جريدة الرؤية العمانية:
2025-04-03@09:20:01 GMT

غاب زمانًا يسيرًا.. وعاد بالأسرار

تاريخ النشر: 20th, July 2024 GMT

غاب زمانًا يسيرًا.. وعاد بالأسرار

 

 

د. قاسم بن محمد الصالحي

إنَّ عفوية الحضور المفاجئ للذاكرة أثناء الكتابة، تجرُّني إلى مشاهد لم تكن في البال عند بدء الكتابة، لكنها تطفر فجأة، وكثيرًا ما تأخذني الى مسار مغاير بسبب هذا الحضور المفاجئ، تعيدني لاكتشاف القضية التي طرحتها وما زالت، تجعلني أعيد ترتيب الأوراق.. الغريب أن الذاكرة أحيانا ما تتعامل مع الأحداث، بطريقة تأخذ الحدث وتضعه في مكان وزمان غير الزمان والمكان، دائمًا ما تحتفظ لي ذاكرتي الأسى والحزن مما قرأت وشاهدت، فتعود بي ذاكرتي إلى أحداث السابع من أكتوبر 2023م، لا أريد أن أتحدث في هذه اللحظة عن المعاناة، ولا عن جريمة الإبادة الجارية في غزة، ولا عن تداعيات ما بعد ذلك.

. أعود، لتستقبلني أنباء الهدهد الذي كشف عورة الكيان الغاصب، وبين هشاشة منظومته الأمنية والعسكرية، طار عقلي لمعرفة الأنباء، أعلم أن أطفال غزة يبادون، نساؤها ثكالى، ويواري رجالها دموعهم عن الأنظار، لأن أغلب أطفال غزة أشلاء، يوضعون في أكفان بيضاء، يدفنون في مقابر جماعية.

لا أريد أن أتحدث عن الحرب الظالمة، لكنَّ عودة الهدهد أيقظت ذاكرتي، أنظر إلى صور، إحداثيات، ومواقع حصون وقلاع الكيان الأمنية والعسكرية، يفندها الهدهد ويصف تحصيناتها، بوضوح تام، أخذني وصفه الدقيق لأسطورة بعد الكيان الأمني والعسكري، ثم يعيدني إلى ما أنتجته الشهور الماضية، التي ظلت ولا تزال المقاومة تطاحن العدو فيها. أخبرنا الهدهد أنه قد عاد بالخبر اليقين، وأنه كشف وَهَن هذا الكيان المنفوخ بخواء أمني وعسكري.. درسٌ يلقيه الهدهد علينا، يلقي الحجة والبرهان، بالتحديد على كل من يظن أن هذا الورم الخبيث لا يمكن استئصاله، لا يعرف بعده وقوة تأثيره على خلايا المناعة والمقاومة، دفع الهدهد كل شُبهة، بادر بتوضيح طهارة ونزاهة المقاومة صاحبة الحق والقضية، أزال كلَّ الشُّبَهِ التى ألصقها به كل مشكك وحاقد في قدرات المقاومين، بدقةٌ ما رأى الهدهد، دقة وصفه، دقة طرحه، دقة ملاحظته، دقة رسمه للصورة كما هي دون زيادة أو نقصان، قد سَرَدَ كلَّ شيء، وطرح كل شيء، بشكل موجز ومختصر، دون أن يُسهبَ أو يُطيل، دون أن ينسى شيئًا، أو يغفل عن شيء أو يترك شيئًا.. درس لمن يرفع من شأن أمر هذا العضو الغريب المزروع في جسد الأمة أو يدلي بشهادة دون أن يأتيَ بخبر يقين عنه، أو يأتي بالتافه ويغفل عن الأساس، يقدم الهين وينسى الأهم، أو يذكر الجزء وينسى الكل. وإنما وَضَع الهدهد الأمر كما هو بتفاصيله وبفروعه وأجزائه، كما قدم أصل القضية؛ ورأس الأمر وزُبْدَةَ وحدة ساحات المقاومة.

عدتُ أنا أيضًا بذاكرتي، استعدتُ يقين نصر أصحاب الحق بعقلي، قلت: أليس ما أتى به الهدهد مقدمات هذا النصر؟ حين كُنت أرى جيش العدو الغاصب يفرُّ مذعورا خارج مدرعاته المحصنة، منسحبًا يجر أذيال الخيبة والخيال من ضربات أبطال القسام ورجال المقاومة في غزة، يبلغني إحساس جميل، مزيج من نشوة الظفر والفخر. أنا أرى ما أتى به الهدهد، فأجد فيه كل ما قد يدفع بتلك الأحاسيس التي تلامس إيمان القلب بالنصر، تأخذني بقوة نحو الدفء المنبعث من أرجاء أرض فلسطين كل فلسطين.. إنني مازلت ذاك المتابع لبطولات المقاومة وجبهات المساندة لها، أجد في عودة الهدهد أمرا يسرُّني ويسرُّ كل الأحرار . عادت ذاكرتي لتضع ما بها أمامي، بادرت بسكب حبر قلمي فرحًا وفخرًا، تطلعتُ إلى هذا العائد لتوِّه حائمًا فوق أرجاء الأرض، كاشفًا عورة من يحتلها، ويمارس أبشع الجرائم في حق أطفالها، بكيت بكاءً لا أدري أتروي مياهه نبات الأرض التي جرفها الكيان اللقيط أم تحرق نيرانه الأجساد المدفونة فيها.

