لجريدة عمان:
2025-04-03@02:28:50 GMT

صعودُ الصين.. فرصةٌ للغرب أم تهديدٌ له؟

تاريخ النشر: 17th, July 2024 GMT

إن تنمية بُلدان الجنوب العالمي، ومجموعة البريكس، ودولِ الحزام والطريق تمثل التحول من العالم القديم أحادي القطب إلى عالم متعدد الأقطاب، وهذا تحول يسهم بشكل كبير في الاقتصاد العالمي، ولا يمكن إيقافه.

ومن المؤسف أن الغرب ينظر غالباً إلى التطور السريع الذي تشهده الصين بعين الريبة، إذ يواصل استراتيجياته التي غالبا ما تكون محصلتُها صِفراً في العلاقات الدولية والتجارة الدولية.

هناك طريق آخر تستطيع البلدان من خلاله التعامل مع بعضها البعض، وهو ما يسمى النهج المربح للجانبين، إذ إنّ النمو والتنمية في دولة ما يجلب فوائد لبلدان أخرى أيضا. إنني أدرك أن العلاقات بين الدول يمكن أن تتخذ شكل المنافسة أو الشراكة. إن المنافسة من أجل المنافسة ستكون محصلتـُها صفرا، ومن المؤسف أن الغرب أصبح ينظر إلى العلاقات بين الدول باعتبارها منافسة. ومن ناحية أخرى، فإن الدول التي تسعى إلى تحقيق المنفعة المتبادلة، تنظر إلى العلاقات بينها وبين الدول الأخرى على أنها شراكات.

لقد أدى النمو الاقتصادي في الصين إلى تحسين حياة الشعب الصيني، وأوجد سوقا ضخمة تتميز بارتفاع الطلب على السلع والخدمات. وقد وفّر هذا التوسع الديموغرافي سوقا مربحة للمنتجات الغربية عالية الجودة لفئة الدخل المتوسط، التي تشهد ارتفاعا في عدد المنتمين إليها في الصين.

ولذلك، يتعين على الغرب بقيادة الولايات المتحدة أن يتقبل أن التجارة ليست لعبة محصلتها صفر. إنّ نمو الاقتصاد الصيني يعمل على تحفيز الطلب العالمي، مما يفيد شركائها التجاريين من خلال توفير سبل جديدة للصادرات. والواقع أن شركات الاتحاد الأوروبي كانت تستفيد (وتستطيع أن تستمر في الاستفادة) من الطلب الصيني على السلع الفاخرة، ومنتجات السيارات، والتصنيع المتطور. ومن خلال تعزيز العلاقات التجارية وتقليص الحواجز التجارية، يستطيع الاتحاد الأوروبي والصين تحقيق الرخاء الاقتصادي المتبادل.

إن عقلية الاستراتيجيّة التي محصلتها صفر، التي ترى أنّ مكسب أحد الأطراف هو خسارة لطرف آخر، عفا عليها الزمن وتؤدي إلى نتائج عكسية. وبدلا من ذلك، يتعين على البلدان أن تتبنى نهجا مربحا للجانبين في العلاقات الدولية. ومن خلال التعاون مع الصين، يستطيع الاتحاد الأوروبي وبقية الغرب أن يجدوا مصالح مشتركة تعود بالنفع على الأطراف كافّة. وتعزز هذه العقلية التعاونية مناخا إيجابيّا يتقاسم فيها الأطراف الابتكارات والموارد والنمو، مما يؤدي إلى مزيد من الرخاء الشامل.

لقد حولت الاستثمارات الكبيرة في التكنولوجيا والابتكار الصين إلى دولة رائدة عالميًا في مجالات مثل الجيل الخامس والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي. ومن الممكن أن يؤدي التعاون مع الصين في هذه المجالات إلى تحفيز التقدم التكنولوجي في الغرب، ومن الممكن أن تؤدي المشاريع المشتركة والتعاون البحثي إلى إنتاج معرفة مشتركة، وتطوير التكنولوجيا، والمزيد من الإبداع.

ومن الممكن أن تستفيد أوروبا من التقدم الذي أحرزته الصين في مجال تكنولوجيا الطاقة المتجددة لتحقيق أهدافها المناخية الطموحة، إذ يمكن للجهود التعاونية في مجال البحث والتطوير أن تعمل على التعجيل بتبني التكنولوجيا الخضراء، مما سيسهم في الاستدامة العالمية. وهذا هو جوهر النهج المربح للجانبين، حيث يعمل الطرفان على تطوير قدراتهما التكنولوجية والتصدي للتحديات العالمية معًا.

كما أدى تطور الصين إلى توسع سوقها المالية، مما أوجد فرصا جديدة للمستثمرين الغربيين. إن تحرير القطاع المالي في الصين يسمح بزيادة المشاركة الأجنبية، الأمر الذي يوفر فرصاً استثمارية جذابة. وعلى هذا النحو، تستطيع المؤسسات المالية في الاتحاد الأوروبي أن تستفيد من تنويع محافظها الاستثمارية في واحد من أكثر اقتصادات العالم ديناميكية.

