موقع النيلين:
2025-04-06@02:32:25 GMT

حليم عباس: نحو نظام سياسي جديد

تاريخ النشر: 8th, August 2023 GMT

حليم عباس: نحو نظام سياسي جديد


الحرب في قلب الدولة هي حدث صادم ومدمر بلا شك؛ وتُحدث هزة عنيفة في وعي الإنسان؛ تجعل الإنسان يعيد التفكير في وجوده وفي معنى حياته، في أفكاره، في نظرته لنفسه وللأخرين، في قيمه وفي قيم الآخرين وفي أفكاره وأفكار الآخرين. ولأنها مدمرة مادياً وصادمة معنوياً فهي تثير في الوقت نفسه أسئلة البناء والتعمير، أو على الأقل هذا ما أفترضه وأتصوره؛ أفترض أن حدثاً مثل الحرب بكل ما يحمله من موت وخراب يجب أن يجعلنا نعيد التفكير بجدية في بعض مسلماتنا الفكرية؛ على الأقل بالنسبة لأولئك المنشغلين بالسياسية، وبمفاهيم مثل الدولة والحكم والديمقراطية.


فلا شك أن سؤال النظام السياسي ما بعد الحرب هو أهم سؤال يشغل كل من يهمه أمر البلد. ماذا سيكون؟ وكيف سيكون؟ هل سيتعلم الشعب من التجربة الصعبة للحرب ويعمل على صياغة نظام جديد يلبي تطلعاته في السلام والاستقرار والرفاهية؟ هل يفرض المنتصر نظاماً دكتاتورياً جديداً، أو هل ستكون تسوية يشارك بموجبها الجميع وهل يستمر وضع الدولة على ما كان عليه قبل الحرب؟ كيف يُمكننا حل المشكلات التي تقود إلى الحروب باستمرار؟ مشاكل الحكم والعدالة والتنمية؟ هل سننشئ نظاماً جديداُ يعالج هذه القضايا وكيف يُمكن ذلك؟ أم هل سنستمر في نفس الوضع القديم بنفس العقلية القديمة التي أنتجت المشاكل ونواصل الانحدار للأسوأ إلى أن تتفكك الدولة نفسها وتتلاشى؟ وهل هناك دولة أصلاً؟ وغيرها من الأسئلة.
في هذا السياق، أرى أن أهم ما يجب أن نخرج به من هذه الحرب هو مراجعة مفاهيمنا وملسماتنا الأساسية حول الدولة والحكم والتدقيق فيها بجدية وبصرامة. من هذه المسلمات الأساسية أن هناك دولة وكل ما ينقصها هو الانتقال الدميقراطي. يدرك كثيرون منا أن مشكلتنا أكبر من الديمقراطية وأن الديمقراطية ليست هي الحل في سياقنا الحالي؛ لأن الديمقراطية تتعلق بتداول السلطة في دولة مستقرة لها مؤسسات قائمة وفعالة ولها توجه محدد واضح، وهذا التوجه هو شيء أكبر من نصوص دستورية؛ فالتوجه يتعلق بسياسات وخطط ومشاريع في المجالات المختلفة. الديمقراطية أداة تنافس لإدارة دولة بها مؤسسات ولها رؤية ووجهة. وهي ليست أداة للصراع في لا-دولة، ولا هي وسيلة لتأسيس دولة. مجرد فكرة أن الناس أحرار يتنافسون بحرية من أجل الحكم لا يؤسس بلد ولا يقوده للأمام، وبالتحديد في حالة السودان الراهنة.
مسلمة أُخرى تحتاج للتدقيق والمراجعة هي المسلمة القائلة بأننا نحتاج إلى إعادة تأسيس وبناء الدولة. فكرة إعادة تأسيس دولة تبدو لي أكبر من اللازم وأكبر من قدرات من ينادون بها؛ والأفضل استبدالها بتأسيس نظام سياسي كخطوة أولى على الأقل. فحينما نتكلم عن تأسيس نظام سياسي فنحن نتكلم عن شيء ملموس محدد نوعاً وهو معني بالدولة ولكن فكرة بناء دولة تستوجب استيعاب كل الدولة والشعب في تفكيرنا، بينما فكرة النظام السياسي محدودة. فلكي تقيم نظاماً سياسياً يحكم الدولة (أو الشيء الذي يشبه الدولة ونريده أن يصبح دولة) أنت بحاجة إلى حد معقول التوافق السياسي