لجريدة عمان:
2025-04-03@17:43:21 GMT

كيف فكّر فلاسفة العصور القديمة في الحرب؟

تاريخ النشر: 24th, July 2024 GMT

كيف فكّر فلاسفة العصور القديمة في الحرب؟

الترجمة عن الفرنسية: حافظ إدوخراز -

تعدّ الحرب مجالًا أساسيًا للبحث الفلسفي، بالنّظر إلى أن البحث في هذا الموضوع يتيح إمكانية مساءلة طبيعة الإنسان وديناميات التاريخ والعلاقات التي ينسجها البشر بين بعضهم البعض.

لقد عاد الحقل المعجمي المرتبط بالحرب إلى الظهور على الساحة في الفضاء العام مع تفشّي جائحة كوفيد-19 والعبارة الشهيرة التي استعملها الرئيس إيمانويل ماكرون في أحد خطاباته: «نحن في حرب».

وأصبح سيناريو الحرب في المدّة الأخيرة حقيقةً ملموسةً أكثر بسبب الصراع المسلح الذي تدور رحاه في أوكرانيا، والذي تم الحديث والتعليق كثيرًا عن أصوله ودينامياته.

يبدو أن الغلبة في الوقت الراهن هي لخطاب الحرب المسلّحة على حساب خطاب التفاوض، وتزايد احتمالات نشوب صراع عسكري ذي أبعاد عالمية لا تبعث إطلاقًا على الاطمئنان.

بعد فترة طويلة من السلام اعتدنا فيها إحياء ذكرى مآسي القرن العشرين، لم نتخيّل أبدًا نحن الأوروبيين، أننا سنخرج من الجائحة لنجد شبحَ ما يشبه حربًا عالميةً ثالثةً يلوح في الأفق. غير أن الحرب في الحقيقة لم تختفِ أبدًا من حياة البشر، فقد كان عدد الوفيات النّاجمة عن الحروب في جميع أنحاء العالم بين عامي 1945 و2000 أكبر ممن ماتوا جميعًا خلال الحرب العالمية الثانية.

هوميروس: الحرب «شر لا بدّ منه»

يعرّف الشاعر الملحمي الإغريقي هوميروس (Homer) الحرب في الإلياذة ويصفها بأنها «شرّ» (Pòlemos kakòs)، لكنه يضيف على الفور أنها شرٌّ «لا بدّ منه». تلعب الحرب دورًا أساسيًا في حياة الأبطال الممثَّلين في أشعار هوميروس، ويكفي أن نتذكّر أن بطلي ملحمتي الإلياذة والأوديسة هما ملكان محاربان: أخيل (Achilleus) وأوديسيوس (Ulysses).

تقدّم لنا «الإلياذة» شخصيات أخرى من الأبطال المحاربين من بينهم أجاكس وهيكتور. ويُحيل هذان البطلان المحاربان على نهجٍ مختلف في الحرب، إذ يمثّل كلاهما الحرب التي تُخاض على نحوٍ أخلاقي، أي على أساس قواعد وبدون مخاتلة من خلال مواجهة الخصم في ساحة المعركة. أما أخيل فيمثّل الحرب العنيفة، حيث يُضرب الخصم غدرًا ولا يُكترث فيها لأي قواعد.

يمثّل أوديسيوس من جهته الحرب الماكرة التي تُخاض بدهاءٍ وتأخذ الخصم على حين غرّة. إنها حرب إبداعية وغير متوقعة من الخصم، وتتكيّف مع جميع المواقف المستجدّة. لقد كان أوديسيوس النّاجي الوحيد من حرب طروادة، وهو بحّار ماهر ومراقب دقيق للأوضاع من حوله. إن أعظم فائز في أعظم حرب في العصور القديمة كان بحّارًا كُتب له الانتصار في معاركه لأنه توسّل الحيلة بدلًا من اللجوء إلى العنف.

الحرب الكاشفة

تمثّل الحرب عند الفيلسوف هيرقليطس المحرّك الكبير لتقلّبات الحياة البشرية. لقد كتب قائلًا: «إن الحرب أبٌ لكل الأشياء ولكل الملوك، وهي تكشف عن البعض كآلهة والبعض الآخر كبشر، وتُظهر بعض البشر كعبيد وبعضهم الآخر كأحرار». إنها تحدّد مصير الإنسان نحو الخير أو الشر، لكن الأمر لا يقف عند هذا الحدّ، فالحرب بحسب رأي هيرقليطس، تحكم كامل الكوزمولوجيا الإغريقية.