علاوة على ذلك، خلقت مبادرة الحزام والطريق، على الرغم من محاولات بعض الدول الغربية تشويهها، فرصا كبيرة للاستثمار في البنية التحتية والتنمية. يمكن لشركات الاتحاد الأوروبي المشاركة في مشاريع الحزام والطريق الوصول إلى أسواق جديدة والمساهمة في النمو الاقتصادي العالمي. تجسد المبادرة قيمة مشاركة جميع الأطراف في المشاريع التعاونية، مما يعزز فلسفة الفوز للجميع.

يعد التبادل الثقافي مجالا آخر توفر فيه التنمية في الصين فرصا كبيرة. ومن الممكن أن يعمل زيادة هذا التبادل الشعبي والسياحي، والتعاون في المجال التعليمي على تعزيز التفاهم المتبادل وحسن النية، في حين يمكن للدبلوماسية الثقافية أن تقوم بدور حاسم في الحد من التوترات وتعزيز العلاقات بين الصين والغرب.

علاوة على ذلك، من الممكن أن يساعد التبادل التعليمي في سد الفجوات الثقافية، وخلق جيل من القادة الذين يفهمون وجهات النظر الغربية والصينية. وهذا التفاهم المتبادل ضروري للتصدي بشكل تعاوني للتحديات العالمية.

إن واحدة من أكبر المشاكل التي تعوق تصور الغرب للتنمية في الصين تتلخص في انتشار المفاهيم الخاطئة والخوف بشأن نوايا البلاد. ومن أجل تبديد مثل هذه المفاهيم الخاطئة والمخاوف، وتعزيز التعاون، يحتاج الجانبان إلى الدخول في حوار مفتوح، وبناء الثقة.

لذا يتعين على الغرب أن ينظر إلى صعود الصين باعتباره فرصة لمزيد من التعاون، وليس تصعيدا للمنافسة والمواجهة. إنّ المشاركة البناءة وحدها، والبعد عن سياسة التقييد، من الممكن أن تؤدي إلى نتائج مفيدة للطرفين، لذلك فإن الفهم الشامل لأهداف التنمية في الصين ومواءمتها مع المصالح الغربية قد يساعد في بناء نظام عالمي أكثر استقرارا وازدهارا.

هناك فوائد كبيرة محتملة للتعاون الاقتصادي والابتكار التكنولوجي والاستثمارات والتبادلات الثقافية وبناء الثقة. ومن خلال اغتنام الفرص للقيام بذلك، يستطيع الغرب أن يعزز براعته الاقتصادية والتكنولوجية في حين يسهم في الاستقرار والرخاء العالميين. وبدلاً من الاستسلام للمخاوف والشكوك غير الضرورية، يتعين على الاتحاد الأوروبي وبقية الغرب أن يتعاملوا مع الصين بروح من التعاون والاحترام المتبادل.

إن مستقبل التنمية العالمية يكمن في الشراكات، وليس في العزلة. إنّ اعتماد نهج الفوز للجميع بدلا من الوقوع فريسة لعقلية المحصلة صِفر أمرٌ ضروريٌّ لتعزيز عالم أكثر ترابطا وازدهارا.

ميشيل جيراسي وكيل وزارة الخارجية الأسبق في وزارة التنمية الاقتصادية الإيطالية.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الاتحاد الأوروبی من الممکن أن یتعین على الغرب أن فی الصین من خلال

إقرأ أيضاً:

هل تعيد ألمانيا ضبط علاقتها مع روسيا؟

لم تكد مفاوضات السلام لإنهاء الحرب في أوكرانيا تبدأ، حتى برزت دعوات في ألمانيا لاستئناف العلاقات مع روسيا، في إشارة إلى أن إغراء العودة إلى الطاقة الرخيصة لا يزال حاضراً بقوة.

العقوبات الأوروبية ضد روسيا "عفا عليها الزمن تماماً"

وأشارت المؤرخة البريطانية الألمانية كاتيا هوير في مقال على موقع أنهيرد، إلى أن الحكومة الألمانية المقبلة بزعامة فريدريش ميرتس، قد تضم عدداً أقل من المعارضين لإعادة العلاقات مع موسكو.

وأوضحت أن نائب رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، مايكل كريتشمر، دعا إلى مراجعة العقوبات الأوروبية ضد روسيا، معتبراً أنها "عفا عليها الزمن تماماً"، ولا تتماشى مع النهج الأمريكي، كما طالب بنقاش مستمر حول مدى تأثير العقوبات على ألمانيا نفسها مقارنة بتأثيرها على روسيا.

Well, that didn’t take long. Several German politicians are already calling for their country to resume its old ties with Russia, and the likely next Chancellor is doing little to contradict them.
Is Germany heading for a Russia reset? I ask @unherd ????https://t.co/pGT1bsA08j

— Katja Hoyer (@hoyer_kat) April 1, 2025

في السياق ذاته، اقترح النائب توماس باريس إعادة تشغيل خطوط أنابيب "نورد ستريم" لنقل الغاز بمجرد استقرار الوضع في أوكرانيا، قائلاً: "بالطبع، يمكن أن يتدفق الغاز مجدداً، وستعود العلاقات إلى طبيعتها".