ومن القوة القادرة على إنشاء هذا النظام وتشغيله وحمايته، وليس إلى توافق كل الشعب أو كل القوى السياسية. وهذا النظام ليس من الضروري أن يكون نظاماً ديمقراطياً بالمعنى الشائع لهذه الكلمة. قد يكون نظام الحزب الواحد” أو نظام عدة أحزاب في منظومة تشبه الحزب من حيث توافقها وانسجامها على رؤى مشتركة ولكنها تعمل كأحزاب مستقلة تتنافس فيما بينها في إطار النظام والرؤية المشتركة. في رأيي هذا ما نحتاجه في السودان بعد الحرب. نظام سياسي أكبر من حزب وأصغر من دولة ولكنه يحكم البلد، يتكون من أوسع جبهة ممكنة من الأحزاب التي تتشارك في رؤية وطنية يتم التوافق حولها عبر الحوار المفتوح للجميع. ولكن بعد إنجاز هذه الرؤية يصبح لدينا نظام مغلق، من يريد أن يدخله يجب يوافق على رؤيته ويعمل على تنفيذها. ولا أقصد بكلمة “مغلق” هنا نظام جامد لا يتغير، وإنما أقصد بأنه يتغير بآليات من داخله وليس من خارجه. والهدف من ذلك هو تحقيق الديمومة والاستقرار، على الأقل لمدى زمني محدد، ربع قرن مثلاً أو أقل. بعد ذلك تُجرى إعادة تقييم شاملة للاستراتيجية السابقة وتقويمها وتطويرها.
لا أتكلم هنا عن دستور ديمقراطي ثم تتنافس الأحزاب كيفما اتفق على السلطة. نحن نحتاج إلى شيء أكثر من دستور، إلى رؤية أكثر تفصيلاً. صحيح لابد من دستور ومن تنافس حر ولكن ذلك في إطار رؤية مكتملة وتوجه واضح للدولة فيما يتعلق بكل قضايا الإصلاح والحكم والتنمية والعدالة إلى آخر هذه القضايا.
وبكل تأكيد لا أدعو إلى نظام يتم فرضه وتطبيقه من أعلى بواسطة أقلية دكتاتورية وإنما نظام يتأسس عبر حوار سياسي واجتماعي ويشمل أيضا النقاش المعرفي بين الخبراء والمختصين في مختلف المجالات مفتوح لكل السودانيين بكل اختلافاتهم هدفه الأساسي تكوين رؤية وطنية بمعالم محددة واضحة تحدد وجهة الدولة لعقدين أو ثلاثة. تتضمن الدستور ونظام الحكم والعلاقة بين المركز والولايات والعدالة والمساواة إلى آخر القضايا المطلبية المعروفة، ولكن نحن نحتاج إلى أكثر من إقرار الحقوق كنصوص ومن ثم الصراع على السلطة، نحتاج إلى رؤية وطنية واضحة تتعلق بالتنمية والنهضة بكافة المجالات من التعليم إلى الصحة إلى الإقتصاد إلى تطوير مؤسسات الدولة المختلفة بما في ذلك تطوير الأحزاب السياسية وغيرها من الأمور إلى تحتاج إلى قدر من المعرفة التقنية أولاً وثانياً إلى التوافق السياسي. لا نريد نظاماً ديمقراطياً تتصارع فيه أحزاب فقيرة بائسة تريد أن تحكم ولكنها لا تملك ما تقدمه؛ نريد أن تكون برامج الأحزاب مفصلة على رؤية كلية موجودة محددة سلفاً، على كل حزب أن يقدم برنامجه في أطار تنفيذ الرؤية الوطنية المعدة سلفاً ويكون ذلك هو معيار تقييمه، بل معيار أهليته كحزب أساساً للتنافس.
