الثورة نت:
2025-04-05@16:31:59 GMT

حرب العقول بين المقاومة والاحتلال

تاريخ النشر: 16th, July 2024 GMT

لما ينتبه الكثيرون لما حمله طوفان الأقصى من حقائق جديدة في مسيرة تراكمية للنجاحات والإنجازات التي تحققها المقاومة، وقد جاءت حرب الشهور التسعة التي أعقبت الطوفان لتحمل تأكيداً للكثير من معانيه وأبعاده، بعدما نجحت المقاومة في تحويل الحرب إلى استنزاف للاحتلال، تأقلم معها المقاومون، وتدبّروا أمورهم، بحيث حسم أمر فشل الاحتلال في تحقيق أي من أهداف حربه، الى غير رجعة، ويدور القتال حول حجم الهزيمة التي سوف يُمنى بها الاحتلال، وحجم النصر الذي سوف تكتبه المقاومة.


في هذه الحرب الدائرة في غزة ومثلها التي تدور رحاها على حدود لبنان الجنوبية وصولاً الى عمق كيان الاحتلال، تأكيد للأبعاد والمعاني ذاتها، سواء لجهة فشل الاحتلال في إسكات الجبهة، أو في فصلها عن هدفها كجبهة إسناد لغزة خصوصاً في مسار التفاوض، وصار مأزق الاحتلال الذي تسبّبت به المقاومة، سواء عبر تهجير المستوطنين أو تجميد جزء هام وحيوي من جيش الاحتلال لجبهة لبنان بدلاً من إرسال هذه الوحدات للقتال في غزة، وصولاً إلى التحدي اليومي المذلّ والمهين لمهابة القوة التي كان يتباهى بها هذا الجيش، ومثل هذه الجبهة حال الجبهة اليمنية والجبهة العراقية، سواء لجهة فشل محاولات الفصل او الإسكات، أو نجاح المقاومة بخلق تحديات جديدة على كيان الاحتلال لا قدرة على التخلص منها إلا بوقف الحرب على غزة.
في النظر للتفوّق الذي تظهره المقاومة في هذه الحرب، يثبت بما لا يقبل النقاش، أن إنجازات طوفان الأقصى لصالح صورة المقاومة وقوتها ومقدراتها، بعدما كان الانطباع الذي وقع أسره الكثيرون، هو أن إنجازات الطوفان تعود لعنصر المفاجأة من طرف المقاومة، وليس إلى عناصر تتصل بالكفاءة والمهارة والقدرة على التخطيط وإتقان التنفيذ، وقد تمّ تغييب كل هذه العناصر في تقييم الطوفان ولاحقا تقييم الحرب، والاكتفاء بثنائية تلاحق المقاومة منذ نشأتها، وفي كل الميادين، وقوامها أن عنصري المفاجأة والقدرة على التضحية، هما مصدرا قوة المقاومة.
كان مفهوماً في بدايات تجربة المقاومة التركيز على قدرتها على تقديم التضحيات، وقدرة جسمها على تحمل بذل الدماء، وتسليم بيئتها الشعبية الحاضنة والداعمة بتقبل الكلفة المترتبة على المقاومة كخيار. وقد خرج عدد من المنظرين العسكريين يتحدّثون عن قوة المقاومة كثمرة لاستعداد شبابها للموت، وسقف ما يملكه أي جيش هو التهديد بالموت، فكيف تهدّد عشاق الموت به، وربما يكون قد نتج عن هذه النظرية الحديث عن ثقافة الموت، ومناهضة المقاومة بالحديث المعاكس عن ثقافة الحياة؛ بينما تجربة المقاومة تقول إنها في كل مسيرتها لن تسجل رقم المئة من الاستشهاديين، بل إنها في آخر حروبها مع الاحتلال والإرهاب في لبنان وسورية لم تلجأ الى هذه العمليات لانعدام الحاجة لها، والمقاومة تؤمن بالحياة وتحب الحياة، لكنها لا تهاب الموت ولا تخشاه عندما يكون تضحية فردية واجبة لتحيا أمة وينهض وطن، وتُحمى الأرض ويُصان العرض.
أظهر الطوفان وما تلاه على جبهات القتال، أن حركات المقاومة انتصرت في أكثر من حرب على كيان الاحتلال، وهي طبعاً كسبت عليه حرب التضحية، وربحت عليه حرب الروح المعنوية، لكن هاتين لا تختصران المقاومة ولا تفسّران تفوقها، فقد ربحت المقاومة أولاً وأصلاً حرب العقول، ومن ضمنها حرب الرواية، سواء لمفهوم الحق الفلسطيني أو لوقائع الحرب والميدان، رغم عدم امتلاكها إمكانيات إعلامية تتيح التفكير بتحدي الآلات الإعلامية العملاقة المكرسة للترويج لرواية الاحتلال.
في حرب العقول عناوين عديدة تجلى فيها تفوق المقاومة، فقد خططت المقاومة تصوراً معيناً لاجتياح غلاف غزة، ونفذت خطتها بنجاح واضح ومبهر، وخطط الاحتلال لاحتلال غزة وسحق المقاومة فيها، وهو يغرق في وحول حربه ومستنقعات الهزيمة كل يوم أكثر. وفي حرب العقول نجحت المقاومة في تفكيك شيفرات منظومات الحماية حول غلاف غزة واختراقها، بينما فشل الاحتلال في امتلاك خريطة واحدة لأنفاقها، ونجحت المقاومة بكتمان خطتها لغلاف غزة شهوراً طوال بحيث أصيب الاحتلال بالذهول والمفاجأة عند حدوث الطوفان. وفي تقنيات الأسلحة والخطط الحربية ظهرت المقاومة، في جنوب لبنان كقوة تكنولوجية متفوقة، خصوصاً في مجال التلاعب بالقبة الحديدية وتقنياتها، وتأمين المرور الآمن لطائراتها المسيرة وصواريخها، وصارت الحرب بين رجلين يجلس كل منهما أمام شاشة، واحد يتحكّم بالقبة الحديدية وصواريخها، والثاني يتحكم بالطائرات المسيّرة وخط سيرها، وحتى الآن يبدو واضحاً، أن صاحب الطائرات هو مَن يربح.
في حرب العقول تطوير الأسلحة، وها هي قذيفة الـ 105 وعبوة الشواظ تنتصران على أجيال الميركافا الأربعة، بما في ذلك ناقلة الجنود النمر، بينما تخرج المقاومة في لبنان كل يوم من ترسانتها أحد أسلحتها الجديدة التي صنعتها وطوّرتها، فتصيب العدو والصديق بالذهول، وها هي تسجيلات الهدهد الأول والثاني، تقول إذا لم تكن هذه حرب عقول فهي حرب ماذا إذن؟
والإنجاز كله فعل عقلي لا مكان للعضلات ولا التضحيات ولا المعنويات دور في صناعته، إلا من زاوية روح الإنسان الذي يستخدم عقله بطريقة مختلفة عن عدوه.
من حق المقاومة والمقاومين التركيز على هذا التفوق في حرب العقول، لأن الانتصار في الحرب ليس فقط انتصاراً للدم على السيف، بل انتصار لعقل يتقن إحدى التكنولوجيات ويقوم بصناعتها، ويتفوق على عدو تفرّد لعقود بهذه الميزة.
*رئيس تحرير صحيفة البناء اللبنانية