لا أريد أن أتحدث عن الحرب، بل لا أريد حتى تذكرها. لكنَّ نبأ الهدهد كشف بعدًا أمنيًّا وعسكريًّا، كشف سوأة الكيان صورًا وتحليلًا، ورفع به قوة المقاومة، تفرض شموخها كنخلة باسقة مُصمَّمة لأن تبقى حاضرة بوضوح في المشهد، بألوانها الطبيعية وابعادها الواقعية. رأيتني واقفا أمام هذا الخبر اليقين مُحاطاً بحافز لا مثيل له، كانت فكرة ذكية من المقاومة، لم يصدقها العدو، لم يتوقعها، بدا مذعورًا مذهولًا، لتنطلق نداءات قادته متأخرة منكسرة. لقد قطع الهدهد مسافة البُعد الأمني والعسكري التي كان يتغنَّى بها الكيان الصهيوني ومن سانده، حين أفاق من الصمم الذي طمس سمعه، وانفتحت عينه مباشرة صوب صور الهدهد التي كشفت فشله ووهنه، فتبادل قادته النظر إلى ما التقطه الهدهد من صور وارقام، أظهرته عاريًا منكشفا، ظل قادة العدو ووسائل إعلامه في طرح الأسئلة ولا تزال، ثم يعودون للهمس في آذان بعضهم: ماذا أراد حزب الله بهذا؟ لقد كشف الغطاء، لم يستسغ الكيان الغاصب معلومات الهدهد الاستخبارية المملوءة غصصًا كمًّا وكيفًا، ولم يقدر على ابتلاع الأول حتى  استقبل الثاني، وسينقطع نفسه بالهدهد الثالث. لقد أبى الهدهد إلا أن يعيد ذاكرتي إلى 7 أكتوبر 2023م، مضت تسعة أشهر على الحرب الغاشمة على غزة، ولا يزال قلمي عاجزاً عن تركيب العبارات، فقط بعض الكلمات المتزاحمة، لكني كُنت ولا أزل أتكلم عن قضية لها قدسيتها، فيرتفع صوتي بقوة متجاوزًا جدران الصمت، ليسمعه المستيقظ والمنتبه.. لا، صوتي لم يرتفع إلا حين يرتفع صوت المقاومة، سيأتينا الهدهد بخبر ينقطع فيه دابر هذا الكيان اللقيط، وترتجُّ به جدرانه من هوله، وليس ذلك ببعيد.

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

هل باتت القدس أبعد؟

 

 