لا بد من قوة مؤسسة تقود هذا التحول؛ فالحوار نفسه يجب أن يكون عملية مؤسسة بمنهجية وتخطيط وهياكل ومدى زمني واسع وكافي عام أو اثنين أو أكثر وليس هناك أفضل من مؤسسة الجيش لتبني هذه الرؤية ولكن التنفيذ بطبيعة الحال مستويات فهناك جوانب ذات طابع فني تقني يجب أن تُسند إلى مختصين يشمل ذلك تصميم عملية الحوار نفسها من أجل تحقيق الأهداف المرجوة منها، وهناك مستوى سياسي يتعلق بحق المشاركة لكل والإسهام لكل مكونات وأطياف الشعب السوداني. جانب تخطيط وتصميم عملية الحوار وأهدافها وقضاياها وهياكلها ومراحلها هو الجانب الحاسم؛ فليس كل حوار تجتمع فيه عدة مكونات سياسية هو حوار ناجح بالضرورة. لابد من هندسة عملية محكمة بشكل منهجي علمي لتكون مثمرة في النهاية وهنا لابد التخصصية. مرحلة المشاركة السياسية كحق مكفول للجميع هي مرحلة لاحقة على الرغم من أهميتها ولكن يجب أن تتم وقف رؤية وخطة مسبقة. في المرحلة الأولية مرحلة التصميم نحتاج إلى القوة المؤسسة التي تفرض نفسها بشرعية العنف؛ لدينا الجيش وخلفه شعب كامل يملأ معسكرات الاستنفار وهو صاحب اليد العليا في الانتصار وإنهاء الحرب. يجب أن تكون هذه هي نقطة الانطلاق؛ الحرب وفرت درجة من التلاحم الشعبي وأيضاً درجة من تجلي الإرادة الشعبية يستحيل تجاوزها إلى نظام دكتاتوري أو نظام حزبي ضيق. وضع ما بعد الحرب هو وضع أقرب إلى ما بعد انتصار الثورة يجب أن يعقبه تأسيس نظام جديد بقيادة القوى المنتصرة. ولكننا نريده نظاماً مؤسساً على الحق وعلى العدالة والخير للبلد ولمستقبله ومستقبل كل أبناءه بما فيهم الأعداء المهزومين وليس على القوة وحدها. ولذلك يجب أن يبدأ بحوار شامل، ولكنه حوار وفق رؤية مسبقة، وليس مجرد استمرار للصراع بشكل آخر.
بالطبع الإصلاح في مجالات السياسية والاقتصاد وبناء الدولة عموما هو ليس قرارات تُتخذ في يوم واحد بقدر ما هي إستراتيجيات وسياسات تُتبَع وتُنفذ عبر مدى زمني ممتد ولذلك هي عملية متواصلة يلعب فيها عامل الزمن والتمرحل دوراً حاسماً؛ ولذلك فنحن نحتاج أن نفكر ضمن مدى زمني طويل نسبياً وهو ما يتطلب توافقا على نظام يشكل إطاراً عاماً لعملية الإصلاح؛ داخل هذا الإطار يُمكن أن تختلف الأحزاب السياسية وأن تتنافس. بالطبع تحتاج الأحزاب نفسها إلى إصلاح وإعادة تأسيس من جديد بشكل منهجي سليم؛ هذه ليست قضية ثانوية؛ وعلى الرغم من أن الأحزاب السياسية هي التي يُفترض بها تحريك أي عملية حوار سياسي، ولكن جند الإصلاح الحزبي هو جند أساسي في أي إستراتيجية وطنية. يجب أن يكون لدى الأحزاب القدر الكافي من التجرد والإلتزام الذي يجعلها مستعدة لحل نفسها وإعادة التشكل وفق أُسس ورؤى جديدة في إطار الإستراتجية الوطنية؛ وإلا فلن يكون هناك أي قيمة لهذه الإستراتيجية إذا كانت الأحزاب التي يُناط بها العمل على تنفيذها غير مؤهلة في نفسها. ولذلك أقول نحن بحاجة إلى تأسيس نظام سياسي جديد كامل، وليس فقط التوافق على دستور وتنافس ديمقراطي على السلطة بدون أي مضمامين وبواسطة نفس المكونات السياسية المليئة بالمشاكل في عظمها هي نفسها. يجب أن نمتلك الجرأة للتفكير في أنفسنا والاستعداد للتغيير في أنفسنا فالتغيير يبدأ من هنا أساساً. لذلك لابد من مراجعة جذرية للأحزاب في إطار رؤية استراتيجية وطنية؛ وإعادة تكوينها وفق أسس ومعايير جديدة. ولذلك مرة أخرى لابد من سلطة مؤسسة فوق هذه الأحزاب ولكنها ليست فوق الإرادة الشعبية. أنا هنا أتكلم عن رؤية وطنية يتم إنتاجها بحرية عبر وسائل الحوار بمشاركة كل أبناء الوطن وبالتالي فهي تتمتع بشرعية وبمصداقية بالمعنى المعرفي للكلمة.

