ترجمات.. هرمن هيسه متمردًا.. وثائرًا.. عاشقًا للطبيعة فى روايته الأولى «بيتر كامينتسند»
تاريخ النشر: 8th, August 2023 GMT
هرمن هيسه.. أحد أبرز روائيى القرن العشرين، وواحد من أهم الأدباء الألمان منذ عصر النهضة. ونتيجة التحولات التي شهدها مطلع القرن العشرين حيث عايش الحربين العالميتين الأولى والثانية وبطش النازية في أوروبا، هرب هيسه إلى ذاته الداخلية أكثر، حيث غاص الروائى والشاعر والرسام هيسه في أعماق النفس البشريّة باحثًا عن «الوحدة الكونيّة الأولى».
أخبار متعلقة
ترجمات .. الكاتبة اليونانية «جولى هيل» تستعيد ذكرياتها فى كتاب «فى شمس الأصيل.. إسكندريتى»
ترجمات.. العاشق الصوفى «لويس ماسينيون».. وإعادة اكتشاف شخصية شهيد التصوف «الحلاج»
ترجمات.. بمناسبة رحيله.. محررة «لوموند» الفرنسية تصدر كتابًا عن «السيرة غير المعروفة لميلان كونديرا»
أصدر هيسه 12 ديوانًا شعريًا وقد وصفه توماس مان بـ«عندليب يبدع من لغتنا صورًا من أصفى الملامح وأرقّها». حصل على جائزة نوبل في الأدب لسنة 1946، «لإبداعه الشعرى الموحى، الذي يمثل تطورا جريئا وعميقا للمثل الإنسانية العليا الكلاسيكية، فضلا عن الفن العالى الذي تقدمه أعماله».. ومن أشهر رواياته: «لعبة الكريات الزجاجية» و«ذئب السهوب» و«سيدهارتا» و«داميان» و«رحلة إلى الشرق» وغيرها من الأعمال الروائية العظيمة. ترجمت إلى حوالى 60 لغة. يعتبر هيسه من أكثر الكتاب الألمان ترجمة إلى اللغة العربية، من هذه الأعمال رواية بيتر كامينتسند وهى الرواية الأولى لـهرمان هيسه، صدرت الطبعة الأولى 1968عن وزارة الثقافة المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر. والطبعة الثانية 2011 صدرت عن الهيئة العامة للكتاب، في سلسلة الجوائز.
قام بترجمة رواية بيتر كامينتسند.. شيخ المترجمين عميد الدراسات الجرمانية في العالم العربى الدكتور مصطفى ماهر (1936 -2021)، فهو الذي أسس أول قسم للدراسات الألمانية في العالم العربى، حيث أسّس قسم اللغة الألمانية بكلية الألسن جامعة عين شمس، وترأسه عشرين عاما، فاستحقَّ ألقابًا عديدة، أشهرها: «عميد الدراسات الجرمانية»، و«أبوالألمانية». وهو أيضا شيخ مترجمى الألمانية، وأول من نقل عيون الأدب الألمانى إلى العربية مباشرة، ولم تقتصر جهود الدكتور ماهر على التأسيس والتعليم والترجمة من الألمانية إلى العربية (نحو ستين عملًا)، بل نقل إلى الألمانية نحو أربعين عملًا من الأدب والفكر العربى. ترجم العديد من الأَعمَال الأدبيَة والفلسفية من وإلى العربية والفرنسية والألمانية، ومنها مسرحيات وروايات من الأدب الألمانى والأدب الفرنسى، وَترجم القرآن الكريم كاملًا إلى الألمانية وهى الترجمة الوحيدة المعتمدة من المجلس الأعلى للشؤون الإسلاميَّة بمصر، صدرت الطبعة الثانيَّة مِنهَا عام 2007.