– مع كل احتفال سنوي لإحياء يوم القدس كنا نقيس المدى الذي يفصلنا عن القدس ونقول إنها باتت أقرب، ونحن نشهد تنامي قوة المقاومة في لبنان وفلسطين، خصوصاً بعد ظهور محور المقاومة إلى حيّز الوجود، وتحوله إلى محور حقيقي، ظهرت ملامح تبلوره كجبهة مقاتلة موحّدة بعد طوفان الأقصى. وها نحن اليوم مع الإحياء السنوي ليوم القدس نجد السؤال يطرق أبوابنا، وقد حوصرت المقاومة في العراق حتى أقفلت الإسناد واضطرت للبحث عن كيفية حماية حضورها من الحصار، بينما المقاومة في لبنان قد أصيبت بجراحات بالغة خسرت معها كثيراً من كبار قادتها، وعلى رأسهم قائد محور المقاومة السيد حسن نصرالله، الذي أتاح اغتياله لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أن يقول إن المحور انتهى باغتيال السيد نصرالله، وصولاً إلى سقوط سورية من موقعها في محور المقاومة وخياراتها، وإقفالها كقاعدة لقوى المقاومة وإغلاق مسارات الإمداد التي كانت تمثلها لهذه القوى، فهل يجب أن نستنتج أن القدس باتت أبعد ونحن نرى غزة تواجه حرب الإبادة منفردة، لولا يمن عزيز بقي وحيداً يساندها.
– بالعودة إلى عناصر قرب القدس وبُعدها ثمة معياران يشكل اجتماعهما مصدر الجواب، الأول هو درجة حضورها كقضية ساخنة تُلهب المشاعر وتستنهض الهمم في وجدان شعوب الأمتين العربية والإسلامية، والثاني هو درجة تأثير كل عناصر القوة التي تمثلها المقاومة في بنية كيان الاحتلال وجيشه وجبهته الداخليّة، ودرجة بلوغ هذا التأثير الحد الذي يجعل المأزق الوجودي أشدّ عمقاً وحضوراً. وكي نستطيع فهم المشهد بعقل بارد، لأن المشاعر الحارة تفسد هنا القدرة على الملاحظة والاستنتاج، بحجم الخسائر التي لحقت بقوى المقاومة ودرجة حرارتها الحارقة للقلوب والمشاعر، لأن هذه الحرب بما تمثل من تصادم وارتطام كبير لقوّتين متعاكستي الاتجاه بكل القوة والسرعة، تركت خراباً على ضفتي التصادم، وإذا كنا نلاحظ ونستشعر ما حلّ بالضفة التي نقف عليها، فما يهمّ هو رؤية ما لحق بالضفة المقابلة؟
– إذا كانت القدس ترمز في ما ترمز للقضية الفلسطينية، فإن الأعداء أنفسهم لا ينكرون أن ما جرى خلال عام ونصف نقل القضية الفلسطينية إلى مرتبة ومكانة ما كانتا لها في يوم من الأيام، وقد صارت استحقاقاً سياسياً وأخلاقياً ودبلوماسياً واستراتيجياً لا مفرّ منه بالنسبة لكل دول العالم وشعوبه وحكومات المنطقة وشعوبها. وبالتوازي فإن شعور شعوب العرب والمسلمين بالتقصير والخزي بسببه مع فقدان الثقة بأن تفعل الحكومات شيئاً زاد من تطلّع الشعوب نحو قوى المقاومة، ولعل أبرز مثال على ذلك هو مقارنة مكانة اليمن في عيون العرب قبل الطوفان وجبهات الإسناد وبعدهما، وقد صار اليمن قدوة الجميع في الحديث عن الشرف والنخوة والشهامة ومقياس العروبة والتقيّد بأحكام الإسلام. وفي الجواب على السؤال من هذه الزاوية، فإن القدس باتت أقرب بكثير مما كانت عليه من قبل، وأن يوم القدس صاحب أفضل في مراكمة الوعي وشحن الذاكرة لإبقاء القدس حاضرة عصيّة على النسيان.
– في حال كيان الاحتلال، رغم صخب الحرب ومظاهر القوة التي يُبديها قادة الكيان إلى حد التوحّش، ومن خلفهم كل القدرات الأميركية العسكرية والسياسية والمالية والدبلوماسية، فإن النظر إلى المشهد داخل الكيان، ومتابعة خطابات قادته، يكشف لنا بوضوح أن الحديث يجري عن كيفية تفادي خطر الحرب الأهلية، وعن وجود أكثر من “إسرائيل” يجب أن تضمحل إحداهما كي تبقى الأخرى على قيد الحياة، وأن الفشل في التخلص من حركات المقاومة، يجعل المأزق الوجودي حاضراً بقوة، بدليل رفض نازحي مستوطنات الشمال والجنوب العودة إلى مستوطناتهم، بينما رفض الانضمام إلى الخدمة العسكرية يتسع بصورة تصيب القادة بالذهول، والهجرة المعاكسة من الكيان بلغت أرقاماً قياسية مع التحفظ على العودة، ولا أحد يجرؤ من القادة العسكريين على التحدث عن كفاءة القوات البرّية للفوز في جبهات لبنان وغزة، ولا عن كفاءة القبّة الحديدية أمام صواريخ اليمن وطائراته المسيّرة، وأمام أي احتمال للعودة إلى المنازلة مع المقاومة في لبنان، وفرضيّة الحرب مع إيران.
– تستمرّ الحرب أساساً لأن إقفالها يعني تكريس الفشل الاستراتيجي لمشروع اسمه “إسرائيل”، ولذلك يجهد قادة الكيان ومن خلفهم الغرب كله كي تنتهي بصورة تتيح للكيان الاحتفال بصورة نصر يتفادى بها كتعويذة بقاء خطر التفكك، لكن الحرب لم تنته بعد ولا يبدو في الأفق أن الكيان يستطيع الحصول على التعويذة المنشودة لإنهائها، وعندما يضطر لإنهاء الحرب بغير شروط تتيح الحصول على تعويذة البقاء بمزاعم النصر، سوف نكتشف كم جعلتنا هذه المتغيّرات، رغم الجراحات وآلامها، أقرب إلى القدس.

* رئيس تحرير صحيفة البناء اللبنانية

مقالات مشابهة

  • إيران تدين جرائم الكيان: آليات الامم المتحدة فشلت في مواجهتها
  • هيئات أردنية تندد باستهداف مناهضي التطبيع وتدعو لمقاطعة المتعاملين مع الكيان الصهيوني
  • اكتشاف مضاد حيوي جديد قادر على التصدي للبكتيريا المقاومة للأدوية
  • غزة بين نار الإبادة والفوضى: الاحتلال يراهن على كسر إرادة الصامدين
  • حرب داخل حرب
  • غزة وصنعاء تنتصران
  • الكيان لمستوطنيه: الملاجئ خيارنا الوحيد أمام صواريخ اليمن (فيديو)
  • المقاومة تدمر دبابة “إسرائيلية” شرق خان يونس
  • هل باتت القدس أبعد؟
  • من أوكرانيا إلى فلسطين.. العدالة التي تغيب تحت عباءة السياسة العربية