لجريدة عمان:
2025-04-03@02:10:11 GMT

لماذا «يجب ألا تنتصر غزة»!؟

تاريخ النشر: 17th, July 2024 GMT

عزيزي القارئ الأصيل، قبل أن تتعجل بلومي!! هيا نستقرئ الوقائع والأحداث لنكتشف إجابة هذا السؤال. قد يبدو الأمر مثيرا للسخرية والسخط على السواء، لكنني أتحدث هنا من منظور العدو لا من منظوري الذاتي، فغزة بأهلها قبل مقاوميها تمثل غصّة حقيقية في حلق كل الطغاة على السواء، ولكننا يجب أن نفنّد الأمور واحدا واحدا.

مثّلت غزة على مر السنين والحقب شوكة في حلق المشروع الاستيطاني، فلم يتمكن الصهاينة منذ بداية مشروعهم في «تدجين» غزة كما فعلوا ببقية المناطق التي أمِن فيها أهلها المحتلَّ وعايشوه طوعا أو كرها، ثم غدر بهم.

إن القضية الفلسطينية قضية شعب قبل أن تكون قضية حزب أو حكومة، وقد مرت القضية الفلسطينية بمراحل تفاوتت فيها بين المرارة والأسى، والعزة والفخر؛ ولكن المنعطف الخطير كان في اتفاقية أوسلو التي مثلت الرّسنَ الذي قبلت به جماعة ياسر عرفات حينها ولفّته حول رقبة الشعب الفلسطيني -والقضية ذاتها بالضرورة- حتى اليوم، فأضحى دور السلطة الفلسطينية الدفاع عن المستوطنين الصهاينة والوقوف في وجه أصحاب الأرض الفعليين! في مشهد يبدو خياليا ولا يمت للواقع بصلة.

«في حالة الصراع العربي الإسرائيلي مثلا، وقفت الولايات المتحدة -وحدها عمليا- ولسنوات طويلة لمنع أي عمليّة سلمية تفي بالحقوق الوطنية الفلسطينية.. يكون الفلسطينيون «نفعيين» إن هم قبلوا بحقيقة أن الولايات المتحدة هي من يضع القواعد؛ ليس لهم حقوق وطنية؛ لأن هذا ما قضت به واشنطن، وعليهم أن يقبلوا «حكما ذاتيا على غرار معسكرات أسرى الحرب» كما وصفه الصحفي الإسرائيلي داني روبنشتاين، حكما ذاتيا يستطيعون في ظله «أن يجمعوا الزبالة» على الأراضي المخصصة لهم، والتي لم تستول عليها إسرائيل، «طالما لا تحوي الزبالة علب صفيح تحمل ألوان العلم الفلسطيني»، كما يضيف أحد أنصار الحريات المدنية البارزين في إسرائيل. أما تعبير «العملية السلمية» فهو واحد آخر من التعابير السياسية التي تشير إلى ما تفعله الولايات المتحدة مهما يكن، بما في ذلك منع السلمية ذاتها، كما في هذه الحالة وحالات كثيرة غيرها. من كتاب «سنة 501 الغزو مستمر»، لنعوم تشومسكي.

أهل غزة بشر كغيرهم، يشعرون بمآسي الاحتلال، وليس من الحق في شيء أن يظن أحد بأنهم سعداء بموتهم تحت ركام منازلهم أو بشظايا الاحتلال وقنابله الحارقة؛ ولكن هذا لا يعني أنهم يقبلون بالاحتلال أيضا ويداهنونه. فهم يتمنون أن تنتهي عملية الإبادة الممنهجة ضدهم، ويتمنون لو يُتاح لهم الهرب من هذا الجحيم؛ لكنهم لا يقبلون أن يكونوا ألعوبة بيد الاحتلال فيسلموه قادتهم أو يكونوا جواسيس عنده، فضلا عن عار الخيانة في الأساس، لا يمكن لأحد قُتِلَ أبواه أو إخوته أمام عينيه أن يمد يده لقاتلهم!. لماذا أتحدث عن هذه البديهيات؟ لأن هنالك أصواتا تطلب من أهل غزة أن لا يستسلموا وأن يصمدوا ويصبروا في وجه الإبادة، وهو طلب نبيل نعم؛ لكن معناه الضمني أنهم يجب أن ينتظروا الشهادة ولا يتمنوا انتهاء الحرب!. وهي حماقة حقيقية، فأهل غزة بشر عاديون طبيعيون يحبون الحياة ويقاتلون للبقاء على قيدها، ومن السهل بمكان أن يطلب إنسان متكئ على أريكته الوثيرة أو وهو يحتسي قهوته الفاخرة من الجائع الذي يتمنى أن يجد ورق الشجر ليأكله! من السهل أن يطلب منه الصبر، لكن لا يمكن لهذا السائل أن يتخيل نفسه في مكان الجائع الهارب من الموت والحر والجوع والعطش والكلاب الضالة؛ فما أسهل أن يخبرك أحدهم بما يجب أن تفعله وهو لا يستطيع مجرد تخيّل ما يحصل على أرض الواقع.

