قال رئيس الحراك الوطني في السودان التجاني سيسي إن هناك أخطاء كبيرة ارتكبت في الفترة الانتقالية، ومنها الإقصاء الذي اتبعته قوى الحرية والتغيير، وما نتج عنه من اتساع الهوة بين مكونات المجتمع السوداني، وأدى في النهاية إلى اندلاع الحرب في 15 أبريل/نيسان 2023.

وأضاف رئيس الحراك الوطني بالسودان -في مقابلة مع الجزيرة نت- أن الوطن يواجه استقطابا سياسيا وجهويا وقبليا وإثنيا، وقوات الدعم السريع استثمرت في كل هذه الصراعات، وحشدت أنصارا لها حتى قبيل اندلاع الأزمة الأخيرة.

وتحدث سيسي عن الدور الإقليمي وتأثير الأجندة الدولية في تأجيج الصراع في السودان، وقال إن التمويل الخارجي هو السبب الأساسي في استمرار الحرب حتى الآن، ولن تُوقف قوات الدعم السريع إطلاق النار إلا إذا أوقف الممول الخارجي دعمه.

وفي كلمات تتوشح بالحزن بيّن أن حل الصراع "لم يعد في يد السودانيين كما كنا نتمنى أو نعمل على ذلك"، ولكن "مع الأسف هناك تدخلات كثيرة توجه مجموعات في الداخل لتصل إلى حل يرضي الجهات الخارجية، ولا يرضينا نحن السودانيين".

والتجاني سيسي نال درجتي الماجستير والدكتوراه في إدارة الأعمال من المملكة المتحدة، وتقلد عدة مناصب في هيئات دولية وتابعة للأمم المتحدة، وكان حاكما لدارفور عام 1988، وفي عام 2011 أصبح رئيسا للسلطة الانتقالية في دارفور بموجب اتفاق الدوحة للسلام، وهو حاليا رئيس حزب التحرير والعدالة القومي.

وإلى تفاصيل اللقاء..

كيف وصل السودان إلى هذه المرحلة من الصراع؟

الأزمة في السودان قديمة ومتجددة، كما أنها متجذرة في مكونات الدولة المختلفة منذ فجر الاستقلال، وهذا يرجع إلى عدة أسباب:

فشل النخب التي تعاقبت على حكم السودان في التوافق على نظام الحكم في البلاد. إساءة إدارة التنوع الإثني والقبلي والجهوي الكبير في السودان. فشل النخب السياسية في وضع دستور دائم للبلاد، ومنذ الاستقلال يحكم السودان بدساتير انتقالية. عدم القدرة على تحديد هوية البلد ورؤيته المستقبلية مما أدى إلى مجموعة من الانقلابات والهبات والثورات والحكومات الانتقالية.

لكن الفترة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام الإنقاذ شهدت عدة أخطاء، ومنها أن الحرية والتغيير اتبعت منهج الإقصاء، رغم أن الوطن يواجه استقطابا سياسيا وجهويا وقبليا وإثنيا، ومن الصعوبة لأي فئة أن تنفرد بالقرار الوطني وتقصي الآخرين، وهذا الاستقطاب لم يقف عند القوى السياسية والمجتمعية، بل امتد إلى القوات العسكرية.

إذا خرج البرهان وحميدتي من المشهد ينتهي الصراع؟

أنا لا أعتقد ذلك، لأن الصراع أصبح متجذرا، وفيه أبعاد كثيرة جدا، ومستويات مختلفة بين صراعات عسكرية، وسياسية، وإثنية، وقبلية، وهناك صرعات مجتمعية مختلفة، فالقضية السودانية الآن أصبحت معقدة.

وأنا لا أعتقد أيضا أن غياب الاثنين (رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان حميدتي) يؤدي إلى حل القضية، لأن ذلك ينتهي بأن توقف قوات الدعم السريع اعتداءاتها على المواطنين، ولن تتوقف هذه القوات إلا عندما تجبرها الجهات التي تمولها على وقف إطلاق النار.

كما أن كل السياسات التي اتبعتها الفترة الانتقالية أدت إلى اتساع الهوة بين المجموعات العرقية المختلفة، وانتقلت مشاكل الاستقصاء والكراهية من ميدان السياسة إلى وسائل التواصل الاجتماعي وتداولها الناس، ثم جاءت قوات الدعم السريع ولعبت على هذه الصراعات، كما استعانت بها جهات سياسية من أجل الوصول لحكم السودان.