هيرمان هيسه.. هو كاتب سويسرى من أصل ألمانى ولد في 2 يوليو 1877 ببلدة صغيرة اسمها «كلف» على نهر الناجولد في ألمانيا، وتوفى في مونتانيولا تيسن عام 9 أغسطس 1962، كان والده مبشرًا، نشطًا في التبشير في الهند خاصة، فلما اعتلت صحته عاد من الهند إلى ألمانيا وتزوج بأرملة كان أبوها يحترف التبشير هو أيضا، عاشا معا في جو قاس من التدين المفرط، في هذا الجو خرج هرمن إلى الوجود، وقضى السنوات الأولى من حياته. وكان هرمن بطبيعته متمردًا ثائرًا، فثار كل شىء على أهله وعلى نظام حياتهم، على الجو الدينى القاسى في بيتهم، وعلى الثقافة كلها وعلى الناس. لم تكن سنوات هرمن في المدرسة إلا سنوات تمرد.
ولا شك أن أسلوب هرمن في الحياة، أسلوب الشاعر الفنان الحر، لم يكن بالأسلوب الذي يعجب أهله، وظن الأب أن المشكلة تنتهى إلى حل طيب وهو احتراف مهنة يكسب بها قوت يومه ويقيم على أساسها حياته المستقبلية، وهكذا أصبح ابن الثامنة عشرة موظفًا في مكتبة بـ «توبنجن». وفى عام 1899 أخرج هرمن هيسه كتابه الأول، وهو ديوان من الشعر اسمه «أغنيات رومانسية» لم يلق نجاحًا كبيرًا. ثم أتبع هذا الكتاب كتبًا أخرى منها «ساعة بعد منتصف الليل» وكلها لم تلق إلا القليل من النجاح. وانتقل هرمن من توبنجن إلى بازل بسويسرا، حيث قسم وقته بين العمل وبين التأليف حتى جاء عام 1904، وأخرج درته «بيتر كامينتسند» فجعلت اسمه على كل لسان. وظهرت لهيسه مؤلفات كثيرة بعد ذلك، نذكر منها: تحت العجلة، الدنيا، جيران، طرق ملتوية. ولكها كتب في اتجاه صرخة مدوية من حياته هو التي أطبقت عليها العزلة والكآبة، وفيها حنين إلى وحدة ثقافة لا يجدها فيما حولها. وفى عام 1911 سافر هرمن إلى الهند، وعاش هناك عدة سنوات، تبين بعدها أن المحنة التي يتعرض لها والتى ظن أن الظروف الخارجية هي المسؤولة عنها، محنة سببها في داخل الإنسان. وعاد إلى سويسرا وسكن مدينة برن، وأتم كتابه «ثلاث حكايات من حياة كنولب» 1915، واهتم بالدراسات النفسية وأخرج متأثرًا بها رواية دميان 1919، ثم انتقل بعد ذلك إلى السكن في مونتانيولا بمنطقة تيسين، وأكثر من التأليف ونخص من إنتاجه الضخم في هذه الفترة رواية ذئب البطاح 1927 ونارتسيس وجولدموند 1930.
عكف هيسه في الفترة من عام 1931 إلى عام 1943 على كتابة عمل حياته الرواية الخالدة «لعبة الكريات الزجاجية» التي وصل فيها إلى قمة عبقريته الأسلوبية والتشكيلية والفلسفية. وقد عاصر تأليف وخروج هذه الرواية عصر الظلام في ألمانيا، عصر الهتلرية النازية، الذي انتهى بنهاية الحرب العالمية في عام 1945. وفى عام 1946 نال هرمن هيسه جائزة نوبل. وتوالت عليه الجوائز وألوان التشريف والتكريم. وربما كان آخرها حصوله على لقب مواطن شرفى لمونتانيولا في عام 1962، وفى العام نفسه مات وقد بلغ من العمر الخامسة والثمانين، وبلغ ما قدمه إلى المكتبة الإنسانية نحو 200 رواية وديوان ومئات من المقالات والدراسات.
«بيتر كامينتسند».. رواية تربوية ألمانية تعد أول الأعمال الناجحة لهيسه نُشرت للمرة الأولى في عام 1904. حيث لم ينشر قبلها سوى مجموعتين من القصائد لقيتا استقبالًا سيئًا. في تلك الفترة الرواية أصبحت شعبية جدًا في ألمانيا، وجلبت الشهرة لهيسه، ومكنته من العيش ككاتب، واعتبرها سيجموند فرويد من أفضل الروايات عنده. احتوت الرواية على عدد من المواضيع التي ستظهر في أعماله اللاحقة.
