تقريب العوالم من خلال الشعر: تى. إس. إليوت ومحمود درويش
تاريخ النشر: 21st, July 2024 GMT
فى عالم الشعر الحديث، يقف تى. إس. إليوت ومحمود درويش كمبدعين اختلفا فى المنشأ واللغة والاسلوب واشتركا فى الفرادة والعمق والابداع.
وُلد توماس ستيرنز إليوت (1888-1965) فى سانت لويس، ميزورى، وانتقل لاحقًا إلى إنجلترا، حيث أصبح مواطنًا بريطانيًا فى عام 1927. تركت الأحداث العاصفة فى أوائل القرن العشرين، بما فى ذلك فظائع الحرب العالمية الأولى أثرًا عميقًا فى شعر إليوت، كما نجد فى «الأرض الخراب» و«الرجال الجوّف».
تجمع قصيدة «الأرض الخراب» بين الأصوات التاريخية والإشارات، مستكشفة مواضيع الانحلال والخراب الروحى والبحث عن المعنى فى عالم موسوم بتفكّك الروابط بين البشر وتشظى القيم والاتجاهات.
على هذه الطريقة ينتهى العالم
ليس بصيحة مدوّية
وإنما بالنشيج والأنين.
وفى «أغنية حب ج. ألفريد بروفروك» يتناول إليوت الحالة النفسية لشخصية بروفروك، معبرًا عن مواضيع الاغتراب والتردد والشلل فى الحياة الحديثة.
أتواتينى الجرأة
على إزعاج الكون؟
إن لحظةً واحدة لتتسع
لقرارات ومراجعات تبطلها لحظةٌ أخرى.
لأنى قد عرفتها جميعًا، نعم عرفتها —
عرفت المساءات، والصباحات، والظهيرات،
وقست ساعات حياتى بملعقة القهوة.
ولد محمود درويش (2008 – 1941) فى قرية البروة فى فلسطين، وشهد النزوح والمنفى خلال حرب عام 1948، ما أثر بشكل عميق على رؤيته الشعرية. أصبح درويش رمزًا للهوية الوطنية الفلسطينية، باستخدام شعره لاستكشاف مواضيع الوطن، النزوح، المقاومة، وسعى العدالة. تتداخل أعماله، مثل «جداريّة» و»لاعب النرد»، بين الحزن الشخصى والحزن الجماعى، مستخدمًا الاستعارة والرمزية لإحياء شعور عميق بالفقدان والحنين.
أَنا لاعب النَرْدِ،
أَربح حينًا وأَخسر حينًا...
وُلدتُ إلى جانب البئرِ
والشجراتِ الثلاثِ الوحيدات كالراهباتْ
وُلدتُ بلا زَفّةٍ وبلا قابلةْ
وسُمِّيتُ باسمى مُصَادَفَةً
ويقول فى قصيدة «جدارية»:
سأحلم، لا لأصلح أى معنى خارجى.
بل كى أرمم داخلى المهجور.
أمّا إليوت فيستخدم لغة مجردة فى كثير من الأحيان لنقل المشاعر والمواضيع المعقدة حيث تكون غاية كل نهاية الوصول إلى نقطة البدء:
لن نتوقف عن الاستكشاف،
وسيكون نهاية كل استكشافاتنا
أن نصل إلى حيث بدأنا
ونعرف المكان لأول مرة.
على الرغم من اختلاف خلفياتهما الثقافية والتاريخية، يتشارك ت. إس. إليوت ومحمود درويش فى القدرة على تجسيد تعقيدات التجربة البشرية من خلال شعرهما. يعكس استكشاف إليوت للحداثة والروحانية معاناة درويش العاطفية فى المنفى والوطن وروح المقاومة. ورغم اختلافاتهما، يستخدم كلا الشاعرين الرمزية الغنية والإشارة، ما يخلق أعمالًا تستمر فى إلهام وتحدى القراء حول العالم، وإثبات تلك القوة الخالدة للشعر فى التعبير عن القضايا الإنسانية بكل تعقيداتها.
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: الحرب العالمية الأولى
إقرأ أيضاً:
ذكريات من "السيرك"
لم أكن يوما ممن تستهويهم متعة مشاهدة عروض فقرات "الحيوانات المفترسة" فى السيرك، ولا أى عروض من هذا النوع، ولكن استهواني شغفي المهني فى بدايات رحلتى فى عالم الصحافة، لمعرفة كواليس عالم السيرك، فقررت الدخول من الأبواب الخلفية لهذا المبني المقام على كورنيش النيل بمنطقة العجوزة، والذى نشاهده جميعا فى الذهاب والإياب لمنطقة وسط البلد.