ما تأثيرات التدخل الإقليمي في الصراع السوداني؟

نشكر بداية كل الجهات التي قامت بزيارة السودان للتشاور أو طرح رؤيتها أو لتفهم رؤية الحكومة السودانية، وأنا أعتقد أن منبر جدة في المملكة العربية السعودية هو الوحيد الذي يمكن أن يتم التفاوض فيه حول المسار العسكري للوصول إلى وقف إطلاق النار.

ورغم بعض المآخذ على الحكومية الإثيوبية والخلافات الحدودية، فإن زيارة رئيس الوزراء آبي أحمد مؤخرا قد تذيب الجليد في العلاقات السودانية الإثيوبية.

ولكن، أنا أعتقد أنه مهما كثرت الزيارات فإن هناك قضايا أساسية -مثل وقف إطلاق النار- إذا أراد المجتمعان الدولي والإقليمي أن تنتهي فينبغي أن يمارسا ضغوطا على الأطراف المتصارعة، خاصة الدعم السريع، حتى ينسحب من منازل المواطنين والأعيان المدنية، وكذلك على الجهات التي تموله وتدعمه حتى توقف هذه الإمدادات.

تعددت المؤتمرات مؤخرا بحثا عن مخرج للأزمة في السودان، فما الذي تحقق منها؟

تأتي أهمية مؤتمر جنيف أنه يضم ممثلين عن الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ورغم أن المباحثات ستكون غير مباشرة بين المجتمعين، فإنها الأولى منذ فترة التي يجتمع فيها الطرفان، كما أن هذه المباحثات تتعلق بالشأن الإنساني وكيفية وصول المساعدات الإغاثية إلى النازحين السودانيين.

أما مؤتمر القاهرة، فإننا نحمد لجمهورية مصر العربية قيامها بمبادرة لجمع السودانيين من أجل التشاور والتباحث، ورغم أنني كنت ضمن الحضور فإنني غادرت في اليوم الأول لارتباط آخر، وهذا المؤتمر لم يخرج بالنتيجة التي انتظرها المنظمون نتيجة عدم التوافق على البيان الختامي الصادر عن المؤتمر.

ومصر لا تتمتع بعلاقات وطيدة فقط مع السودان، بل هناك علاقات إستراتيجية ولها أبعاد أمنية وقومية، وتتأثر بما يحدث في السودان، كما أنها حريصة على احتواء الأزمة لأنها تتأثر جدا بها، حيث تستضيف آلاف السودانيين الذين هجروا من منازلهم؛ ومن هذا المنظور يأتي التدخل المصري.

التقارير الدولية تتحدث عن أوضاع إنسانية ومعيشية مأساوية، فإلى متى تستمر هذه المآسي؟

يتعرض السودانيون لمأساة كبيرة؛ فنحو 14 مليون سوداني تأثروا بهذه الحرب، وهناك مظاهر لمجاعة تلوح في الأفق، لكن العالم يتحدث كثيرا ويصرخ كثيرا ولا يقدم كثيرا، والاستجابة الدولية للمأساة الإنسانية في السودان مخجلة.

وهناك مناطق عديدة يمكن الوصول إليها وإغاثة النازحين فيها، ولكنهم تُركوا لهجمات الدعم السريع، كما أن المؤسسات الدولية لها أجندتها الخاصة في صرف المساعدات؛ فمثلا مؤسسة إغاثية تقوم برصف طريق إلى منطقة الجنينة (غربي السودان) بحجة تسهيل إيصال المساعدات في حين يقف النازحون على جانبي الطريق بلا طعام.

ومع ذلك ينبغي أن أشيد بالدور الذي تقوم به دولة قطر، فما زلنا نشاهد طائراتها التي تنقل الإغاثة إلى السودان بلا كلل أو ملل، وما زال عطاؤها الإنساني لا يتوقف للمتضررين من هذه المحنة، في الوقت الذي تقوم فيه طائرات دولة أخرى بنقل السلاح والعتاد لجهات معينة لتؤدي إلى المزيد من إشعال الحرب. لذلك نحن نشكر دولة قطر أميرا وشعبا وحكومة ونتمنى أن يستمر هذا العطاء.

هل ما زال الحل في يد السودانيين؟

نحن كنا نأمل أن يكون الحل في يد السودانيين، وما زلنا نعمل من أجل أن يبقى الحل بإرادة وطنية سودانية كاملة، ولكن مع الأسف نشعر الآن بأن الحل لم يعد في يد السودانيين، فهناك تدخلات كثيرة جدا وهي التي توجه بعض المجموعات لتصل إلى حلول ليس لأنها ترضي السودانيين، ولكنها ترضي هذه الجهات الخارجية.