ثقافة ترجمات هرمن هيسه رواية لعبة الكريات الزجاجيةالمصدر: المصري اليوم
كلمات دلالية: زي النهاردة شكاوى المواطنين ثقافة ترجمات زي النهاردة ة الأولى
إقرأ أيضاً:
رواية شمهروش العاشق للروائية عرفات كردويش
أهدتني الروائية عرفات كردويش نسخة من روايتها الأخير هذه "شمهروش العاشق" قبل نيفٍ وشهرين-فيما أظن- كان ذلك وقت صدورها تمامًا، لكني كنت في شغلٍ عنها كل تلك الفترة ،وهي الرواية الثانية لها، بعد روايتها الأولى التي صدرت تحت اسم "رصاصة حيَّة" وفعلًا كانت رصاصة أولى حيِّة لها خرقت بها جُدُر الكتاب ووضعتها في داخل دنيا الرواية، فأصابت الهدف،وأنبأت عن ميلاد روائية جديدة، تعرف كيف تسخر إمكاناتها ، ويبدو جليَّاً أنَّها خطت خطوات واسعة بروايتها الثانية هذه، في مدارج عالم الرواية والقصص، وروايتها هذه تصنف بوضوح في الاتجاه الواقعي، وتعكس واقع الحياة التي نحياها، بإشكالاتها وتعقيداتها، وتحدث كلَّ يومٍ في صقع من أصقاع السودان، وفي مدنه وعواصمه، بفضل الجهل الذي ما زال مغروزًا في سويداء هذه الأمة.
وملخص روايتها أنَّ فتاةً يانعة في ذلك الصقع عشقت فتىً من فتيان حيِّها، وتواعدا على الزواج، لكن ظرف العمل بالجيش أبعد العشيق إلى جنوب كردفان، وأتى أحد أقرباء والدها المغتربين الميسورين فطلبها فوهبها أبوها إياه زوجةً دون شورتها؛ حيث لا تشاور البنات هناك في زواجهن، وفي ليلة دخلتها امتنعت عنه، وكشفت له عن تعلقها بآخر، فرمى عليها الطلاق وسافر إلى حيث أتى، لكنه كان نبيلا لم يعلن الطلاق توًا؛ لئلا تذهب بها الظنون كل مذهب، ومع ذلك بدأ الحديث يسرى بين النساء، وتبدل حالها، فحملتها أمها إلى شيخة زار، لكنها لم تجدِ معها، ثم إلى شيخ يدعى فضل المولى الأرباب، زعم الشيخ أن ملكًا من ملوك الجن يسمى شمهروش عشق فتاتهم، ثم قام الشيخ باغتصابها لمرات عديدة مستعينًا في ذلك بالمخدر، وزعم أنَّه أخرجه، ثم عادت إلى دارها، وبعد تسعة أشهر اشتدَّ عليها ألمٌ في بطنها فحُملت إلى الشيخ، فاكتشفت ممرضة تعمل كحوارية عند الشيخ أنَّها حامل، فأولدتها ، وزعم الشيخ لوالد سلمى أن الذي حمَّلها هو شمهروش، وأنَّ شكل المولود لا يُطاق النظر إليه، وأن شمهروش حمله معه. لم تتشافَ سلمى فاستدعى الشيخ دكتورصديق له، فحملها الدكتور إلى الخرطوم وأسعفها وتعهدها حتى تعافت فدفع بها إلى طبيب آخر نفسي صديق لهما، فصار يضع لها المخدر ويعاشرها لمدةحتى ظهر عشيقها الأول وعرف القصة فحضر إلى المستوصف الخاص الذي ترقد فيه وحملها إلى السلاح الطبي وهناك فاجأهم الطبيب بالحقيقة، لكن الشيخ دبر مكيدة لعشيق سلمى أودعته السجن عدة سنين، تشافت عشيقته وواصلت تعليمها وتخرجت من الجامعة.
في السجن التقى العشيق صلاح بالمدعو طارق عبد العزيز(شختة)، وعرف منه الكثير عمَّا يجري في الملجأ، واستطاعوا التعرف على ابن الشيخ الأرباب من سلمى، فلما خرج من السجن حرك إجراءات إدارية أدت إلى القبض على الدكتور، أما الشيخ فوجد مقتولًا مقطوع العضو بيد أحد الصبيان.