يقع الصراع والمواجهة في الطبيعة كما في عالم البشر على حدّ سواء، ويسود في كلتا الحالتين منطق الغزو وإلحاق الهزيمة بالخصم من أجل السيطرة. تمارس الحرب تأثيرها في الفيزياء كما في الميتافيزيقا والإبستمولوجيا (نظرية المعرفة) والإتيقا (فلسفة الأخلاق).

إن حياة الإنسان في حدّ ذاتها هي حرب مستمرة، غير أنها لا يجب أن تقوم على عنفٍ مجاني غير ضروري. الحرب هي العنصر الذي يمنحنا القوة من أجل فهم العالم من حولنا بوضوح، ويعدّ هذا وفقًا للفيلسوف، تمرينًا صعبًا لأن معظم الناس ينطوون على طبيعةٍ جبانة وسلبيّة.

تأثير هيرقليطس على هيجل

من المعروف لدى المختصّين في الفلسفة أن الرؤية الهيرقليطية قد مارست تأثيرًا كبيرًا على العمل الفكري الضخم الذي أنتجه فيلسوف العصر الرومانسي «جورج فريدريش هيجل»، والذي يرى أن كل واقع ينطوي على عملية ديالكتيكية (جدلية) يتم بمقتضاها التوفيق بين الأطروحة (thesis) ونقيضها (antithesis) في لحظة أسمى يُطلق عليها بـ«التوليفة» (synthesis).

يوكِل هيجل إلى الحرب مهمة الحفاظ على الصحة الأخلاقية للشعوب، على غرار حركة الرياح التي تحمي البحر من التعفّن. ويقول في كتابه الموسوم «مبادئ فلسفة القانون» (1821): «للحرب هذا المعنى الأسمى إذ من خلال خوضها تُصان الصحّة الأخلاقية للشعوب التي تصحو من لامبالاتها أمام ما تصنعه الأيام بها، مثلما تحفظ حركة الرياح البحر من حالة التعفّن التي قد ينتهي إليها بسبب فترة طويلة من السكون. وعلى نفس المنوال، فإن الحرب تحفظ الشعوب من عواقب سلمٍ دائمٍ أو حتى أبدي».

تبدو المسافة الفلكية التي تفصل هيجل عن كانط، الذي يدعو على العكس من ذلك إلى السلام الدائم، واضحة للغاية. تعدّ الحرب عند هيجل حالةً طبيعية لا مناص منها، ولهذا السبب فهو يرى أن فكرة كانط السلمية تظلّ فكرةً طوباوية ومجرّدة. ويعتقد هيجل أنه حيثما وُجدت الحياة فإن ثمّة صراع حتمًا. ولذلك فإن الحرب تحقق منافع أيضًا في بعض الجوانب؛ لأنها تتيح التقدم المدني والأخلاقي للشعوب.

الحرب والسياسة

لقد تصدّى الفيلسوف الأثيني أفلاطون لدراسة العلاقة بين الحرب والسياسة في ثلاثةٍ من أعماله على الأقل: بروتاغوراس (Protagoras)، والجمهورية، والقوانين.

يعرض أفلاطون في حواره الموسوم «بروتاغوراس» أسطورة بروميثيوس الشهيرة، الذي سرق النار والتقنية من الآلهة لكي يهبها للبشر. غير أن هذه الهبات لم تفلح سوى في إنشاء عدد قليل من المنازل التي لم تتحول بعدُ إلى «بوليس» (pòlis)، أي المدينة القائمة على العدالة والاحترام المتبادل بين ساكنيها. وفي غياب هذه المدينة يتعذّر وجود السياسة (politiké)، وبالتالي لا وجود للحرب. وبدون الحرب، يعجز البشر عن صدّ هجمة الوحوش الضارية، فيُحكم عليهم بالتالي بالخضوع والرّضوخ لها.