بدأت فى البحث عن رقم للتواصل مع مدربة الأسود الأشهر "محاسن الحلو" وقتها لم نكن نعرف الهاتف الجوال "الموبايل" وكنا كصحفيين نلهث وراء المصدر نطلبه فى المكتب فلا نجده، ثم نطلبه فى المنزل فلا يكون متواجدا أيضا، أو يكون الوقت غير مناسب، وهكذا نستمر فى رحلة التواصل تليفونيا مع المصدر لتحديد موعد للمقابلة، وفى ذلك الموضوع لى قصة شهيرة مع الدكتور أحمد عكاشة أستاذ الطب النفسي والعالم الكبير سأرويها فى مقام آخر.
من خلال الاتصال بدليل التليفونات كنا نحصل على أرقام المؤسسات، وكان هناك كتيب كبير فى معظم البيوت يضم أرقام كل من يملك خط تليفون فى منزله، طلبت رقم السيرك القومي بالعجوزة، ثم طلبت التحدث إلى السيدة محاسن الحلو وبعد محاولات عدة ومن خلال تحويل المكالمة من شخص لآخر، تمكنت من محادثة السيدة التى تجلس دائما بين أقفاص الأسود التى تتولى تدريبها، واتفقت معها على زيارتها لعمل موضوع صحفى عن كواليس عالم السيرك.
فى الموعد المحدد وكان صباحا اتفقت مع زميلى المصور وتوجهنا إلى هناك، وعندما وصلنا اصطحبنا أحد العمال إلى غرفة في الفناء الخلفي للسيرك كانت تجلس فيها المدربة على حافة سرير وتطعم أسدا صغيرا وضعته على رجلها، فلما لاحظت قلقنا من الدخول، قالت "تعالوا متخافوش دا أسد لسه صغير وأنا اللى مربياه" تحدثت معها قليلا ثم اصطحبتني لجولة بين أقفاص الحيوانات المفترسة، شرحت فيها طرق الترويض ومعاملة الحيوان وحتى علاجه وطريقة إطعامه والتى تتم تحت إشراف أطباء بيطريين.
ما زلت أتذكر بعض الروائح المنبعثة من مخلفات هذه الحيوانات المفترسة، وتساءلت وقتها عن المتعة التى يستشعرها المدرب وهو يتعامل فى وضع بهذه الخطورة، وما هو الترفيه الذى ينشده الجمهور فى مشاهدة هذه العروض؟ تذكرت كل ذلك وأنا أتابع الحادث الذى وقع منذ أيام من هجوم نمر والتهامه ذراع أحد مساعدي المدرب أثناء عرض للسيرك بمدينة طنطا، وهو الحادث الذى أحدث ردود فعل واسعة على المستويين الرسمي والشعبي، حيث أعلن محافظ الغربية خلال زيارته للمصاب، عن منحه دعما ماليا فوريا ووظيفة جديدة وتوفير أفضل رعاية طبية بالتنسيق مع جامعة طنطا.
وطالب أعضاء بمجلس النواب بضرورة حظر استخدام الحيوانات المفترسة فى فقرات السيرك، وتفعيل قانون حيازة الحيوانات الخطرة الذى وافق عليه مجلس النواب قبل عامين تقريبا.
الحيوانات ملك شخصي للمدربين، والسيرك الذي أقيم في طنطا لشركة خاصة حصلت على تصريح بعد استيفاء الاشتراطات اللازمة، هذا ما أكده مدير السيرك القومي فى تصريحات صحفية، أن اشتراطات الأمان الموجودة فى السيرك القومي لم تتوافر فى هذا السيرك الذى تم نصبه بينما أسياخ القفص واسعة وسمحت بالتهام النمر لذراع العامل، الذى يتقاضى مكافأة يومية لا تزيد على مائتي جنيه، كما أفتقد المكان لمعظم وسائل الأمان، وترك الأمر للاجتهاد الشخصي ولنا فيما حدث خير شاهد.
ليتنا نمنع فقرات عروض الحيوانات المفترسة حتى لا نصدم كل فترة بحادث مفجع جديد.