هذه هي الحكاية في تسلسلها الطبيعي الذي يسمى المتن الحكائي وقد فرق الناقد الشكلاني الروسي توماتشفسكي بين المتن الحكائي الذي سردناه ملخصًا، والمبنى الحكائي، قال إن المتن الحكائي هو مجموعة الأحداث المتصلة فيما بينها حسب النظام الطبيعي... أي حسب النظام الزمني والسببي، حيث التتابع المنطقي للأحداث في الواقع الافتراضي، بمعنى آخر الحدث الأول تسبب في ظهور الحدث الثاني والحدث الثاني تسبب في الثالث وهكذا ،إذن التسلسل المنطقي للأحداث كما هي في الواقع نسميه المتن الحكائي في مقابل المبنى الحكائي، المبنى الحكائي يتكون من نفس الأحداث لكن بترتيب خاص للكاتب، يعني أن الأحداث المرتبة ترتيبًا منطقيًا متسلسلًا في المتن الحكائي، يقوم الكاتب بأخذها ثم يرتبها بشكل خاص وهذا الشكل ليس له علاقة بالتسلسل المنطقي لها في الواقع، فالكاتب يقدم ويؤخر، يحذف ويضيف، ويمكن للكاتب أن يبدأ من نهاية الأحداث ثم يرجع للبداية، ويمكن أن يبدأ من الوسط، هنا المتن الحكائي يختلف عن المبنى الحكائي، إذ تبدأ الرواية من المنتصف، والشيخ يلهب ظهر الفتاة بسوطه، هذا هو المبنى الحكائي للرواية.وكان قمة الروعة حيث تلاعبت فيه الكاتبة بعنصر الزمن والأحداث تقديمًا وتأخيرًا، وشدَّني استخدامها لتقنية الفلاش باك، فقد بدأت روايتها والبطلة سلمى عند الشيخ الأرباب يعالج فيها، وبعد فصول عرفنا بداية قصة حبها لعشيقها، ثم زواجها من آخر.
ويمكن تصنيف ذلك أيضًا، وفق النظرية السردية البنيوية التي قسمت حبكة النص السردي لثلاثة أنواع: حبكة تقليدية أو مثالية: وهي الحبكة التي لها بداية ووسط ونهاية، حبكة عكسية ويمكن أن نسميها السرد الانعكاسي، أو السرد الاسترجاعي : يعني أن النص السردي يبدأ من نهاية الأحداث، ثم بواسطة الفلاش باك يعود إلى البداية، النوع الثالث من الحبكة تسمى انطلاق من وسط المتن، فتبدأ من منتصف الأحداث، من الذروة، ثم يتحرك الكاتب كما يحب، وهذا هو النوع الذي استخدمته الكاتبة وهو يحتاج إلى براعة، وفقت فيه الكاتبة أيَّما توفيق.
وقد بدأت روايتها بمشهد لشيخ الأرباب يرقى إحدى الفتيات اليافعات ، وهي سلمى بطلة الرواية، وقد أرعبت عبارتها القارئ، إذ حملته لداخل الغرفة التي تجري فيها الرقية، وأول ما يلحظه القارئ تأثير المكان على الشخصيات والأحداث، فالقرية التي جرت فيها أحداث القصة، قرية نائية من قرى السودان، يضعف فيها التعليم وتنتشر فيها الخرافة والجهل والدجل والشعوذة، ومثل هذه القصة تحدث حتى في العاصمة ذاتها لكن بنسبٍ أقل كثيرًا وبتفاصيل غير هذه التفاصيل بسبب التعليم،. والمشهد الذي افتتحت به مشاهد القصة، هو صورة متكررة في جميع نواحي السودان، وفي هذا الزمان، الزمان بقسميه زمان كتابة النص، وزمان حدوث الرواية، وكلاهما متحد إذ أنه لا يختلف هنا فذات الممارسات تحدث الآن، في ذات زمن كتابة الرواية. شيخ يأتي بسماعات، يخرج منها القرآن، ويبدأ في ضرب الضحية واستجوابه، ويدَّعي الصلاح والولاية، وهو أبعد الناس عن ذلك، كما كشفت الرواية عن زندقته وفسقه، وشهدنا كثيرًا من الفواجع في مجتمعنا حدثت من هؤلاء المدعين، جراء طريقتهم هذه.
