الكـلام، السّـلطـة، الحـقيـقـة
تاريخ النشر: 17th, July 2024 GMT
مَـن يمنـح نفسَـه الحـقّ في الكـلام وحـده ولا يحـفَـظ حـقَّ غيـره فيـه لـن يُـصـغيَ، قطـعـا، إلى كـلام غيـره لأنّ هـذا لا يمـلك، في نظـره، حـقّـا في الكـلام. أمّـا إن أفْـلـح الغيـرُ ذاك في انـتـزاع ذلك الحـقّ - وهـو ما يفـعلـه دائمـا رغـما عن إرادة المتـكـلِّـم وحـده - فـما مـن حاجـةٍ بـه إلى أن يصـغـيَ إلى مَـن تكـلَّـم بقـوّة الأمـر الواقـع، لا بـقـوّة الحـقّ؛ هـذا الحـقّ الذي وحـده المتـكـلّـمُ الأوحـدُ - محتـكـرُ الكـلام - يحـدّده، ووحـده يعـتـرف بمـن يسـتحـقّـه.
الإصـغاء إلى الغيـر ممنـوعٌ في معـتـقـد المتـكـلِّـم وحـده، لأنّـه يُـفـسد عليه مفـهومَـه للكـلام وللحـقّ فيه ويـهْـبِـط بـمَـقـامـه من عليـائـه إلى تحـت. إتيـانُ فـعْـلِ الإصغـاء معـنـاهُ تسلـيـمُ مَـن يُـصغي بمشـروعـيّة كلام المتـكـلِّـم، حتّى وإن هـو خـالَـفَ منطـوق كلامِ ذلك المتـكلِّـم. المهـمّ، عنـد المتـكـلِّـم وحـده، أنّ الإصـغـاءَ عـلامـةَ اعتـرافٍ من المُـصـغي بالمُـصْـغَى إلـيه: اعـتـرافٌ بشـراكـته في الحـقّ في الكـلام؛ وهـذا ممّـا لا يجـوز عنـد مَـن وطَّـن نـفسَـه على أنّـه صاحـب الحـقِّ الأوحـدُ فيه، ومَـن كـرّس جَـهْـده لاحتكـاره ومنـع غيـره مـن أن يـزاحمـه عليه. إذا كـان هنـاك مَـن عليه أن يصـغيَ فهـو الغيـر؛ تلك وظيـفـتُـه حين يتـكـلّـم، أو يكـتـب، أمّـا هـو فـوحـده المتـكـلّم، ولا متـكـلّم سـواه. ولأنّـه متـكـلّـم، كان لِـزامـا أن يكـون هناك مُخَـاطَـب، وكان على هـذا المخاطَـب، بالتّـالي، أن يَـهَـبَ سمْـعه لِـمَـا يَـرِد على لسان الأوّل... أو قـلمـه. وعليه، إذا كان هناك مَـن يـنـبـغي لـه أن يصـغـيَ فهـو الغيـر؛ تلك وظيـفـتُـه حيـن يتـكـلّم، أو يكـتب، مَـن هـو أهـلٌ لذلك: المتـكلّـمُ وحـده. لا بـدّ، إذن، مـن أن تُـحْـفَـظ المَـقامـات فلا يُـزرَى بـمَـقامـه إلى حـدّ مشابـهـتـه في المنـزِلـة والقَـدْر بغيـره: هذا أقـلُّ ما يطـلُـبُـه صاحبُ الكـلام لنـفسه تميـيـزا لـه عـن غيـره.
يـفـعـل المـتـكـلّـمُ وحـده ذلك عـن حسـابٍ دقـيـقٍ يجـاوِز مـنازعـه المَـرَضيّـة الـثّـاويـة فيـه (= النّـرجسيّـة) ويتـخـطّـاها إلى أهـدافٍ أبعـد من مجـرّدِ إشبـاع نَهَـم الـولـع بالذّات. يـفعـل ذلك لأنّـه يُـدرك، على الحقـيـقة، أنّ احـتـكار الكـلام وسيـلـتُـه المُـثْـلى لبـسْـط السّـيـطرة على الآخـرين. هـو يعـرف، قـطـعا، أنّ الكـلام رأسمـال ثميـن في مجتـمعٍ يحـتـلّـه الصّـمت على ما فيـه من فيـضِ الكـلام العادي (التّـخاطُـب اليـوميّ)، وهـو لذلك السّـبب سلـطـةٌ لا سبيل إلى الاستـغـناء عنها أو النّـيْـل مـن قـدرها في مضمـار أيّ سعيٍ إلى تحقيق السّـيطـرة: الماديّـة منـها والرّمـزيّـة. على أنّـه يعـرف، بالتّـبِـعـة، أنّـه لا يَـعود سلطـةً حين تصـير هـذه قابلـةً للتّـقاسـم أو للشّـراكـة فيها معه من غيرٍ آخَـر. الكـلامُ السّـلطـة هـو، في عُـرف المتـكـلِّـم وحـده، الكـلام الذي لا يُـقال بأكـثـر من لسانٍ واحـد، وإلا انـتـهـيـنا مع تعـدُّد الألسنـة إلى حـالةٍ من الكـلام السّـائـب الذي يُـبْـطِلـه كـلامٌ، ومن اللّسـان الذي يُخـرِسـه لسانٌ؛ وذلك ليس من السّـلطـة ومعـناها المـركزيّ في شيء... عند المتكلِّـم وحده.