وينبغي علينا أن نعمل من أجل إرساء دعائم حل سوداني سوداني، وحل يواكب وضعنا في هذه المرحلة، وحل يحقق مصالحنا الإستراتيجية ومصالحنا كذلك مع هذه الدول التي تتنافس على مواردنا، ويمكن أن نتوافق حول شراكات لاستثمارات يمكن أن تعود علينا بالمصلحة وعليهم أيضا.

ولكن مع الأسف يبدو أن الأجندة الفاعلة الآن في الساحة هي الأجندة التي تقود إلى حل يكون في مصلحة الدول الخارجية، ويعد لجوء بعض السودانيون إلى الخارج حتى يعودوا إلى سدة الحكم أمرا خطيرا، وسيؤدي إلى المزيد من التصعيد في السودان وهشاشة الدولة، ويمكن أن يؤدي في نهاية الأمر إلى الانهيار.

وماذا عن الحل؟

أعتقد أن مستقبل السودان ينبغي أن يظل موحدا، ولكي نصل إلى ذلك علينا ما يلي:

الرجوع إلى التاريخ وجذور الأزمة السودانية وأن نتوافق حول نظام الحكم وشكله، وأن نترك الهوس بمركزية الحكم في السودان. التباين الذي يتمتع به السودان يفرض علينا أن يتم توزيع السلطات بين مستويات الحكم المختلفة. التوافق على هوية واحدة، بعيدا عن القوميات العربية أو الأفريقية، لأن ذلك يؤدي إلى الاستغلال والنزاعات المسلحة. التوافق حول دستور دائم بعيدا عن الدساتير الانتقالية. قبل الوصول إلى الانتخابات ينبغي أن ننتهي من كل المشكلات العالقة والتحديات التاريخية، ولا ترحل إلى الحكومات المنتخبة لأنها تكون ضعيفة ولا يوجد حزب يحقق الأغلبية. استرجاع الثقة بين المكونات الأهلية والسياسية عبر مجموعة من الورش التي تقود إلى مؤتمر سوداني سوداني لنتوافق على القضايا الانتقالية وبناء التوافق المجتمعي. إقامة مظلة واحدة للتفاوض من أجل وقف إطلاق النار والوصول إلى حلول للأزمة، بعيدا عن تعدد المبادرات التي تؤدي إلى تشظي الجهود وكثرة الأجندات والأهداف الخارجية. يجب أن نعي الأطماع التي تستهدف مواردنا، وأن نحمي هذه الدولة من الانهيار ونحمي وحدتها ووحدة شعبها.

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حراك الجامعات حريات الفترة الانتقالیة قوات الدعم السریع وقف إطلاق النار فی السودان إلى حل کما أن من أجل

إقرأ أيضاً:

رؤية استشرافية لمستقبل السودان بعد سيطرة الجيش على العاصمة

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

سيناريوهات الحرب في السودان ربما تذهب إلى الأسوأ بعد أنّ نجحت القوات المسلحة السودانية في تحرير العاصمة الخرطوم، وما تبعها من السيطرة الكاملة على القصر الجمهوري، في 21 مارس من العام 2025.

صحيح سيطرة القوات المسلحة السودانية مازالت رمزية، بعد أنّ نجح الجيش في السيطرة على بعض المؤسسات الحيوية داخل العاصمة، منها مبنى المخابرات العامة وبعض الوزارات، إلا أنّ السيطرة على القصر الجمهوري حمل دلالة رمزية فهو مركز الحكم، ويُعبر عن رمز القوة والسيطرة والحكم في آن واحد.

صحيح هناك طرف ربما حسم جزءً من الصراع لصالحه بهذه السيطرة، إلا أنها سوف تظل رمزية في ظل الصراع الدائر بين الفريق عبد الفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة، ومحمد حمدان دقلو والمعروف بـ "حميدتي"، نائب رئيس مجلس السيادة وقائد قوات الدعم السريع، لكن هذا لا يُعني الاستقرار السياسي في السودان ولا يُعني بالتبعية حسمًا عسكريًا كاملُا للجيش!