وقد صورت المكان خير تصوير "أصوات العصافير تملأ الفضاء الرحب في غدوها ورواحها... الخضرة منتشرة في كل مكان حتى الطرقات... وروائح أشجار الليمون مختلطة بأبخرة جذور الأوراق اليابسة...وروث البهائم يملأ صدرك، ويسد أنفك، فهي خليط عجيب، وهو ما يميز قرية ود السائر... وصيفها حار ، وشتاؤها قارص، رغم ذلك تجده مناسبة جيدة ليجتمع الصغار والكبار على نار التدفئة حيث يحلو السمر وتحكي فيه الجدات القصص والحكايات، ويرسلن عبرها المواعظ والحكم المليحة" لقد أبدعت في وصف المكان حتى جعلتنا نشمه ونشاهده ونسمعه، أي حملتنا داخله.
رسمت الكاتبة صورة ناطقة لبعض شخصياتها الرئيسة خاصة شيخ فضل المولى الأرباب، وهذا ملمح مهم، في تصوير طبيعته الجسمانية والنفسية، ولعل مظهره الأنثوي الذي ورثه عن أمه- كما أوضحت الكاتبة- انعكس في تكوينه النفسي الغارق في حب الجنس والنساء، ينتقم لشكله، ويثأر، أو يتخذ من أفعاله التي تحاكي الفحولة سلوكًا تعويضيًا لشكله الأنثوي، هذه من الأشياء التي تلقي بها الكاتبة لمحًا أو رمزًا، ويحللها ويستنبطها المتلقي، فالكاتب لا يضع كلَّ شيءٍ أمامك جاهزًا، إنَّما عليك أن تجتهد وتستخرج مرادات للكاتب دسَّها في تجاويف عباراته وأحداثه. لكن إن جرى وصف شيخ فضل المولى الأرباب على لسان أحد شخصياتها، أو جعلتنا نستنتج بعضه من الأحداث لكان أفضل.
كان الإيقاع سريعًا مواكبا لسرعة الأحداث، مشوِّقًا، إلا ما أوقفه وصفٌ، أو بطَّأه حوار، وكان منسابًا منضبطًا، فلم تكن فيه افتعالات ظاهرة إنماحدث يتلوه حدث نتيجة له، وهكذا. فلا يشعر القارئ أنَّ الكاتبة قد أقحمت حدثًا إقحامًا، بل تتداعى الأحداث تداعيًا منطقيَّاً.
انظر لحركة الحدث في هذا المشهد وروعته لوالد سلمى: "تململ في جلسته، هم بالوقوف، تحرك في سرعة، ثم أبطأ كمن يفكر في اتخاذ قرار" تجده حدثا نابضا بقدرة تصويرية عالية، تكفيك عن المشاهدة، وسرعة تناسب معنى الحدث.
النص السردي يواجه مشكلة كبيرة في تلقيه، هي حالة الملل والرتابة التي يمكن أن تصيب المتلقي عند قراءة النص السردي، يواجه الكاتب هذه المشكلة بتوظيف بعض الحيل والتقنيات. ومن أسباب ذلك أحادية الصوت: فالمتلقي أو القارئ يسمع صوتًا واحدا وهو صوت السارد، وسبب آخر وهو غياب عنصر التشويق والإثارة والغموض، وكذلك فتحس أن هناك مناطق في النص السردي طويلة، هذه بعض الأسباب لكن هناك أسباب كثيرة يمكن أن تصرف القارئ عن متابعة النص السردي
وقد لجأت الكاتب إلى بعض تقنيات السرد لطرد الملل والرتابة وأهملت بعضهاومما استخدمته ما يعرف بالخلاصة " الخلاصة تعتمد على سرد أحداث من المفترض أنها جرت في سنوات أو أشهر أو أيام، باختزالها في أسطر أو كلمات قليلة" من دون أن نتعرض إلى التفاصيل التي قد تسبب الملل والرتابة نحو قولها " مضت تسعة أشهر من حادثة مرض سلمى) ص 60 وقولها " مضت ثلاثة أعوام"
ومن ذلك استخدمت الحوار لقطع الصوت الأحادي كحوار الشيخ مع حواره يوسف بعد سرد طويل أتى قوله: "عليَّ الطلاق ما شفت انتاية زي دي مرة. .." ويستمر الحوار طويلًا، والحوار يمثل الزمن الحالي.