المصدر: الثورة نت

كلمات دلالية: المقاومة فی

إقرأ أيضاً:

التغريبة الغزاوية.. تجويع وتهجير وإبادة لم تلامس نخوة العرب

مع بداية فرض الجيش الإسرائيلي لعملية نزوح قسري على سكان رفح، تتضح معالم وأهداف إقحام جيش الاحتلال للواءين عسكريين من الفرقة 36 مدرع في المنطقة وتكليف 4 فرق عسكرية وإدخالها للقطاع، حسب ما أعلن عنه وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الذي يكون قد وضع قيد التنفيذ عملية برية شاملة في غزة؛ الهدف منها حشر وتكديس سكانها في الجنوب بمحاذاة الحدود المصرية.

لقد ظهر الآن جليا أنّ نتنياهو الذي أصرّ على إنهاء الهدنة مع حماس واستئناف عدوانه على القطاع في 18 آذار/ مارس الماضي، استخدم ورقة المفاوضات وفي ذهنه خرقها بعد أسابيع قليلة من أجل كسب الوقت الضروري لإسكات الشارع الإسرائيلي ولجم انقسامه، وتبدّى أنّ إيهامه لعائلات الأسرى بأن المفاوضات ستتم عبر مراحل، لم يكن سوى ليتسنى له إطلاق سراح أكبر عدد من الأسرى، بما يُضعف قوة الحشد لدى تلك العائلات في الشارع بعد أن يتبقى عدد قليل جدا منهم في قبضة المقاومة وأغلبهم أموات وقلّة قليلة من الأحياء لن تجد من يدافع عن استعادتهم.