يرى أفلاطون أن الحرب تنشأ عن السياسة، وبالتالي فإن هذه الأخيرة هي الأداة التي يمكن للبشر من خلالها أن يظلوا آمنين وسالمين. ويترتّب عن ذلك: أولًا، أن السياسة وليس التّقانة (التكنولوجيا) هي التي يمكن أن تنقذ البشر. ثانيًا، أن الحرب تعدّ جزءًا من السياسة، وأن السياسة بالتالي هي الملاذ المنقذ لوضع الإنسان. وفي كتاب القوانين، وهو آخر كتابات أفلاطون والذي يعدّ بمثابة وصيةٍ روحية له، يميز هذا الأخير بين نوعين من الحرب:

- الحرب مع طرف خارجي (pòlemos) مثل الحرب ضد الوحوش البرية، وهي حرب غير مدمّرة وتُفيد تطور الدولة؛

- الحرب الأهلية (stàsis)، وهي حرب داخلية بين الإخوة (adelfòi)، وهي ضارّة على الدوام لأنها تحطّم كيان الدولة.

لكن كيف يمكنني التعرّف على أخي؟ هل هو الذي خرج من نفس الرحم؟ أم بالأحرى من يتحدث نفس اللغة ويشاركني نفس الثقافة؟ لا بدّ من تجاوز هذين المنظورين من أجل تجنب الحرب الأهلية (أو الداخلية).

وإذا كانت الحرب الخارجية أمرًا لا مناص منه في كل الأحوال، فإن الحرب الأهلية أمر يُؤسف له غاية الأسف. وبينما يستحيل تجنّب النوع الأول من الحرب، ينبغي السعي حثيثًا إلى تجنّب النوع الثاني بأي ثمن كان.

وفي الختام، نشير إلى أنه كثيرًا ما استُعمل مفهوم «الحرب العادلة» على مدار قرون طويلة من التفكير الفلسفي في موضوع الحرب. ومن الجيد أن نذكّر هنا بأن أول فيلسوف تحدّث عن «الحرب العادلة» هو أرسطو في كتابه «السياسة» (الكتاب السابع، الفصل الرابع عشر). إن الهدف من خوض الحروب، بالنسبة إلى أرسطو، يجب أن يكون دائمًا هو إحلال السلام، ولا ينبغي أبدًا أن تُخاض من أجل إذلال الشعوب الأخرى أو استعبادها.

لوسيا غونغال باحثة فرنسية في فلسفة الأخلاق والسياسة بجامعة تور.

عن موقع The Conversation

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: إن الحرب ل الحرب حرب فی التی ت من أجل

إقرأ أيضاً:

الهلال بين السياسة والدين!

ليس جديدا أن تختلف الدول العربية في تحديد بداية شهر رمضان ونهايته، فهذا هو خبر العام وكل عام، لكن الجديد أن تخالف مصر الرأي السعودي في هذا الصدد، وسط حديث عن فتور في العلاقات بين البلدين!

لست منحازا لأي الرأيين، فقد أخذت برأي الجمهور واعتمدت يوم الأحد هو الأول من شهر شوال، نزولا على إعلان البلد الذي أقيم فيه، وإن رأيت أن فرحة العيد لم تكتمل (وللصائم فرحتان)، لأنه لم يشاركنا الأهل في مصر في يوم عيد واحد، ولست أرجح إذا كانت العيد في أي اليومين؛ الأحد، أم الاثنين؟!

فاعتمادا على السوابق، لا أسلم بصحة الرأي السعودي في هذا الصدد، وأحيانا كان يتم الاعتراف بالخطأ من جانب القوم أنفسهم، وأحيانا أخرى كان بعض الناس يقفون بأنفسهم على هذا الخطأ، وفي الطفولة والصبا، كنت أسمع شيئا من ذلك، عندما كنت أعيش في الريف، حيث السماء صافية، ولا يشوش على صفائها لدى البشر عازل التلوث، وما فعلته أيدي الناس!

ولعل ما وقف عليه المصريون بأنفسهم، عندما كانوا ينتظرون أن تتوحد احتفالاتهم بنصر أكتوبر/ تشرين الأول 1973، في يوم واحد، ويقولون إن تطابق الذكرى بين الشهري الميلادي والهجري، يحدث بعد أكثر من ثلاثين عاما، ولم يحدث هذا التطابق بين السادس من أكتوبر والعاشر من رمضان في العام المنظور، على نحو كاشف بأن هناك خطأ حدث في تحديد شهر رمضان إما في عام النصر، أو في سنة الذكرى والتطابق!