كانت لغة الحوار بالعامية، وهذا هو المذهب المختار عند أكثر نقاد الرواية، ليحاكي الواقع ، وأفلحت أن جعلت اللغة تناسب شخصياتها حتى في اللهجات والإمالات الخاصة ببعض المناطق فقد حاكتها ببراعة نحو"ماك طالبني حليفة"،"أياهو الجنا الكتل أبوهو... الخرابا"، لكن في بعض الأحايين كانت لا تلتزم ذلك فتنحو للفصحى.
الرمز: ومن استخدامها للرمز الذي تودعه النص ليتحقق في المستقبل قولها "أخذ القلق والتوتر يجوسان داخل قلب أم سلمى حاجة نفيسة، فصاحت فجأة كمن لدغته عقرب بزوجها أبو سلمى، دحين الجلسة دي ما تأخرت، البنية لا حس لا خبر، يا ربي الحاصل شنو عليها، كدي قوم يا راجل أسأل الشيخ عن خبرها" فكان هذا القلق رمزًا لمآل الأشياء التي حدثت لاحقا كأنها رأت المستقبل في هذه اللحظة.
الفكرة التي تناولتها الرواية جيدة ومعاشة، قد تكون مكررة لكن العبرة في طريقة التناول، وقد أدت وظيفتها ، وكانت واضحة غير مشوشة، واستطاعت الكاتبة ايصالها للقارئ بوضوح
ملاحظات: في بعض أجزاء الرواية لم تكن الحبكة محكمة، فمثلا بعد أن قضى الشيخ وطره من سلمى أتى حواره شيخ يوسف مبشرًا بانتهاء الجلسة، وقائلًا" إنَّ ابنتهما نائمة الآن بفضل التلاوة العطرة، وعليهم عدم إيقاظها، وعليهم الانصراف والعودة غدًا، وسلمى ستظل في غرفة حريم الشيخ" فهذا الكلام غير مقتع، فلا يعقل أن تترك أم بنتها في منزل غريب ولو كان شيخًا، على الأقل ستبيت بجنبها ولن تتزحزح عنها، خاصة وأنَّ في البيت نساء أخريات يمكن أن تبيت معهنَّ، لكنها انصرفت عنها. ومن ذلك أيضا كيف لسلمى ألا تحس بعد أن ذهبت مع أمها، بعد أن قضى الشيخ منها الوطر، كيف لا تحس بأن الشيخ قد وطأها. ثم كيف لا تحسُّ أن حملًا في بطنها، قال الراوي: "مضت تسعة أشهر منذ أن جاء مرض سلمى" ودخولها لمسيد شيخ الأرباب وخروجها منه لم تحك حتى أعراض الحمل في هذه التسعة أشهر، إنها كفيلة بولادتها لا بظهور الأعراض ص (60) فللحمل حتى نهاياته بالمخاض وآلامه علامات لا تخفى على أحد، أبرزها انتفاخ البطن، لكن الكاتبة جعلت قصة آلام المخاض التي فاجأت سلمى غير معروفة لسلمى، بل لم تعرف سلمى ولا أمها أن هناك حملًا، ولا الشيخ ولا الحوار أن هذا مخاض حمل، فقد قطع الشيخ علاج إحدى البنات، ونهض وفي لحظات كانوا "أمام الوضع الغريب الذي لم يعرفوا تفسيره" كما زعمت الكاتبة، ثم أحضروا ممرضة لإسكات الألم ...هكذا... أيعقل هذا الممرضة هي فقط الذي عرف ماهيَّة هذا الألم أنَّه مخاض، وربما يخرج الجنين في أي لحظة، ، هذا غير مقنع للقراء... وقبل أن تنتهي دهشتنا تفاجئنا الكاتبة بأن هناك غرفة طبية مجهزة بشكل كامل للولادة، أمسيد هذا أم مستوصف؟، وتدخل فيها سلمى للوضوع، ثم تندهش سلمى حينما تقول لها الممرضة زينب -التي كانت قبل قليل كانت حوارية ومدلكة في خضم الرواية- حين تقول لها إنها ستنجب طفلًا، فتندهش سلمى!!! أوما أحست سلمى طوال تلك الشهور الماضية أن هناك كائنًا في بطنها، وكون أن المولود يشبه الشيخ منذ اليوم الأول لميلاده أمرٌ بعيد فالشبه يظهر لاحقًا. ومازالت حسلمى نفساء لم يبرأ جرحها تحدثنا الكاتبة بوقوع دكتور بابكر عليها،أينزو على جرح، فكرة غير مُتَقبلة.