المتأمل للخلاف ما بين الخصمين الكبيرين في السودان يُدرك صعوبة التقارب بينهما، ولهذا فشلت كل مراحل التقارب السعودي بينهما؛ خاصة وأنّ الخلاف حول خطط المرحلة الانتقالية نحو حكم مدني، أو ما يُعرف بالاتفاق الإطاري، خاصة وأنّ الجيش أزاح حكومة عبد الله حمدوك من السلطة في أكتوبر من العام 2021، وهو ما ترفضه قوات الدعم السريع أو على الأقل ما أعلنت عن رفضة علنًا.

قوات الدعم السريع أعلنت عن رفضها إزاحة حمدوك من السلطة رغم أنها كانت مشاركة في القرار أو على الأقل كانت راضية عنه، وهي تتحمل جزءًا منه.

أما نقطة الخلاف الأبرز بين قوات الجيش والدعم السريع فهي على البرنامج الزمني المقرر لدمج قوات الدعم في صفوف الجيش النظامي؛ فالجيش يضع عامين كإطار زمني، بينما يضع الدعم السريع 10 سنوات كإطار زمني؛ وهنا الجيش يُريد ابتلاع القوة العسكرية المرادفة له والمنافسة لوجوده، بينما ترفض الأخيرة وترى نفسها بديلًا له.

 

دلالات المواجهة العسكرية وانتصارات الجيش

هناك معادلات ربما ساعدت في تحقيق انتصارات عسكرية للجيش خلال الفترة الأخيرة بعد أنّ تم دعمه بالمسيرات والأسلحة من قبل الثلاثي، روسيا وإيران وتركيا؛ لكن المؤشرات تؤكد أنّ انسحاب قوات الدعم السريع  من العاصمة الخرطوم كان تكتيكًا عسكرية، وأنه سوف يُعاود شن هجمات بمسيرات بهدف تشتيت قوات الجيش وتحميها خسائر فادحة.

وهنا يطرح خبراء عسكريون أنّ الانسحاب ليس بسبب قوة الجيش ولا لتراجع قوات الدعم السريع عسكريًا، ولكن لأنّ الأخيرة أرادت استنزاف الجيش على المدى البعيد عبر ضربات توجهها له من خلال وجودها في المقاومة، وهنا ترفع عن نفسها عبئ حماية العاصمة وتحمل تبعات المواجهة العسكرية على عتبات الخرطوم.

وهنا أدركت قوات الدعم السريع أنّ استمرار تمركزها في العاصمة بات عبئًا عسكريًا، فأرادت أنّ تتحرر من ذلك وتنتقل من فكرة المدافع إلى المهاجم، وهنا سوف تنقلب المعركة لصالحها بعد انهاء فترة تدريب مقاتليها على المسيرات التي تم دعمها بها.

وبحكم بنية قوات الدعم السريع وطبيعة عملها الميلشياوي، فقد تنجح في شن هجمات سريعة وخاطفة ربما تنهك قوات الجيش السوداني المنهك بفعل الحرب الدائرة قبل عامين، وهذا ما تعول عليه قوات الدعم وداعموها.

باتت المدن والولايات المحررة على يد قوات الجيش السوداني تمثل عبئًا على كاهل قوات الدعم السريع، فإضطرت للإنسحاب التكتيكي من بعضها، بينما تتواجد بعض قواتها بصورة متخفية داخل العاصمة وتنتظر شن عدد من الهجمات على أماكن تمركز قوات الجيش في إطار سياسة الإنهاك.

كما أنّ خطة الدعم السريع تتمركز في التركيز على تشتيت قوات الأمن السودانية وتكبيدها خسائر فادحة في مدة زمنية قصيرة، ثم الدخول لاسترداد ما سبق تحريره من العاصمة وبعض المباني الحيوية.

يتم تدريب قوات الدعم السريع على استخدام بعض الأسلحة الثقيلة والمسيرات، للبدء في حرب استنزاف لقوات الجيش السوداني، ثم الانتقال إلى تعزيز المواقع العسكرية من جديد، وفق خطة أعدت لها قوات الدعم السريع سلفًا، خاصة وأنّ الأخيرة أعلنت عن قيام حكومة موازية، وهو ما يدخل أيضًا في باب الاستنزاف السياسي طويل الأمد.

هناك تحول في لغة الحرب بعد عامين، منذ أنّ أندلعت في 15 إبريل من العام 2023؛ لكن المؤشرات العسكرية والاستراتيجية بعيدة عن فكرة حسم أحد الطرفين للصراع، ولكن الحسم قد يذهب إلى سيناريو التقسيم، حيث يُشكل كل طرف متنازع حكم ذاتي على الأراضي التي يُسيطر عليها.