بفضل التكنولوجيا الحديثة والإعلام الحر، لم تعد الرواية الصحيحة هي ما تتناقله وسائل الإعلام، والتي لا تنطق إلا بما يفيد ممولها الرئيس؛ بل أضحت الحقيقة متاحة للجمهور من خلال الدفق المعلوماتي الحر؛ لأجل هذا كله، كانت الخسارة مضاعفة على الاحتلال وأبيه الروحي؛ فأن يندثر عمل عقود طويلة من الشر المطلق في استباحة الدماء والأراضي وترويج هذه الاستباحة برواية صهيونية تدّعي مظلومية الظالم في مواجهة وحشية «مغتصبي الأراضي، كارهي اليهود، الإرهابيين» -كما تروّج البروباغاندا الاستعمارية- لهي خسارة كبيرة. فكل المشروعات الاستيطانية تمتد قوتها واستمراريتها من شريان وسيط، لا من ذاتها؛ فكيف يستمر المشروع الاستيطاني بعدما تحولت غزة إلى فكرة تلهم شعوب العالم الراسنة تحت نير العبودية للقوى المتعطشة للدماء والثروات؟ فلم تعد لعبارات «نشر الديمقراطية» و«المُثُل العُليا» و«التقدم والحريات» معنى حين تتفوه بها دولة عظمى تصوّب سلاحها في وجه أمة من العالم الثالث أقصى ما يحلم به أهلها هو متنفس من الحياة الكريمة.

ومع الطفرة الهائلة في الإعلام الرقمي، أضحت شعوب العالم تدرك أن هنالك دولا متنمرة تستقوي على الضعيف لتبتز الجبناء، تماما كما يفعل المتنمرون في المدرسة؛ وأن دوام استنزاف الثروات لأجل هذا المتنمر الفاسد يكون بضعف المُتَنَمَّرِ عليه وجُبنه، رغم أن انفتاح العالم وتعدد الأقطاب فيه صار واقعا حقيقيا -وإن كان ربابنة السلاح- لا يروق لهم هذا الواقع الجديد، وفق المقاسات الإمبريالية لحرية التعبير والإرهاب الذي صار مرتبطا بكل ما هو عربي أولا، وإسلامي ثانيا؛ في تدليس واضح ومستمر لقافلة الأدلجة الواهية.

وإجابة عن سؤال لماذا لا يجب أن تنتصر غزة؟ كي لا تكون مثالا يُحتذى لشعوب العالم المظلومة والمنهوبة على السواء. وأينما أراد شعب أن يؤمِّمَ ثرواته؛ جاءت طائرات الـ F-16 وألقت عليه قنابلها الديمقراطية مبدئيا، قبل أن تطلق عليه غيرها من الأسلحة الأكثر فاعلية وأثرا لنشر الديمقراطية والحرية. و«القول بوجود ما هو أكثر من الصدفة في التلازم بين الاستقلال والتطور يأتي من النظر إلى أوروبا الغربية، حيث سلكت الأجزاء التي استُعمرت فيها دروبا أشبه ما تكون بدروب العالم الثالث. تقدّم إيرلندا مثالا بارزا على ذلك، فقد غُزيت أولا ثم مُنعت من التطور باستخدام مبادئ «التجارة الحرة» التي تطبق انتقائيا لتضمن تبعية الجنوب. يسمّونها اليوم «الإصلاحات الهيكلية»، و«الليبرالية الجديدة»، أو «مُثُلُنا النبيلة» التي -بكل تأكيد- نحن منها مُستَثنَون». ويُضيف تشومسكي في عالم ينادي بالمساواة، وحق الإنسان في الحياة الكريمة ؛ تتبّدى يوما بعد يوم بصورة أوضح أن هذه المُثُل حكرٌ على الدول الأوروبية وأمريكا، وأن بقية العالم ليست سوى مادة تنتفع بها هذه الدول -العظمى- وهو ما يذهب إليه تشومسكي -اليهودي الأمريكي - الذي نشر كتابه للمرة الأولى عام 1996م بقوله: «إن الدعم المقدم لمصر وإسرائيل وتركيا، وهي الدول الأكثر تلقيا للمعونة الأمريكية في السنوات الأخيرة، يجد دوافعه في الدور الذي تلعبه هذه الدول في المحافظة على الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط بما يملكه من احتياطات الطاقة الهائلة». وتدعو روسيا اليوم -بعد أن اكتوت بنيران الغرب- إلى عالم متعدد الأقطاب، وتحذّر من أن القطب الأوحد الذي يدين له الجميع بالانحناء وبكل شيء تقريبا، هو الدمار المحدق بالعالم؛ وهو أمر صحيح فعلا، لكن هل سيكون تعدد الأقطاب خيرا على العالم؟ أم سيستمر انتهاك القوي للضعيف رغم هذا التعدد؟.. لا أحد يعلم يقينا، لكنّ ما يتفق عليه الناس الطبيعيون -عدا السياسيين والمنتفعين اقتصاديا- أن ما يحدث من قتل وتجويع وتشريد في شتى أنحاء العالم، هو ظُلم لا يُطاق ولا ينبغي أن يكون بغضّ النظر عن دين وعِرق وجنس المقهورين في هذا العالم.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: یجب أن