من الملاحظات المهمة أن طارق عبد العزيز بدأ سرد قصته من ص150 حتى ص 170 دون توقف، مما خلق جوا من الرتابة، ولم تستخدم تقنيات السرد هنا لقطع أحادية الصوت والشعور بالرتابة
كَثُر وقوع الجنس في الرواية، فالجنس في الخلوة بين الشيخ ومرضاه، وجنس جماعي في ليالي الشيخ الشهرية أول كل شهر عربي، مختلطا بالخمر والحشيش والغلمان، وفي مستوصف دكتور بابكر، وفي دار المايقوما بين طارق عبد العزيو وأستاذة عفاف، ومحاولة اغتصاب الصبي، وفي مقتل الشيخ وقطع عضوه..، قد يدعو إلى التساؤل، لكنها ما كانت تصفه لتثير الشهوات به، بل تذكره ذكرًا، مما ينفي عنها تهمة الإثارة الرخيصة.
رغم قناعة الكاتبة بدجل شيخ الأرباب إلا أنها أثبتت له كرامات، مثل أنه قرأ لدكتور حاتم في يده فنجح في الامتحان بامتياز بعد أن سقط في ذلك الامتحان ثلاث مرات من قبل وغير ذلك، هي مختارة في شأنه، لكن -عندي- لتخدم هذه الرواية قضية كان على الكاتبة تجريده من أي كرامة يستدرج بها الآخرين.
نلاحظ انحيازها لقضايا المرأة فهي نصيرة بنات جنسها، وتميل ميلًا دائمًا إلى جانبهن في المواقف، وكذلك نرى اقتدارًا ظاهرًا لها حينما تتحدث عن شيء يتعلق بالمرأة وهذا طبيعي.
سيميائية الأسماء: لم تكن كل أسماء أبطالها وضعت اعتباطًا، فنجد أن اختيارها لاسم بطلتها سلمى إنما يرمز إلى سلامة قلبها، وإلى سلامة مآلها وهو ما حدث. وتسميتها عشيق سلمى صلاحًا، فكان صلاحًا لها من بعد فجيعة وانكسار.
توجد الكثير من الأخطاء النحوية والإملائية، وإن كانت اجتهدت لتجاوزها لكان أحسن، فمثل هذه الأخطاء تقلل من قيمة العمل هذا العمل الكبير، خاصة إذا كانت واضحة، والغريب أنَّ النص قد مرَّ على ثلاثة مصححين كما زعمت الكاتبة، فإن كان مر عليه مصحح واحد حاسبته على ما ترك من خطأ لكان أفضل، ولا أجد تفسيرًا لوجود أخطاء إلا أن أحدهم كان يصحح والآخر يمحو ما أثبته الأول وهكذا، وإلا كيف نبرر مرور ثلاثة مصححين على الكتاب وما تزال أخطاؤه بارزة.
أخيرًا عليَّ أن أقول إنَّ الرواية ماتعة للغاية ومحبوكة بشكل جيد، وتخدم قضية مهمة وأنها قد سجلت بها نجاحًا كبيرًا، وأنَّ ما بها من ملاحظات لا يقصِّر بها بل إظهارها ضرورة لتجنبها في قادم الروايات، وبذا تظل نبوءتي ببروز هذه الروائية تثبت رواية إثر رواية.
gasim1969@gmail.com