السودان مقسم ما بين قوات الجيش التي تُسيطر على شرق وشمال السودان وما بين قوات الدعم السريع التي تُسيطر على إقيلم دارفور وأجزاء من الجنوب وغرب السودان، فضلًا على ما حققته قوات الدعم السريع من انتصارات في منطقة المالحة في شمال دارفور.

نجح الجيش الفترة الأخيرة في تحقيق بعض الانتصارات العسكرية بعد دعم الدول المشار إليها، روسيا والصين وإيران، فضلًا عن تميزه في سلاح المدفعية والطيران والمسيرات، فضلًا عن عودة قائد قوات درع السودان إلى صفوف الجيش بعد تمرده على قوات الدعم السريع، وهو ما ساعد في استعادة الجيش لولاية الجزيرة.

لا يمكن للسودانين الذين نزحوا قبل عامين العودة إلى بلادهم في الوقت القريب بسبب انهيار البنية التحتيّة والصحيّة وانتشار الكوليرا والملاريا والحصبة الألمانية، مع توقف تام للأنظمة الصحّية الحيوية، ويُضاف لهذا المواجهة العسكرية لكل طرف من طرفي النزاع على الطرف الآخر، وهو ما يُؤدي إلى مقتل المدنين وعدم تحقيق الاستقرار الاجتماعي أو الحياة الطبيعية.

 

سيناريوهات الحرب الأهليّة وشبح التقسيم

سيناريو التقسيم مازال يفرض نفسه على الساحة السودانية حتى بعد أنّ حسم الجيش معركة العاصمة لصالحه؛ خاصة وأنّ قوات الدعم السريع سبقت بالتوقيع على ميثاق سياسي لتشكيل حكومة موازية في 22 فبراير الماضي.

السودان لا ينتظر سيناريو التقسيم فقط ولكن ينتظر سيناريو الحرب الأهليّة، فقد باتت أقرب إليها من أي وقت مضى، ولعل قراءة السيطرة على العاصمة الخرطوم هو الأقرب لهذه القراءة.

القوات المسلحة السودانية نجحت في تحرير بعض المدن والولايات التي كانت بحوزة قوات الدعم السريع على مدار عامين كاملين، لكن هذه القوات مازالت تُسيطر على مناطق داخل العاصمة والجانب الجنوبي من مطار الخرطوم، على الأقل حتى كتابة المقال التحليلي، فضلًا عن سيطرتها على ولاية دارفور ومنطقة المالحة.

عدم حسم المعركة عسكريًا من قبل أحد الطرفين يطرح بقوة سيناريو الحرب الأهلية والتقسيم في آن واحد، خاصة وأنّ هناك معادلا مهما في القضية يرتبط بوجود الإخوان المسلمين أو الكيزان في بنية الجيش السودان، الذي اعتمد عليه في هذه الحرب.

الكيزان هم من أطلقوا شرارة هذه الحرب قبل عامين، وهم أصحاب المصلحة في استمرارها، فحزب المؤتمر الوطني يُريد أنّ يعود إلى المشهد السياسي في السودان مرة أخرى، وهذا لن يتأتى إلا عبر مسارين، أحدهما مرتبط بخلط الأوراق ومن ثم استمرار الحرب، والمسار الثاني مرتبط بدور المؤتمر الوطني وعناصرة من خلال دعم الجيش السوداني في هذه الحرب، وبالتالي تكون ضريبته أنّ يُحافظ الأخير على وجوده السياسي والعسكري.

وهذا قد يُشكل خطرًا على أمن السودان والمنطقة العربية، من زاوية استمرار التقسيم، ومن زاوية عودة الإخوان أو الكيزان للمشهد السياسي، بعد الانتصار العسكري الذي حققه في العاصمة الخرطوم.

الاتهامات المتبادلة بين الجيش وقوات الدعم السريع، يُحمل فيها الأخير الجيش بأنّ الإخوان يتركزون في جزء من بنيته، وهو ما يمثل خطرًا على مفهوم الدولة الوطنية أو شعارات الثورة التي رفعتها القوى المدنية قبل عامين.

قد ينظر البعض لهذه الاتهامات على أنها مكايدة سياسية وعسكرية، هدفها تشويه الآخر، ولكن الحقيقة أنّ الإخوان مازالوا يتنفسون من رئة المؤسسة العسكرية في السودان، وهو ما يُشكل خطرًا على أمن المنطقة والعالم، ويتطلب تقدير موقف أقرب للواقع قبل أنّ تضيع السودان ما بين شبح التقسم وعودة الإرهاب من جديد.