فعل نتنياهو ذلك حتى يبث الخوف وسط أغلبية الإسرائيليين ويشعرهم بضرورة تقديم أولوية الأمن القومي التي تهمّ الجميع؛ على ملف الأسرى الذي يعني عشرات من العائلات الإسرائيلية فقط، بما يعني أن نتنياهو استخدم "المرحلة الأولى" من المفاوضات فترة للمماطلة حتى يتمكن من كسب الغطاء السياسي بعد أن يكون قد تمكن من تصفية ملف الأسرى، لاستكمال خطة الجنرالات التي كان قد بدأها قبل التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، وحصل لاستئنافها على ضوء أخضر من ترامب، الذي عكَس هو الآخر أولوياته المعلنة بما يتوافق ورغبة نتنياهو فأخّر الاستجابة لمطالبات عائلات الأسرى له باستعادتهم جميعا، وبهذا يكون قد نفض يديه منها إلى الأبد وقدّم عليها المقاربة العسكرية لحلّ مأزق السابع من تشرين الأول/ أكتوبر.

ما يقوم به نتنياهو الآن في غزة حرفيا هو محاولة فصل الحاضنة الشعبية عن المقاومة، عبر إخلاء قسري للقطاع من السكان المدنيين باستخدام القصف المكثف، في سبيل حشرهم في منطقة قريبة من الحدود المصرية وفرض حصار كامل على المنطقة، ثم استخدام المساعدات الإنسانية في نطاق جغرافي ضيق يحوي مخيما ضخما للاجئين
ما يقوم به نتنياهو الآن في غزة حرفيا هو محاولة فصل الحاضنة الشعبية عن المقاومة، عبر إخلاء قسري للقطاع من السكان المدنيين باستخدام القصف المكثف، في سبيل حشرهم في منطقة قريبة من الحدود المصرية وفرض حصار كامل على المنطقة، ثم استخدام المساعدات الإنسانية في نطاق جغرافي ضيق يحوي مخيما ضخما للاجئين بما يتيح تثبيتهم في منطقة آمنة ومستقرة بعيدا عن مناطق الحرب في غزة، والتي سيتم قطع المساعدات عنها حتى يتم الضغط على من تبقى من المدنيين داخلها من أجل مغادرتها أو الموت، في إطار هجرة تبدو طوعية، وقطع الغذاء عن عناصر المقاومة من أجل إضعافها.

وعلى هذا الأساس فإنّ الهدف الأول من إخلاء غزة هو عزل المقاومة عن السكان وتجويع عناصرها بالتوازي مع العمل العسكري البحت، وتنفيذ المرحلة الأولى من عملية التهجير والتي تتمثل في حشد أكبر قدر من سكان القطاع قرب الحدود مع مصر، تمهيدا للمرحلة الثانية المتمثلة في العبور الكبير باتجاه الأراضي المصرية ومغادرة غزة بشكل نهائي، لتبدأ المرحلة الثالثة والأخيرة من حياة سكان القطاع في شبه جزيرة سيناء، المعزولة جغرافيا وعمليا عن مصر، بعد أن قام الجيش المصري بإخلائها تقريبا من سكانها وحظرها على المصريين.

وفي الواقع، خطة الجنرالات هذه سبقتها خطة السيسي أو بالأحرى فكرته التي اقترحها في 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أياما قليلة جدا بعد اندلاع أحداث طوفان الأقصى، حينها خاطب الإسرائيليين بقوله: "إذا كانت هناك فكرة للتهجير، فلِمَ لا يُنقل الفلسطينيون إلى النقب"، ودون أدنى قدر من الحياء زاد في اقتراحه أنّ مدة مكوث الفلسطينيين في النقب سيحدّدها مدى قدرة جيش الاحتلال على القضاء على المقاومة المسلحة في غزة.

واليوم يصل نتنياهو إلى ما كانت المقاومة ولا تزال تعتبره خطا أحمر، إنه يضغط عليها عبر ارتكاب أفظع إبادة في القرن الواحد والعشرين تستهدف سكان غزة الذين يتعرضون للتجويع والتعطيش، ويضع شرطا تحت النيران لوقف الحرب يفرض تسليم أسلحتها مقابل السماح لقادتها بمغادرة غزة.