من الواضـح، هنـا، أنّ هـذا المفهـوم للكـلام/السّـلطة مفـهوم سائـدٌ في الثّـقـافـة العربيّـة؛ ليس فـقـط لأنّ لـه جـذورا في بعـض التّـراث الثّـقافـيّ الإسلاميّ، الذي يضيـق بالتّـعـدُّد أو الذي يـربّـي الوعـيَ على الأوْحَـديّـة في التّـفـكـير، بل لأنّ لـه مـا يـشرعِـنُـه في كيـان الـدّولـة العربيّـة نفـسـها. أليست السّلطـة نـفـسُـها فـوق أيِّ قسـمةٍ أو مشاركـة؟ أليس الشّـركاءُ الكُـثـر في القـرار منـتهيـن في عُـرْفـهـا، حُـكْـما، إلى تعطيل القـرار؟ وهكذا لا يـبـتـدع المتـكـلّـم وحـده بـدعةً في ما يعـتـقـده ويقـول بـه، بـل هـو يتـصرّف تـصـرُّف المتـفاعـلِ مع محيـطِـه التّـفاعـلَ المنـاسِـب والمطـابِـق، أي الذي لا يبـدو فيه وكـأنّـه يغـرِّد خارج السِّـرب أو يـجـدّف ضـدّ التّـيّـار، بل يبـدو أميـنـا لِـمَـا هـو راسـخٌ في ذلك المحيـط، مـدروجٌ عليـه ومـألوف. أمّـا حيـن نَـزِن مـعتَـقَـدَه في الكـلام/ السّـلطـة بميـزان المجتمع ومحـصَّـلةِ قِـيـمه وعـوائـدِه ويـقيـنـيّـاتـه فسنُـلْـفيـه ابـنَ بيـئـتـه الاجتماعيّـة بأكـثـر ممّـا كـنّـا نظـنّ؛ الابـن الذي يعيـد، بـزهـوه واستـعلائـه الطّـاووسـيّ، إنتـاج مـا ترك الأقـدمـون فـيـنا من بصْـمات... وروائـح!
تُـطْـلِـعنا ظاهـرة المتـكـلِّـم وحـده على عـقـيـدةٍ ثـقافـيّـة مستـبـدّة بالوعـي العربيّ، والوعـي الإسلامـيّ عمـوما، يـفـكّـر أهـلُ القلـم من داخلـها على اختـلاف مياديـن الـدّرس عنـدهم: فـقهاءً كانوا أو مؤرّخيـن، أو فـلاسفـةً، أو عـلمـاءَ سياسـةٍ واجتـماع، أو أدبـاءً؛ أعـني بـها عقـيدة حيـازة الحـقيـقة الحيـازة الحصريّـة. مـن تصـيـبـه حمّى هـذه العـقيـدة لا يعـود لـديـه ولو شبـهـةُ استـعدادٍ للإصـغـاء إلى غيره؛ إذْ كـيف لمالكِ الحـقيـقة أن يتـلـقّـى «حـقيـقةً» أخـرى مـن غيره والحالُ أنّ الحـقيـقةَ واحـدةٌ لا اثـنـتـان، ولو حصـل وكانت هناك حـقيـقـتـان لَـتَـبَـيَّـن أنّ إحـداهُـما مغـلوطـة، أي ليست حقـيقـة (على مثـال ما كـان يقـول لينين عن أوحـديّـة التّـمثـيل السّياسيّ، وعـن أنّـه إذا كـان هناك حـزبـان شيوعـيّـان في بـلـدٍ واحـد فـإنّ أحـدَهـما، لا محالة، انـتـهازيّ). مَـن يسـكـنه هـذا الاعـتـقـاد بامتـلاك الحـقيـقـة لا يُـلـقي بـالا إلاّ لكـلامٍ واحـدٍ مبـنـيٍّ على ضميـرٍ واحـد هو ضميـر المتـكـلِّـم. وما أغـنانا عـن التّـنـفيـل والإفاضـة في الشّـرح لبيان وجـوه الاستحالة أمام إمكـانِ نشـأة أيِّ لحـظـةِ حـوارٍ في الثّـقـافـة التي يكـون هـذا المتـكـلِّـم وحـده نـموذجَ المثـقّـف فيها!
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: فی الکـلام الس ـلطـة ـم وحـده الذی ی
إقرأ أيضاً:
حسن بدير.. من هو القيادي في حزب الله الذي استهدفته إسرائيل؟
قال مصدر أمني لبناني إن ضربة جوية إسرائيلية على الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت قتلت 4 أشخاص، اليوم الثلاثاء، من بينهم قيادي في جماعة حزب الله مما شكل ضغطاً إضافياً على وقف إطلاق نار هش بين إسرائيل وحزب الله المدعوم من إيران.
