن في نصف الكرة الغربي يحمل منطقًا استراتيجيًا. فلطالما كانت قناة بنما مسارًا بحريًا أساسيًا للتجارة الأمريكية، حيث يمر عبرها نحو 40% من إجمالي حركة الحاويات في الولايات المتحدة، ويُقدَّر أن ثلاثة أرباع السفن التي تستخدم القناة إما أن تنطلق من الولايات المتحدة أو تتجه إليها. وإذا وقعت القناة تحت سيطرة قوة كبرى أخرى، فقد يتعرض أمن الولايات المتحدة للخطر.

وفي الوقت نفسه، ازدادت الأهمية الاستراتيجية لجرينلاند مع تفاقم تغير المناخ، وهي الظاهرة التي يسخر ترامب من وجودها رغم تأثيرها الواضح. فمن المتوقع أن يؤدي ذوبان الغطاء الجليدي في القطب الشمالي إلى فتح ممر ملاحي شمالي جديد، مما سيزيد من التحديات العسكرية في شمال أمريكا الشمالية. كما تحتوي جرينلاند على احتياطيات ضخمة من المعادن الحيوية التي تحتاجها الولايات المتحدة لدعم تقنيات الطاقة النظيفة. أما فيما يخص كندا، فإن ضمها كولاية أمريكية سيؤدي نظريًا إلى إزالة الحواجز التجارية بين البلدين، مما قد يعزز الكفاءة الاقتصادية ويحقق فوائد اقتصادية لكلا الجانبين.

ومع ذلك، تمكنت واشنطن من تحقيق العديد من هذه الأهداف الاستراتيجية دون اللجوء إلى التهديدات. فقد نجح رئيس بنما، خوسيه راؤول مولينو، في حملته الانتخابية بفضل وعوده بتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة. وتخضع جرينلاند، باعتبارها إقليمًا تابعًا للدنمارك، للمادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، ما يضعها تحت مظلة الحماية الأمنية للحلف. كما تستضيف الجزيرة قاعدة بيتوفيك الفضائية (المعروفة سابقًا باسم قاعدة ثولي الجوية)، وهي منشأة عسكرية أمريكية في الشمال. وأظهر سكان جرينلاند اهتمامهم بجذب الاستثمارات الأمريكية بدلًا من الصينية لدعم اقتصادهم.

أما اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، التي تفاوض عليها ترامب خلال ولايته الأولى، فقد عززت التكامل الاقتصادي بين الولايات المتحدة وكندا، ومن المقرر مراجعتها عام 2026، مما يتيح فرصة لتعميق هذا التعاون. لكن هذه الأدوات الدبلوماسية، مثل بناء التحالفات، وتعزيز الأمن الجماعي، وإبرام اتفاقيات التجارة، تمثل السمات الأساسية للنظام العالمي الذي تخلّى عنه ترامب الآن.

يسعى ترامب بوضوح إلى محاكاة النهج الذي يتبعه. فهو يرى في بوتين وشي نظيرين له، بينما لا ينظر إلى زعماء الحلفاء مثل شيجيرو إيشيبا في اليابان، أو إيمانويل ماكرون في فرنسا، أو كير ستارمر في المملكة المتحدة بالطريقة ذاتها. إضافة إلى ذلك، يبدو أن ترامب مستعد للتنازل عن مجالات النفوذ لصالح الصين وروسيا، شريطة أن تردا الجميل. فهو لا يبدي اعتراضًا على إشعال فتيل الحرب في أوكرانيا، إذ ألقى باللوم على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وليس بوتين، في اندلاعها. ويفضل إنهاء الحرب عبر اتفاق يمنح روسيا أجزاء من الأراضي الأوكرانية ويمنع انضمام كييف إلى حلف شمال الأطلسي.

يبدو أن ترامب مرتاح لفكرة تقليص التحالفات التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تمتد إلى مناطق نفوذ روسية وصينية مفترضة. فقد شكك مرارًا في جدوى حلف شمال الأطلسي، متهمًا توسعه بأنه السبب في استفزاز روسيا لغزو أوكرانيا، كما هدد بسحب القوات الأمريكية من كوريا الجنوبية. وبالنسبة له، فإن هذه التحالفات ليست سوى استثمارات فاشلة تُثقل كاهل الولايات المتحدة بتكاليف حماية دول، يرى أنها في الوقت ذاته تسرق وظائف الأمريكيين.

وعلى غرار بوتين وشي، يعتقد ترامب أن القوة الاقتصادية ينبغي أن تُستخدم كأداة ضغط لانتزاع التنازلات من الدول التي لا ترضيه. فكما استغل بوتين النفط والغاز الروسيين لترهيب أوروبا، وكما استخدم شي نفوذ الصين التجاري لإخضاع دول مثل أستراليا واليابان، يعتمد ترامب على التعريفات الجمركية لإجبار الشركات المحلية والأجنبية على نقل إنتاجها إلى الولايات المتحدة. كما ينظر إلى هذه الرسوم كوسيلة لفرض إرادته على الدول في قضايا أخرى. على سبيل المثال، تواجه المكسيك تهديدًا بزيادة التعريفات الجمركية إن لم تستجب لمطالب ترامب بوقف تدفق المهاجرين عبر الحدود الجنوبية للولايات المتحدة. كما هدد باستخدام «القوة الاقتصادية» لضم كندا، وحذّر الدنمارك من مواجهة رسوم جمركية أعلى إن رفضت بيع جرينلاند.