 ووافقه الرأي زميله في الحزب يان هاينيش، الذي اعتبر أن شراء الغاز الروسي يجب أن يبقى خياراً مطروحاً.

موقف الحزب الاشتراكي الديمقراطي

الدعوات لاستئناف العلاقات الاقتصادية مع روسيا ليست حصرية لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، فالحزب الاشتراكي الديمقراطي، الذي يقوده المستشار أولاف شولتس، يضم أيضاً مؤيدين لهذا التوجه.

وأكد ديتمار فويدكه، رئيس وزراء ولاية براندنبورغ، أنه سيكون سعيداً "إذا استطعنا العودة إلى علاقات اقتصادية طبيعية مع روسيا".

 وتكتسب تصريحاته أهمية خاصة نظراً لأن مصفاة "شفيدت" النفطية في ولايته، التي كانت تخضع سابقاً لسيطرة روسية، تُعدّ مورداً رئيسياً للوقود المستخدم في برلين، وتشكل جهة توظيف رئيسية في المنطقة.

Pro-Russia parties got almost 35% of the vote in Germany's recent election and may well get more in the next one. Putin won't be impressed for even one minute by Germany's 10-year rearmament program. There is NO time. Shut down his shadow fleet of oil tankers in the Baltic now... pic.twitter.com/EDP0irjh7n

— Robin Brooks (@robin_j_brooks) March 10, 2025 ميرتس بين المواقف المتناقضة

على الرغم من أن زعيم الاتحاد الديمقراطي المسيحي فريدريش ميرتس قدم نفسه سابقاً كداعم قوي لأوكرانيا، حيث تعهد خلال حملته الانتخابية بإرسال صواريخ "تاوروس" إلى كييف، إلا أنه لم يتحرك لوقف أصوات داخل حزبه تدعو إلى استعادة العلاقات مع روسيا، بل إن بعض أكثر مؤيديه يشغلون مواقع تفاوضية مهمة في تشكيل الائتلاف المقبل، مثل كريتشمر وباريس وهاينيش، الذين يشاركون في مناقشات حول قضايا البنية التحتية والطاقة.

وأضافت هوير أن اعتماد ألمانيا على الطاقة الروسية كان متجذراً بعمق في النموذج الاقتصادي للبلاد، مما يجعل من الصعب التخلص منه على المدى القصير.

ومع ذلك، شددت على أن ميرتس يجب أن يضمن عدم عودة برلين إلى نهجها السابق في التعامل مع موسكو بمجرد أن تسنح الفرصة.

الطاقة.. نقطة خلافية

وحتى الآن، لا يوجد توافق داخل الأحزاب الألمانية بشأن استراتيجية واضحة لحل أزمة الطاقة.

 وقبل الحرب، كانت روسيا توفر ثلث واردات ألمانيا من النفط، ونصف احتياجاتها من الفحم، وأكثر من نصف استهلاكها من الغاز.

ومع ذلك، لا توجد خطط بديلة واضحة لتعويض إمدادات الوقود الأحفوري الروسي، باستثناء تأجيل التخلص التدريجي من الفحم حتى عام 2038 بدلاً من 2030.

ويرغب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في إعادة تشغيل الطاقة النووية، لكن الحزب الاشتراكي الديمقراطي يعارض ذلك.

ومع وجود حزب الخضر، المعروف بموقفه المتشدد تجاه موسكو، في صفوف المعارضة، قد تجد الحكومة الألمانية المقبلة أن خيارها الوحيد هو العودة إلى الوقود الأحفوري الروسي، باعتباره الحد الأدنى من القاسم المشترك بين مكوناتها.

مقالات مشابهة

  • ميلوني تحذر: الرسوم الأمريكية تهدد الاقتصاد الأوروبي وتُضعف الغرب
  • ترامب يفرض رسوم جمركية على الصين والاتحاد الأوروبي واليابان وبريطانيا والهند
  • مدرب اتحاد جدة: أضعنا فرصة التقدم المبكر ضد الشباب
  • المياه والدفاع... ولكن ليس الرصاص: الاتحاد الأوروبي يعيد تخصيص الأموال الإقليمية
  • هل تعيد ألمانيا ضبط علاقتها مع روسيا؟
  • الصين مستعدة لأداء "دور بناء" لإنهاء حرب أوكرانيا
  • الاتحاد الأوروبي: حان الوقت لكسر دائرة العنف
  • الاتحاد الأوروبي: يجب العودة إلى وقف النار واستئناف المساعدات إلى غزة
  • كيف سيستجيب البنك المركزي الأوروبي للتعريفات الجمركية التي فرضها ترامب؟
  • الخارجية الروسية: لن ننسى ولن نغفر كل شيء بسرعة للشركات الأوروبية التي انسحبت من سوقنا