التسيس لم يبدأ سوى هذا العام، وكثير من التصرفات الصغيرة يمكن للمرء أن يحكم بمقتضاها على أن هناك فتورا في العلاقات بين النظامين، قبل أن يجتمع رأس النظام المصري بولي العهد السعودي، في لقاء يبدو ذرا للرماد في العيون، لكن هذا لا ينفي أن العلاقة ليست على ما يرام، فهل كان جزءا من الحديث عن فشل الدراما راجعا لهذا الفتور، وفي ظل التهديد السعودي على لسان عمرو أديب بأنه يمكن لإدارة الترفيه الراعي للدراما المصرية أن تنسحب من الرعاية إن استمر هذا الهجوم؟!
ورغم ما استقر في أذهان العامة بأنه ليس بالضرورة أن يكون الإعلان السعودي صحيحا، فلم يكن الأمر محل جدل بينهم، فهم يلتزمون بهذا الإعلان، الذي تلتزم به دار الإفتاء المصرية، حتى بعد عام الأزمة، عندما أعلن المفتي المصري في بيانه أن الغد هو المتمم لشهر شعبان امتثالا للإعلان السعودي، وكنت قد استغرقت في النوم، عندما تم إيقاظي بقوة لكي أستعد للسحور، لأن دار الإفتاء عدلت عن رأيها بعد منتصف الليل، وأقرت أن الغد هو بداية الشهر الفضيل، بناء على الإعلان السعودي الجديد!

ولم يصل هذا العدول لكل الناس، وقد قدمت الصحف استعراضا لهذا الارتباك الذي حدث، لدرجة أن كثيرين في مكاتب العمل كانوا مفطرين، فبعد مرور كل هذه الساعات لم يصلهم نبأ الإعلان السعودي الجديد. ومما قرأته وعلق في ذاكرتي حتى الآن، أنه في أحد المصالح الحكومية، وبينما كان أحد الموظفين يدخن، استنكرت عليه زميلته ذلك بقولها له: إذا ابتليتم فاستتروا!

عشرية طنطاوي:

وظلت مصر ترى أن تحديد الشهور القمرية، وبداية شهري رمضان وشوال، اختصاصا أصيلا للسعودية، والانقلاب الذي حدث كان عندما تولى الشيخ محمد سيد طنطاوي منصب مفتي الديار (1986-1996)، حيث اعتمد الحسابات الفلكية، وخرج على القاعدة الفقهية المعتمدة والمستقرة لدار الإفتاء بأن مصر تأخذ برؤية أي بلد يشترك مع مصر في جزء من الليل ، وهي قاعدة اختزلت عمليا في أن أي بلد تعني بلدا واحدا هو المملكة، على أساس أن دولا عربية أخرى كان لها رأي مخالف في هذا العام أو ذاك ولم تُفعل بشأنها هذه القاعدة، ربما للثقة المطلقة في دقة أهل الذكر في السعودية، فإن وقع خطأ في هذا العام أو ذاك فهو بعد اجتهاد وتدبر!

وقد سبق لي أن كتبت عن جدوى وجود مرصد مصري، ورأيه استشاري، ليظل القول الفصل للإعلان السعودي، والذي لا يتدارس الأمر مع دار الإفتاء المصرية، ولا يتبادل معها أخبار الرؤية بين ما أعلن عندهم وما أعلنه المرصد المصري!

ولم تكن مهمة الشيخ طنطاوي سهلة، لكنه كان يُعرف عنه الخروج على المألوف إذا كان له رأي آخر، كما حدث مع فتوى عدم ربوية الفوائد البنكية. ولدار الإفتاء المصرية فتاوى مضطردة ورأي مستقر بأنها من الربا المحرم، ولطنطاوي نفسه فتوى تمثل استمرارا لهذا الاتجاه في عامه الأول، قبل أن يعدل عنها، ويواجَه بهجوم لم يثنه عن رأيه.