حليم عباس

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: نحتاج إلى على الأقل أکبر من فی إطار لابد من یجب أن

إقرأ أيضاً:

الحرب على غزة وتجديد الإمبريالية

ارتبط مصطلح الإمبريالية بمراحل التحرر الوطني ومقاومة الاستعمار، وظل اليسار الراديكالي يستعمله حتى الآن. لم تعد الإمبريالية شائعة في الخطاب السياسي العربي، لذا فإننا نحتاج إلى تذكير القارئ بمدلولها.

الإمبريالية هي سياسة تهدف إلى توسيع نطاق حكم دولة ما على حساب دول أخرى وشعوبها، وذلك بغرض زيادة نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري والثقافي.

ارتبطت الإمبريالية تاريخيًا بنشأة وصعود الدولة القومية الأوروبية والصراع فيما بينها، لكن ما نشهده في عالم اليوم، ومنذ عقد من السنين، هو إعادة تشكيل المنافسة على المصالح الاقتصادية والجيوسياسية (والتعاون بشأنها) باعتبارها منافسة بين "دول حضارية" لا قومية.

اللافت أن الإمبريالية تعود سيرتها الأولى، وتستعيد تقاليد الغزو المباشر واحتلال الأراضي، وطرد أو تهجير السكان، كما يجري في أوكرانيا الآن، وكما يتطلع ترامب لضم بنما وغرينلاند. أما غزة فالمطروح لها ليس ضمها لإسرائيل وبناء المستوطنات من جديد، ولكن تهجير سكانها واحتلال أرضها بالاستثمارات العقارية.

لكن ما المقصود بالدولة الحضارية التي تحل بالتدريج محل الدولة القومية التي نشأت منذ معاهدة وستفاليا (1648)؟ وما موقع الحرب على غزة من إعادة تشكيل طبيعة الصراعات العالمية؟

إعلان هجوم دولة الحضارة

في تقديري، إن الدولة الحضارية لها سمات أربع تميزها عن الدولة القومية التي بدأت بنظام وستفاليا:

1- تجاوز مفهوم الدولة القومية

وهو المفهوم الذي فصل الهوية الثقافية عن السياسة، والمصالح عن القيم، أو لنقلْ إنه صنع هوية جديدة، قوامها المواطنة. أساس الصراع في الدولة القومية هو الأفكار السياسية والمصالح الوطنية والقومية، وليس الاختلافات الدينية أو الثقافية.

مفهوم الدولة الحضارية يتأسس– كما يرى ماسيس وزير الدولة البرتغالي للشؤون الأوروبية سابقًا – على: "أن الدول القومية اختراع غربي، وهي بطبيعة الحال عرضة للتأثير الغربي. أما الحضارات فهي بديل للغرب".

إن إدارة مودي، من خلال التأكيد على أن الهند حضارة، تحيل المعارضة – المؤتمر الوطني الهندي – إلى قوة غربية عازمة على قياس نجاح الهند بمقياس نظام أجنبي.