 

انعكاسات الحرب على أمن المنطقة والعالم وانتشار الإرهاب

استمرار الحرب وهو وارد بصورة كبيرة يُعني تهديدًا لأمن المنطقة والعالم وانتشار الإرهاب والتطرف، خاصة وأنّ هناك ما يُؤكد أنّ نشاط الإخوان المسلمين مازال قائمًا، صحيح النظام السياسي تغير ولكن النظام نفسه مازال يتمتع بحيويته، وهنا نقصد بنية هذا النظام من خلال وجود الإخوان المسلمين في جزء كبير من بنية الجيش السوداني.

وفي حال حسم الجيش لهذا الصراع وهو أمر مستبعد سوف يُهدد ذلك أمن المنطقة والعالم، لأنه يُعني ببساطة شديدة عودة الإخوان المسلمين إلى المشهد السياسي، النظام الذي وفر حماية لتنظيم قاعدة الجهاد، كما أنه وفر حماية للميلشيات التابعة للإخوان المسلمين المصريين، ومنها حركة ما يُعرف بـ سواعد مصر.. حسم، وهذا لا يُعني أن سيناريو سيطرة فوات الدعم السريع هو الأفضل، فهي قوات ميلشياوية لا يمكن التعامل معها وغير قادرة على تحقيق الأمن في المنطقة أو في الداخل السوداني.

وهنا يمكن القول إنّ السودان قد يكون في طريق الذهاب إلى سيناريو الحسم لقوات الجيش المدعومة من عدد كبير من الدول المحيطة بالسودان أو الدول الكبرى، وهو ما سوف يُودي إلى نفس النتيجة.

وهنا لابد أنّ ينتبه العالم لأهميّة الموقف السياسي والعسكري واللحظة الراهنة التي تعيشها السودان، وضرورة مواجهة تبعات هذه المرحلة التي تُهدد أمن المنطقة والعالم، خاصة وأنّ المؤشرات كلها تذهب لانتشار الإرهاب والتطرف ليس فقط على الصعيد الداخلي ولكن إلى دول الجوار بل وتصديره إلى العالم.

ولابد أنّ تكون خطة المواجهة في خمس محاور،: 

-الضغط العسكري على الطرفين في السودان، ومنع وصول الأسلحة إليها، وفق قرار أممي.

-تقريب وجهات النظر عبر حوار غير مباشر بين الجيش وقوات الدعم السريع، حتى الوصول إلى تسوية يمكن البناء عليها.

-مراقبة الحدود الجغرافية لدول الجوار مع السودان لمنع أي تسللات لقوى دينية مؤدلجة ربما تُهدد أمن هذه الدول أو أمن المنطقة.

-فرض عقوبات دولية على الدول التي يثبت عليها دعم أي قوة عسكرية سودانية، لإنهاء وتصفية الصراع والبدء في عملية سياسية تنهي الخلاف القائم.

-رسم مقاربات سياسية تجمع القوى السياسية مع المؤسستين العسكريتين عبر حوار يكون بداية لإنهاء الخلاف، ويا حبذا لو كانت هذه المبادرة من قبل الدول التي لم تتورط في دعم جبهة على أخرى.

مقالات مشابهة

  • واحد ناعي صحبه القتله الدعم السريع قال قتلته آلة الحرب العمياء !!
  • خلال أسبوع.. 85 قتيلًا في هجمات لقوات الدعم السريع جنوب الخرطوم
  • مناوي يكشف عن رؤيته للقوات التي تقاتل مع الجيش بعد انتهاء الحرب
  • “أطباء السودان”: مقتل 12 مدنياً بهجوم “الدعم السريع” على خور الدليب
  • تضافر كل الجهود لاستعادة آثار السودان المنهوبة
  • استهداف الدعم السريع للتراث التاريخي والثقافي جريمة حرب وسنلاحق المنهوبات عبر الإنتربول
  • عقار يحذر من اجتياح الدعم السريع لكل السودان إذا سقطت الفاشر
  • رؤية استشرافية لمستقبل السودان بعد سيطرة الجيش على العاصمة
  • أبرز محطات الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع
  • العدل والمساواة تهنئ السودانيين بالعيد وتؤكد ان لا مكان للمليشيا واعوانها في مستقبل السودان