فتوى فوائد البنوك:

وقد أخبرني المستشار سعيد العشماوي، الكاتب والقاضي الراحل، أن ضغوطا حكومية مورست على دار الإفتاء لإصدار هذه الفتوى، بعد أزمة شركات توظيف الأموال، حيث كانت الحكومة تواجه تحديا يتمثل في عزوف كثيرين عن التعامل مع البنوك، لربوية الفائدة، وهم من مثلوا عملاء لهذه الشركات، وقد انقضت السلطة عليها، ورفعت سعر الفائدة في البنوك، لكن المودعين بشركات التوظيف لم يذهبوا للبنوك مع رفع الفائدة، فقد كانت هناك عتبة تحول دون ذلك تتمثل في المانع الديني!

وكان العشماوي قد أصدر حكما قضائيا في نزاع قضائي نظر فيه، بأن فوائد البنوك ليست هي الربا المحرمة، وعليه فقط ضغطت الحكومة على دار الإفتاء بأنها إن لم ترفع هذه المانع فسوف تعتمد "الحكم" وتتبناه وتروج له!

وفي اعتقادي أن المصدر الحكومي الذي أبلغ القاضي العشماوي بذلك، لم يكن دقيقا، فحكم محكمة لا يمثل قيمة لدى الناس، لهدم الاعتقاد المستقر بربوية الفائدة البنكية، فإذا كان غالبية الناس لم يسلّموا بصواب الفتوى الجديدة، فهل يمكن أن يسلموا بمصداقية حكم محكمة، لقاض وإن كتب في الإسلاميات فآراؤه الدينية ليس مسلّما بها؟!

وبدا الشيخ طنطاوي في اعتماد رأي الفلك كما لو كان يُحدث انقلابا على التراث، حيث "الرؤية"، وحيث "الفتوى" الخاصة بالالتزام بأي بلد يشترك مع مصر في جزء من الليل! وكنا لا نتصور شهر رمضان إلا بخاصية "الانتظار"، ننتظر إن كان الغد هو بداية الشهر أم المتمم لشهر شعبان، وأن الغد هو المتمم لشهر رمضان أم هو أول أيام عيد الفطر!

بيد أن مع جدل البداية، فقد بدا الناس متهيئين في الأعوام القادمة على استبعاد عنصر المفاجأة الذي عرف بالشهر الكريم بالضرورة، فقد صار مألوفا أن تكون بدايته ونهايته معروفتين مسبقا!

لكن بتولي الشيخ نصر فريد واصل موقع المفتي (1996- 2002)، عاد الأمر إلى سيرته الأولى حيث العمل بالقاعدة السابقة؛ وأن أي بلد يشترك مع مصر ولو في جزء من الليل تُعتمد رؤيته للهلال، وذلك بعد العام الأول له، ففي هذا العام سار على خطى طنطاوي، والذي كان قد عُين شيخا للأزهر. وقد كان هناك خلاف بين المفتي محمد سيد طنطاوي وشيخ الأزهر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، تصل أصداؤه للناس، وربما للصحف من خلال كلمات الضجر التي تصدر منه مثل قوله إنه يكره سياسة "التكويش"، في دلالة على أن شيخ الأزهر يسيطر على المشهد الديني برمته، بما في ذلك الفتوى. وكان وقار الشيخ جاد يمنعه من الهمز واللمز الذي يمارسه طنطاوي وانفلات لسانه، إلا أنه تصرف بشكل لا تغيب دلالته عن من يتابع الملف!

فإذا كان طنطاوي يريد احتكار الفتوى بحسبانه مفتي الدولة، فقد ترك أمره للشيوخ المعارضين في تحجيمه في إطار وظيفي ضيق، فهو لا يصلح للإفتاء العام، ودوره فقط في تحديد أوائل الشهور، وفي إبداء الرأي في قضايا الاعدامات!

وفي الرد العملي عليه، وتأكيد أن الإفتاء من وظيفة الأزهر أيضا، قام الشيخ جاد الحق بتنشيط لجنة الفتوى في الأزهر، بتعيين الفقيه المعروف الشيخ عطية صقر رئيسا لها، والذي خطف الأضواء تماما من دار الإفتاء لتكون في حدود الوظيفة مؤسسة تابعة لوزارة العدل، والمفتي هو مجرد وكيل وزارة العدل!