والواقع أن أفكار العلمانية والعالمية، التي كانت سمة لصيقة تاريخيًا بحزب المؤتمر الوطني الهندي، يُنظر إليها الآن باعتبارها واردات ثقافية يتعين على الهند أن تحرر نفسها منها.

المشاريع العسكرية والسياسية التركية في جنوب القوقاز والشرق الأوسط لها صدى تاريخي، فهي دليل على عظمة تركيا، وتُظهر أن تركيا ستكون حيثما يقول الرئيس رجب طيب أردوغان إنها يجب أن تكون.

2- انتفاء القيم العالمية

وهي القيم التي كان جوهرها بعد الحرب الثانية، هو النظام الليبرالي الغربي. يقول المدافعون عن الدولة الحضارية: "إن البحث عن القيم العالمية قد انتهى، وإننا جميعًا يجب أن نقبل أننا نتحدث فقط نيابة عن أنفسنا ومجتمعاتنا".

تقاوم روسيا فلاديمير بوتين والصين شي جين بينغ المطالبات العالمية للنظام العالمي الليبرالي. وهذا الرفض، بدوره، يدفع الغرب أيضًا إلى تصور وجوده في العالم من منظور حضاري.

يناشد بوتين الروس ألا يتبعوا أغنية الغرب المتمثلة في التعبير الفردي عن الذات، بل أن يساعدوا بدلًا من ذلك في جعل روسيا عظيمة مرة أخرى.

إعلان

ويتحدّث الرئيس الصيني بنبرة مماثلة عن مشروع الصين العظيم للتجديد الوطنيّ، والذي يحتفل بالثقافة الصينية باعتبارها متميزة عن الفردية الغربية. أما الرئيس التركي فيرفض القيم الغربية فيما يخصُّ قضايا المرأة، ويدعم الأسرة الطبيعية.

حاول البعض أن يصوّر الحرب على الإرهاب – التي بدأت عام 2001، وكان مسرحها العالم الإسلامي، أو ما أطلق عليه الشرق الأوسط الكبير- باعتبارها صراعًا حضاريًا بين الغرب والإسلام، إلا أنه سرعان ما تم التراجع عن هذا الوصف. نُظر إليها باعتبارها نشرًا لقيم الديمقراطية.

بذل جورج دبليو بوش قصارى جهده مرارًا وتكرارًا للتأكيد على أن الحرب العالمية ضد الإرهاب وتغيير النظام في العراق تتم وفقًا لشروط نهاية التاريخ – أي هيمنة النظام الليبرالي، وليس منطق صراع الحضارات – كما أعلن هنتنغتون.

صرّح بوش الابن (2001- 2009) قائلًا: "عندما يتعلق الأمر بالحقوق والاحتياجات المشتركة للرجال والنساء، فلا يوجد صراع بين الحضارات"، كما قال: "إن متطلبات الحرية تنطبق بالكامل على أفريقيا وأميركا اللاتينية والعالم الإسلامي بأسره. إن شعوب الدول الإسلامية تريد وتستحق نفس الحريات والفرص التي يتمتع بها الناس في كل دولة. وينبغي لحكوماتها أن تستمع إلى آمالها".

حملت الحرب على الإرهاب – بالتأكيد – أبعادًا ثقافية؛ إلا أن جوهرها كان صراعًا تُختبر فيه القوى الدولية المختلفة توازنات القوة فيما بينها في ظلّ امتزاج شديد للمصالح والتغيرات الجيوسياسية بالأبعاد الثقافية والقيمية للصراع.

منذ 11 سبتمبر/ أيلول؛ استخدمت واشنطن قوتها لإضعاف القيود المفروضة على استخدام القوة. أدت الحرب على الإرهاب بعد عام 2001 إلى تآكل النزعة الدولية، حيث استخدمت الولايات المتحدة تفوقها لإرغام الدول أو إقناعها أو تملقها للانضمام إلى حملاتها العسكرية، مع القليل من الاهتمام بكيفية إلحاق تصرفات واشنطن الضرر بالعلاقات الأميركية مع العالم غير الغربي.