بعد مرور 18 عشر شهرا على حرب الإبادة واستباحة أرواح الفلسطينيين ومساكنهم وأراضيهم لا يزال العرب على موقفهم من العلاقة مع الكيان الصهيوني، التطبيع لم يتوقف يوما والدول المطبعة لم تلوح بإلغاء اتفاقياته بل لم تسحب سفراءها من تل أبيب فضلا عن أن تطرد سفراء إسرائيل لديها، موقف مخزٍ يظهر إلى أيّ مدى بلغ الخذلان الرسمي العربي للقضية الفلسطينية
إقليميا، تمكنت إسرائيل، أو هكذا يبدو ظاهريا وإلى اللحظة على الأقل، من إضعاف محور المقاومة وتحييد رأسه إيران ولو مؤقتا، ريثما تفصل في مسألة توجيه ضربة قوية أو هجوم خاطف في حدود الحرب الجزئية ذات النتائج المؤثرة التي تؤدي إلى إحداث شلل في قدرتها على الردّ؛ بما يحقق إحداث خلل في ميزان الردع لصالحها، بالتوازي مع إصدار ترامب إملاءاته لإيران بمناقشة برنامجها النووي على أسس جديدة تلزمها بالتوقف عن السعي لامتلاك أسلحة نووية، بعد أن هدد علي لاريجاني، مستشار المرشد الأعلى، باللجوء إلى السلاح النووي في حال تعرضت إيران إلى هجوم.

وعلى صعيد المقاومة المساندة لغزة، لم يبق لحزب الله ما يقدمه بعد أن سقط نظام الأسد الحليف، وتوسع جيش الاحتلال شرقا في الجولان ليصل إلى سفح جبل الشيخ في الجانب السوري، قاطعا بذلك الطريق على المقاومة اللبنانية التي أصبح من الصعب عليها أن ترسل مسيّراتها انطلاقا من هذه المنطقة الجبلية، التي كانت تتيح لها التخفي وتمنع رادارات جيش الاحتلال المنتصبة أعلى الجبل من أن تكتشفها، كما أنّ المنطقة الخارجة عن المجال الراداري كانت تضمن مرور الدعم العسكري الإيراني إلى حزب الله.

عمليا لم يتبق من إسناد عسكري للمقاومة الفلسطينية سوى ما يبذله الحوثيون في اليمن من ضغط على التجارة الدولية للكيان الصهيوني لدفعه إلى السماح بمرور المساعدات الإنسانية إلى القطاع، إلى جانب إحداث حالة طوارئ في الجبهة الداخلية الإسرائيلية عبر إطلاق صواريخ الهدف منها إبقاء حالة قائمة من توازن التهديد، على الرغم من أنه يتم إسقاطها بالإضافة إلى أنها السبب المباشر في ما يتلقاه اليمن من ضربات جوية أمريكية تستهدف مواقع حيوية للحوثيين.

وبعد مرور 18 عشر شهرا على حرب الإبادة واستباحة أرواح الفلسطينيين ومساكنهم وأراضيهم لا يزال العرب على موقفهم من العلاقة مع الكيان الصهيوني، التطبيع لم يتوقف يوما والدول المطبعة لم تلوح بإلغاء اتفاقياته بل لم تسحب سفراءها من تل أبيب فضلا عن أن تطرد سفراء إسرائيل لديها، موقف مخزٍ يظهر إلى أيّ مدى بلغ الخذلان الرسمي العربي للقضية الفلسطينية، بعد أن صار همهم الأكبر أن يقضي جيش الاحتلال على المقاومة وعلى الحركات الإسلامية التي تهدد عروشهم وكراسيهم، حسب ما يمليه عليهم تفكيرهم السقيم.

مقالات مشابهة

  • لبنان بين الضغوط الأميركية وثوابت المقاومة: صراع الإرادات على مشارف الانفجار
  • 10 شهداء في غارات متواصلة على غزة والاحتلال يوسع عدوانه
  • كاتب مسرحي يهودي: المقاومة الفلسطينية مشروعة
  • مظاهرات حاشدة تشهدها المخيمات الفلسطينية في لبنان نصرة لغزة ورفضا لمجازر العدو
  • الدويري: معركة المقاومة الدفاعية ستتضح خلال ساعات وهذه أبرز أوراقها
  • التغريبة الغزاوية.. تجويع وتهجير وإبادة لم تلامس نخوة العرب
  • 28 شهيدا بغزة والاحتلال يوسع عمليته شمالي القطاع
  • خبير عسكري: لبنان على مفترق طرق وتصعيد إسرائيل يستهدف تفكيك محور المقاومة
  • شهيد بجنين والاحتلال يواصل عدوانه على الضفة
  • 23 شهيدا في غارات الاحتلال على قطاع غزة منذ فجر اليوم