الانقلاب الناعم:

ولا نعرف كيف قاد نصر فريد واصل هذا الانقلاب الناعم على رأي طنطاوي في دار الإفتاء، ولم يبدر من طنطاوي أي رد فعل، وقد كان شيخ الأزهر يهيمن على المشهد الديني، وحصر مهمة المفتي في حدودها بل وأقل من حدودها، فصار شيخ الأزهر هو المفتي الرسمي للدولة؛ تلجأ اليه في الأمور التي تحتاج الى المساندة الدينية فيها، على النحو الذي حدث لدعم موقفها من قانون الخلع!

والبعض يرجح أن هناك خلافا بين طنطاوي وواصل، وهو الرأي السائد في الأوساط المهتمة، وظني أنه لو وُجد خلاف لما تحمل قلب طنطاوي كتمانه بما عرف عنه من عفوية في القول والفعل!

بيد أن فريد واصل رجل أبكم، تأسست قيمته لدى الناس في قلة الكلام، وعدم إبداء رأي في القضايا الخلافية إن لم يطلب منه رسميا، ثم إنه ساير السلفيين بفتوى تحريم التدخين، وساهم سمته العام في تصور أنه مغلوب على أمره، لهذا كله فقد أحياه الرئيس مرسي بعد أن طواه النسيان وأعاده للمشهد بعد موت، فلما رأى الانقلاب العسكري حية تسعى، قال: هذا ربي هذا أكبر، ولم يحفظ جميلا للرجل الذي أخرجه من القمقم، ورد له الاعتبار، وثبت مكانته كعالم مستقل، وكثيرون -قبل هذا الظهور- لم يكونوا يعرفون أحي هو أم ميت!

وعموما، فقد أعاد نصر فريد واصل الأمر كما كان عليه بدون جَلَبة، وبدون إعلان عن أنه مختلف عن طنطاوي، ولم يكن النظام طرفا في هذا كله، سواء اعتُمدت الحسابات الفلكية أو تم الأخذ بالرؤية ومحلها العربية السعودية، فلم يكن قد تم تسيس الهلال، وكلا الموقفين السابقين كانا في عهد مبارك، المقرب من السعودية، والتي لم يقبل الإساءة لها ولو بشطر كلمة، لكن ظل الهلال شأنا دينيا لا يعنيه، رؤية أو فلكا!

وكذلك الحال كان في العهود السابقة، فقد اعتُمدت فتوى كل بلد يشترك مع مصر ولو في جزء من الليل، واستمرت حتى في فترة عداء عبد الناصر للمملكة وفي قطيعة السادات معها، فما للسياسة في حدود السياسة وما يخص الدين على حاله!

وفي ظني أن التسيس لم يبدأ سوى هذا العام، وكثير من التصرفات الصغيرة يمكن للمرء أن يحكم بمقتضاها على أن هناك فتورا في العلاقات بين النظامين، قبل أن يجتمع رأس النظام المصري بولي العهد السعودي، في لقاء يبدو ذرا للرماد في العيون، لكن هذا لا ينفي أن العلاقة ليست على ما يرام، فهل كان جزءا من الحديث عن فشل الدراما راجعا لهذا الفتور، وفي ظل التهديد السعودي على لسان عمرو أديب بأنه يمكن لإدارة الترفيه الراعي للدراما المصرية أن تنسحب من الرعاية إن استمر هذا الهجوم؟!

تبدو المشكلة إذا دخلت المكايدة السياسية على الخط، والحديث عن الاستقلال والتبعية في شأن كهذا، فالتبعية يمكن أن تحدث إذا تم دفع ثمنها، وقديما قال الجنرال: تريد أن تتدخل في قرار هذا البلد؟.. ادفع مئة مليار
لقد تمت مخالفة المستقَر عليه من قبل ومن بعد عشرية محمد سيد طنطاوي مع هتاف لاستقلال القرار المصري، ونزاهة مفتي البلاد، واستقامة الرأي المصري، وهو أمر جديد على الموضوعات الدينية، على نحو يوحي بأنها رسالة دينية، أكثر منها انحيازا لأمور أخرى. وفي عشرية طنطاوي لم يجد أحد نفسه مدفوعا للحديث عن الاستقلال الوطني، على عكس الحاصل الآن!