إعلان

منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2009 على الأقل، أصبحت القوى الصاعدة في الجنوب العالمي، وهي مجموعة من البلدان التي يمكن تعريفها تقريبًا على أنها "تلك البلدان التي تعتقد أن النظام القائم على القواعد هراء"، صريحة بشكل متزايد في إحباطها بشأن النفاق في قلب النظام العالمي.

لم تقدم السرديات الروسية والصينية المضادة للغرب سوى المفردات لدول الجنوب العالمي لوصف ما شعرت به منذ فترة طويلة: أن النظام القائم على القواعد كان مجرد غطاء أخلاقي للقوة والسيطرة والمصالح الغربية.

3-صعود الدولة الحضارية

وباعتبارها مرتبطة بحضارة، فإن الدولة لديها مهمة أساسية تتمثل في حماية تقاليد ثقافية محددة. ويشمل نطاقها جميع المناطق التي تهيمن عليها تلك الثقافة.

الدولة الحضارية منظمة حول الثقافة وليس السياسة أو الحدود. إن دولة بحضارة ما، تقع على عاتقها المهمة الأساسية المتمثلة في حماية تقاليد ثقافية محددة، وبالنسبة لدولة حضارية، فإن الروابط الثقافية قد تكون أكثر أهمية من مجرّد الوضع القانوني للمواطنة.

انطلقت الولايات المتحدة في معظم حروبها من مقولات وأهداف ذات صبغة ثقافية لا لبس فيها؛ كنشر القيم الديمقراطية (الأميركية)، أو نشر الثقافة الرأسمالية، ولكنها كانت تحرص على أن تطرح هذه الشعارات كأهداف محايدة ومنافع عامة، وليس كتبريرات ثقافية تناسب بعض الشعوب فيما تتعارض مع أخرى.

الجديد مع عالم ترامب، ووفق مشروع 2025 الذي يعد منفيستو حكمه، فإن المطلوب هو استعادة روح أميركا التي قامت على عدد من الأسس أهمها: إحياء التقاليد اليهودية المسيحية – استعادة الأسرة الطبيعية المكونة من ذكر وأنثى باعتبارها محور الحياة الأميركية، والدفاع عن سيادة الأمة وحدودها ومواردها ضد التهديدات العالمية.

كان ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014 بمثابة قطيعة صريحة، ورفض ظاهري لإحدى الركائز الأساسية للنظام الدولي الليبرالي، ألا وهي أن حدود الدول القومية لا ينبغي إعادة رسمها بالقوة.

إعلان

ومن اللافت للنظر أن بوتين برر تحرّكه على أسس "حضارية" صريحة، بحجة أن شبه جزيرة القرم كانت دائمًا جزءًا من "العالم الروسي". لكن اللافت في هذا الصدد أن روسيا الأرثوذكسية ضد أوكرانيا الأرثوذكسية أيضًا، وليس ضد تركيا المسلمة، كما جرى تاريخيًا، وهذا يعني أننا لسنا بخطوط صدع ثقافية أو دينية جامدة، كما قال صاحب مقولة صراع الحضارات.

وعلى نحو مماثل، كانت إزاحة ناريندرا مودي وحزب بهاراتيا جاناتا لحزب المؤتمر التعددي في عام 2014 في إطار أيديولوجية الهندوتفا، التي قدمت الهند كدولة حضارية قائمة على الديانة الهندوسية (بغض النظر عن مئات الملايين من الهنود غير الهندوس).

ظهر شي كزعيم أعلى مهتم بشكل متزايد بالمواجهة الأيديولوجية المباشرة مع الغرب، ومتطلع لوحدة الأراضي الصينية- كما جرى في هونغ كونغ، وما يسعى إليه في تايوان.

في فبراير/ شباط 2025، انضم حزب الليكود الحاكم في إسرائيل، بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو – كعضو مراقب – إلى التحالف اليميني المتطرف: الشراكة من أجل أوروبا (Partnership for Europe).