إقرأ أيضاً:

لماذا يعتبر الاحتلال عمليته برفح الأهم منذ استئناف الحرب؟

قال الخبير العسكري العميد إلياس حنا إن توسيع جيش الاحتلال الإسرائيلي عمليته البرية في رفح جنوبي قطاع غزة تعد الأهم منذ استئناف الحرب يوم 18 مارس/آذار الماضي، معددا الأهداف التي تسعى القوات الإسرائيلية لتحقيقها.

وأوضح حنا -في معرض تحليله التطورات العسكرية بغزة- أن العملية تعد مدخلا إلى محور فيلادلفيا ومعبر رفح إلى مصر، ومن ثم فإنه يمكن تهجير الناس إلى منطقة المواصي غربا، والوصول إلى مدينة خان يونس.

ووفق الخبير العسكري، فإن جيش الاحتلال ينفذ عملية "كماشة" من الجنوب والشرق بهدف تقسيم القطاع في ظل وجود محاور فيلادلفيا، وكيسوفيم، ونتساريم، ومحاولة الدخول إلى بيت لاهيا وبيت حانون شمالا.

ومهد جيش الاحتلال لتوسيع عمليته البرية في محافظة رفح، التي تعتبر إحدى 5 محافظات في القطاع، وأصدر أوامر لسكان المحافظة الحدودية مع مصر بالإخلاء القسري لمناطق واسعة.

وأعرب حنا عن قناعته بأن جيش الاحتلال ينفذ عملية قضم متدرجة وتقطيع لأوصال القطاع ودفع الغزيين إلى مكان فارغ من أجل عزل المقاومة، في إطار سعيه للوصول إلى الأماكن السكنية بعدها، وهي مركز ثقل المقاتلين.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن قوات تسيطر على محور موراغ، الذي يقع بين رفح وخان يونس، ووصفه بأنه سيكون "محور فيلادلفيا الثاني"، مشيرا إلى أن الجيش يقوم بـ"زيادة الضغط في قطاع غزة خطوة بعد خطوة حتى نعيد المخطوفين".

إعلان

ويسيطر الاحتلال على ما يصفه بـ"حزام أمني" بعرض 700 متر إلى كيلومتر واحد في عمق غزة يحيط بكل القطاع، كذلك أصر على البقاء على الحدود بين مصر وقطاع غزة في محور فيلادلفيا.

بدوره، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، اليوم الأربعاء، توسيع نطاق العملية العسكرية في غزة بشكل كبير، وقال إنه من المقرر السيطرة على مساحات واسعة من القطاع وضمها إلى المناطق الأمنية الإسرائيلية.

ويريد الاحتلال من هذه العملية -حسب حنا- الدخول إلى عمق القطاع عندما يريد وكيفما يريد وفي الوقت الذي يريده من دون مقاومة.

وأكد الخبير العسكري عدم وجود اشتباكات مباشرة بين المقاومة والاحتلال من المسافة صفر باستثناء الصواريخ التي أطلقت على تل أبيب ومستوطنات غلاف غزة.

وأرجع ذلك إلى أن المقاومة تحاول الاقتصاد في مخزونها للمرحلة المقبلة، إضافة إلى أن أي عملية اشتباك "قد تؤدي إلى انهيار منظومة مفاوضات وقف إطلاق النار".

وحسب حنا، فإن نتنياهو يضع العمل العسكري أولوية لاستعادة الأسرى المحتجزين، إذ يعتقد أنها فرصة إستراتيجية لتغيير معالم غزة وأرضها.

مقالات مشابهة

  • ترامب يعلن عن نسب الرسوم التي سيفرضها على عدد من دول العالم والعربية
  • ترامب يعلن عن نسب الرسوم التي يعتزم فرضها على عدد من دول العالم
  • لماذا لجأت الشركات الملاحية لـ”المسارات الطويلة بدلاً عن “البحر الأحمر”
  • لماذا يعتبر الاحتلال عمليته برفح الأهم منذ استئناف الحرب؟
  • لماذا قام إيلون ماسك بدمج شركته للذكاء الاصطناعي مع منصة "إكس" وما خطورة ذلك؟
  • الجندي السعودي الذي إتفق الجميع على حبه
  • لماذا يلقي حزب الله على الدولة هذا الحمل الثقيل؟
  • إرادة الحياة تنتصر.. أجواء الفرح في إدلب في أول عيد بعد تحرير سوريا
  • لماذا سقط الحلاق المتحمّس؟!
  • لماذا يستحيل على ترامب الترشح لولاية ثالثة؟