والأمر لا يحتمل هذه العصبية، وكل يؤخذ منه ويرد، والأمر ليس خلافا بين العلم الحديث والتقليد، ومن هو الأصدق في تحديد أوائل الشهور، فحتى الحسابات الفلكية هنا ليست مستقرة، فهناك حالة توحم على أي شيء يبدو مسكونا بالكرامة الوطنية والاستقلال الوطني.

وقبل سنوات شاهدت حلقة في برنامج "الاتجاه المعاكس" كان ضيفاها مسؤولين عن الحسابات الفلكية، وحدث بينهما خلاف كبير في تحديد أوائل الشهور القمرية.

ومركز الفلك الدولي قال إن العيد الاثنين بينما المعهد المصري للبحوث الفلكية ووكالة ناسا قالا بأن العيد يوم الأحد، ولا معنى لأن ينبعث أشقاها (خالد منتصر) فيبكي على إهدار قيمة العلم، وكأنه أحمد زويل، وكأنه أثبت كرامة في مجال الطب بحسبانه في الأصل طبيبا.

همز وغمز ساويرس:

وليس الأمر بحاجة إلى لمز وغمز ساويرس وويل لكل هُمزة لُمزة، عندما يقول إنه يحلم بتوحيد يوم عيد الفطر، ما لم يقدم الحلم بتوحيد احتفالات الكنائس المختلفة بعيد الميلاد المجيد، والخلاف ليس بين يومين بل بينهما ثلاثة عشر يوما، فالصحيح أن الخلاف يدور حول أربعة أيام: يوم 7 كانون الثاني/ يناير حيث عيد الميلاد عند الأقباط والروم الأحباش، ويوم 6 كانون الثاني/ يناير لدى الأرمن والأرثوذكس، وأرمن أورشليم يوم 19 كانون الثاني/ يناير، بينما تحتفل الكنائس الغربية يوم 25 كانون الثاني/ يناير!

ولا تجد الكنيسة المصرية حرجا في القول إن خلافها بسبب إشكاليات بين التقويم الغريغوري والتقويم القبطي، حيث تعتمد هي الأخير.

ويبدو -بالتالي- الاستقرار على رأي واحد أمرا صعبا، فلم تعلن كل من مصر والسعودية أنها أخذت بالرأي العلمي، فقد تم الأخذ بالرؤية، ومع ذلك حدث الخلاف، والرؤية لا تعتمد العين المجردة، ولكنها تستخدم وسائط العلم الحديث.. وحسابات الفلك -كما رأينا- لها رأيان، تماما كما يحدث الخلاف بين الكنائس المختلفة ليصل الى أربعة أيام، والفاصل الزمني بين الأول والأخير يقترب من الشهر.. فمتى ولد السيد المسيح؟!

وتبدو المشكلة إذا دخلت المكايدة السياسية على الخط، والحديث عن الاستقلال والتبعية في شأن كهذا، فالتبعية يمكن أن تحدث إذا تم دفع ثمنها، وقديما قال الجنرال: تريد أن تتدخل في قرار هذا البلد؟.. ادفع مئة مليار... لم يحدد إن كانت جنيها أم ريالا!

فماذا هناك؟!

x.com/selimazouz1

مقالات مشابهة

  • ما الذي يجعل الإحتفاء بذكرى فض الإعتصام لا يقبل الحياد والصمت على (..)
  • شاهد بالفيديو.. قائد الهلال “الغربال” يحكي قصة اللحظات الصعبة التي عاشوها في الساعات الأولى من الحرب بالخرطوم
  • ضبط طرود بمبالغ ضخمة من العملة القديمة في السوق العربي الخرطوم
  • اكتشاف مقبرة تعود لـ 3,200 عام تضم رفات أحد قادة النخبة العسكرية المصرية القديمة
  • مناوي يكشف عن رؤيته للقوات التي تقاتل مع الجيش بعد انتهاء الحرب
  • عيد الفطر في مصر عبر العصور.. منذ الفتح الإسلامي حتى اليوم
  • زي سباحة باميلا أندرسون الأيقوني.. هكذا تغيرت ملابس البحر عبر العصور
  • ضفدع أدورانا.. أعجوبة الخلق الذي لا يمرض ويحتاجه البشر للعلاج
  • كارثة إنسانية غير مسبوقة.. تقرير يرصد الدمار الذي خلفته الحرب في العاصمة السودانية
  • الهلال بين السياسة والدين!