من هو حسن بدير؟وقال الجيش الإسرائيلي إن القيادي يدعى حسن بدير وهو عضو في وحدة تابعة لحزب الله وفيلق القدس الإيراني وإن بدير قدم المساعدة لحركة حماس على تخطيط "هجوم إرهابي كبير ووشيك على مدنيين إسرائيليين".
وذكر المصدر الأمني اللبناني أن الهدف من الضربة هو قيادي في حزب الله تتضمن مسؤولياته الملف الفلسطيني.
وقالت وزارة الصحة اللبنانية إن الضربة قتلت 4 من بينهم امرأة وأصابت 7.
هدنة هشةوتلك هي الضربة الجوية الثانية التي تنفذها إسرائيل في غضون 5 أيام على الضاحية الجنوبية مما أضاف ضغوطاً كبيرة على وقف إطلاق نار توسطت فيه الولايات المتحدة وأنهى حرباً مدمرة نهاية العام الماضي.
وعادت الهجمات على الضاحية الجنوبية في وقت تصعيد أوسع نطاقاً في المنطقة مع استئناف إسرائيل للعمليات في قطاع غزة بعد هدنة استمرت شهرين، ومع توجيه الولايات المتحدة لضربات للحوثيين في اليمن لردعها عن مهاجمة سفن في محيط البحر الأحمر.
وقال إبراهيم الموسوي النائب عن حزب الله إن الهجوم الإسرائيلي يصل إلى حد الاعتداء السافر الذي يصعد الموقف لمستوى مختلف تماماً.
وأضاف في تصريح نقله التلفزيون بعد زيارة موقع البناية التي استهدفتها الضربة أن على الدولة اللبنانية تفعيل أعلى مستويات الدبلوماسية للتوصل إلى حل.
تهديد حقيقيوقال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن عنصر حزب الله المقتول شكل "تهديداً حقيقياً ووشيكاً... نتوقع من لبنان التصرف للقضاء على المنظمات الإرهابية التي تعمل من داخل حدودها ضد إسرائيل".
ووجهت إسرائيل ضربات قاصمة لحزب الله في الحرب وقتل الآلاف من مقاتليه ودمرت أغلب ترسانته وأكبر قياداته ومن بينهم الأمين العام حسن نصر الله.
ونفت جماعة حزب الله أي ضلوع لها في الهجمات الصاروخية التي وقعت في الآونة الأخيرة من لبنان صوب إسرائيل، بما شمل هجوماً دفع إسرائيل لشن ضربة جوية على الضاحية الجنوبية يوم الجمعة.
وقال مراسل لرويترز في موقع الحدث إن الضربة الجوية ألحقت على ما يبدو أضراراً بالطوابق الثلاثة العليا من مبنى في الضاحية الجنوبية لبيروت وتحطمت شرفات تلك الطوابق. وظل زجاج الطوابق السفلية سليماً، مما يشير إلى أن الضربة كانت محددة الهدف. وتوجهت سيارات إسعاف إلى المكان لنقل القتلى والمصابين.
ولم يصدر تحذير بإخلاء المنطقة قبل الضربة، وأفاد شهود بأن عائلات فرت في أعقابها إلى مناطق أخرى من بيروت.
تنديد لبنانيوندد الرئيس اللبناني جوزاف عون اليوم الثلاثاء بالضربة الجوية الإسرائيلية التي وقعت اليوم الثلاثاء ووصفها بأنها "إنذار خطير حول النيات المبيتة ضد لبنان".
وأضاف عون "التمادي الإسرائيلي في عدوانيته يقتضي منا المزيد من الجهد لمخاطبة أصدقاء لبنان في العالم وحشدهم دعما لحقنا في سيادة كاملة على أرضنا".
كما ندد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام بالغارة الإسرائيلية واعتبرها انتهاكا صارخا لقرار مجلس الأمن رقم 1701 واتفاق وقف إطلاق النار.
وأكد سلام أنه يتابع عن كثب تداعيات الضربة بالتنسيق مع وزيري الدفاع والداخلية.
وفي نوفمبر (تشرين الثاني) أوقف اتفاق وقف إطلاق النار الصراع الذي استمر عاما ونص على إخلاء جنوب لبنان من عناصر وأسلحة جماعة حزب الله وأن تنسحب القوات البرية الإسرائيلية من المنطقة وأن ينشر الجيش اللبناني قوات فيها. لكن كل طرف يتهم الآخر بعدم الالتزام الكامل بهذه الشروط.
وتقول إسرائيل إن حزب الله لا يزال لديه بنية تحتية في جنوب لبنان بينما تقول جماعة حزب الله ولبنان إن إسرائيل محتلة لأراض لبنانية ولم تنسحب من خمسة مواقع.
وقالت وزارة الخارجية الأمريكية اليوم الثلاثاء إن إسرائيل تدافع عن نفسها ضد هجمات صاروخية انطلقت من لبنان، وإن واشنطن تحمل "الإرهابيين" مسؤولية استئناف الأعمال القتالية.