برزت الأحزاب اليمينية المتطرفة كثالث أكبر مجموعة سياسية في الانتخابات البرلمانية الأوروبية في يونيو/ حزيران 2024. بموجب هذا المنطق الجديد، سيصبح اليهود والأوروبيون ضحايا "للإسلام الفاشي" الصاعد، مما يؤدي إلى تشكيل تحالف جديد بين إسرائيل واليمين المتطرف في أوروبا لمواجهة هذه التهديدات المزعومة.

4- دور الدولة الجديدة

إن التعريف الحقيقي للدولة الحضارية، هو تعزيز أسلوب حياة واحد والدفاع عنه في مواجهة كلّ البدائل.

كانت المشكلة في العولمة الغربية مزدوجة، على حد قول رئيس تحرير مجلة NOEME:

أولًا، بدت القيم الغربية في نظر العديد من الناس الذين يعيشون في آسيا أو أفريقيا مجرد بديل واحد بين بدائل أخرى عديدة. وكان الوعد بالحفاظ على أساليب الحياة التقليدية في مجتمع ليبرالي مجرد وهْم قاتل. إعلان

فإذا استوردت تركيا أو الصين أو روسيا المجموعة الكاملة من القيم والقواعد الغربية، فإن مجتمعاتها سرعان ما ستصبح نسخًا طبق الأصل من الغرب وتفقد استقلالها الثقافي.

ورغم أن هذه العملية كانت تُعد الثمن الضروري للتحول إلى مجتمع حديث، فإنه في الآونة الأخيرة، تزايدت الشكوك حول ما إذا كان من الضروري حقًا تقليد الدول الغربية من أجل اكتساب كل فوائد المجتمع الحديث.

وكانت هناك صعوبة ثانية: إذ لا تزال القيم والمعايير الغربية في حاجة إلى تفسير وتنفيذ، وكانت الدول الأكثر قوة في الغرب تستولي على هذه المهمة على الدوام.

في ظلال الدولة الحضارية؛ فإن العالمية هي أيديولوجية الغرب لمواجهة الثقافات الأخرى. وبطبيعة الحال، فإن كل شخص خارج الغرب، كما زعم هنتنغتون، ينبغي له أن ينظر إلى فكرة العالم الواحد باعتبارها تهديدًا. وحينئذ فلماذا يمتنع الآخرون عن فعل الشيء نفسه؟ ولماذا يمتنعون عن بناء دولة حول مفهومهم الخاص للحياة الطيبة، دولة تدعمها حضارة كاملة؟

في هذا العالم، تتسم الحضارات المختلفة بأنها عالمية في الممارسة العملية؛ إن لم تكن في الطموح، وقد تتنافس فيما بينها على القوة العالمية، ولكنها تنتمي جميعها إلى مشهد سياسي واقتصادي مشترك ومتكامل على نحو متزايد، وهو ما من شأنه أن يغير طبيعة صراعات المستقبل، وهو ما يستحق المتابعة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة نت على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2025 شبكة الجزيرة الاعلامية

مقالات مشابهة

  • الإمارات تشارك في القمة العالمية للذكاء الاصطناعي برواندا
  • الكوني من واشنطن: الانتخابات شبه مستحيلة، وليبيا دولة محتلّة
  • الحرب على غزة وتجديد الإمبريالية
  • الإمارات: هذه الشركات السبع لا تملك ترخيصاً تجارياً ساري المفعول في الدولة
  • السلطات السودانية تفرج عن اثنين من رموز نظام البشير لدواعٍ صحية
  • 25 دولة تنضم لنظام الدفع الروسي البديل لسويفت
  • إعادة بناء القرية السودانية: رؤية لمستقبل مستدام بعد الحرب
  • منتدى إسرائيلي: القوة العسكرية لا تكفي ولا بد من طرح أفق سياسي للفلسطينيين
  • منتدى إسرائيلي: القوة العسكرية لا تكفي ولابد من طرح أفق سياسي للفلسطينيين
  • كاريكاتير محمود عباس