كان مؤسسو النظام العالمي الذي أعقب الحرب العالمية الثانية يؤمنون بأن الرسوم الجمركية المرتفعة لا تؤدي إلا إلى تأجيج النزعات القومية الاقتصادية والصراعات الدولية. أما تهديدات ترامب، فهي تنذر بعصر جديد، حيث يحل الترهيب الاقتصادي محل التجارة الحرة والتعاون الدولي كأدوات للهيمنة.

من غير المرجح أن تحقق مقاربة ترامب نجاحًا يُذكر. فقد توافق كندا والمكسيك، على الأقل رمزيًا، على بذل مزيد من الجهود لتأمين حدودهما، كما سيزور زعماء الحلفاء واشنطن لإبداء رغبتهم في العمل مع أمريكا بقيادة ترامب. ومع ذلك، فإن العودة إلى سياسات القوة في القرن التاسع عشر لن تحقق النتائج التي وعد بها.

تعجز الولايات المتحدة عن ممارسة سياسة القوة الصريحة لأن الصين وروسيا تتقنانها بشكل أفضل. فقد استغلت بكين وموسكو الاستياء العالمي من واشنطن، متهمة إياها بالنفاق في دعم أوكرانيا مع تجاهل صراعات أخرى، مثل حرب غزة. ومع اعتماد ترامب على التهديدات لابتزاز الحلفاء، قد يتراجع الدعم الأمريكي دوليًا.

كما أن الصين في موقع قوي لمنافسة النفوذ الأمريكي، مستفيدةً من مبادرة «الحزام والطريق» ونهجها القائم على المنفعة المتبادلة، بينما يطالب ترامب الدول بتقديم تنازلات دون مقابل. ومع انسحاب واشنطن من المؤسسات الدولية، تسرع بكين في ملء الفراغ، ما يعزز مكانتها عالميًا.

على الصعيد الداخلي، يواجه ترامب قيودًا سياسية مقارنةً بنظيريه الصيني والروسي، حيث تفرض بكين وموسكو سيطرة شبه كاملة على شعبيهما، مما يسمح لهما بتنفيذ سياسات قاسية، كما فعل بوتين في أوكرانيا. في المقابل، لا يستطيع ترامب فرض مثل هذه السلطة دون إثارة ردود فعل عنيفة، كما أن المجتمع الأمريكي أكثر عرضة للتأثير الأجنبي. وإذا قوبلت سياساته بمعارضة داخلية قوية، فقد يواجه مصيرًا مشابهًا لجونسون ونيكسون في حرب فيتنام، حين أضعفت الاحتجاجات مصداقية التهديدات الأمريكية، مما شجع الخصوم على الصمود أمامها.

يعتمد موقع الولايات المتحدة في عالم تحكمه سياسة القوة على قرارات القوى الأخرى. فاقتناع بوتين وشي بدورهما القيادي قد يدفعهما إلى ارتكاب أخطاء، مثلما أسهمت سياسات الصين العدوانية وغزو روسيا لأوكرانيا في تعزيز تحالفات واشنطن. ورغم استياء بعض الدول من الولايات المتحدة، إلا أن خوفها من الصين وروسيا يخدم المصالح الأمريكية.

أما حلفاء أمريكا في آسيا وأوروبا، فسيحاولون استرضاء ترامب بالتنازلات، لكنه سيستغل ذلك لتعزيز نهجه القائم على القوة دون تبني دور القيادة العالمية. وللتأثير على سياساته، عليهم إظهار قوتهم، إذ لم يعد «السلام الأمريكي» قائمًا، وعادت سياسة القوة. وإذا وحدوا جهودهم، فقد يحدّون من أسوأ قراراته الخارجية ويمهدون لنظام عالمي أكثر استقرارًا. أما الفشل، فسيؤدي إلى عالم أكثر اضطرابًا وخطورة.

مقالات مشابهة

  • ثمن سياسات القوة التي ينتهجها ترامب
  • وقف إطلاق النار الذي لم يُنفَّذ في غزة ولبنان
  • سعره نزل.. خصم هائل على هاتف Samsung Galaxy Z Fold 6
  • الجيش الإسرائيلي يوضّح سبب أصوات الانفجارات التي سمعت في غزة
  • ترامب يشدد قيود الرقائق على الصين.. هل نشهد فصلاً جديدًا في الحرب التقنية بين العملاقين؟
  • محجوب فضل بدری: صياد النجوم فی أبْ قَبَّة فحل الديوم !!
  • أرخض الهواتف.. إنفينكس تعلن عن هاتفها الاقتصادي Infinix Smart 9 بمواصفات مناسبة
  • Pixel 9a.. هاتف جوجل الجديد بتصميم أرخص ومواصفات قوية
  • مأساة في المغرب .. حريق يودي بحياة 5 أطفال بسبب شاحن هاتف
  • هاتف HONOR X5b Plus.. المواصفات والأسعار