#ذات_الشوكة
مقال : 15 / 7 / 2024
بقلم : د. #هاشم_غرايبه .
تطمع النفوس (وحتى المؤمنة) بأن تنتصر في الصراعات من غير قتال ومعاناة وتضحيات، والتي أسماها الله (ذات الشوكة)، لكن تبين بعد انجلاء الأمور أن ذلك كان في جميع الحالات لصالح الأمة، فقد أكسبها مناعة ضد الشدائد وخبرات قتالية وقوة تحمل، كما كشف معادن أناس كانوا لا يعدون من الشجعان، وبيّن زيف ادعاء بعض المنافقين.
إن هذه القاعدة تنسحب على الأمة في كافة العصور، وإذا أخذنا العدوان الأخير على غزة بالتحليل فإننا سنجد تطبيقا عمليا لها في أوجه عديدة منها:
1 – في صراع الفئة المؤمنة مع أخرى كافرة، يتكفل الله بنصرها مهما كانت موازين القوى مختلة، عندما تحقق أمرين: التمسك بالعقيدة الإيمانية، وصدق النية في الجهاد، ببذل الجهد في إعداد ما يمكنها من القوة.
2 – لا تحسم القوة العسكرية المعركة مهما كان التفوق فيها خرافيا، بل يمكن للمقاتل المؤمن مناجزة العدو ولو بأسلحة بدائية، لأن العزيمة الصادقة للمؤمن تستند الى قناعته أن الموت ليس نهاية عدمية بل شهادة عند الله جزاؤها، لكن الملحد أو من يقاتل بحكم مهنته فيعتبر موته خسارة محققة، فلن يستفيد شيئا بعد موته ولو نصبوا له التماثيل.
3 – عند وقوع القتال تنكشف نفوس المنافقين، وهم الذين كانوا يظهرون الحرص على الإسلام ويبررون بطشهم بالمتمسكين به بأنهم ما فعلوا ذلك إلا خوفا على الإسلام ممن يشوهون صورته ، ليتبين بعد أن ناصروا العدو عليهم أن دافعهم هو الخوف من الإسلام وليس عليه.
4 – ولما كان هؤلاء المنافقين أشد خطرا على الأمة من أعدائها التاريخيين، لذا يقدّر الله في كل حقبة زمنية معارك تستهدف الأمة لكشفهم.
في جميع المحن التي ألمت بالأمة، تبين فيما بعد أنها كانت لحكمة علمها الخالق ولم يكن الناس ليدركوها لولا حدوثها “لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ” [النور:11]، فقد كشفت نفوسا مريضة يتحينون الفرص، وأشخاصا يرتدون أقنعة خادعة للوطنية والإخلاص لمبادئ الأمة.
فقد كان من نتائجها أن كشفت خديعة أن انقلابيي مصر جاءوا لإنقاذ مصر من الاسلاميين عملاء الاستعمار(حسب ادعائهم!)، لكن الأحداث أثبتت العكس تماما، ليتبين للجميع حقيقتهم وأنهم هم من يدعمون الكيان اللقيط في عدوانهم المبيت، بشكل عملي ومباشر، بالحصار وتدمير الأنفاق (شرايين الحياة للقطاع) بفعالية أكثر من العدو ذاته، بدليل أن معبر رفح يقع في الأراضي المصرية فلماذا لم يسمح بمرور المواد الإغاثية؟.
5 – لقد جاءت معركة الطوفان الأخيرة بتوقيت أراده الله، لإنقاذ بيته الحرام مما كان يخطط له من تطبيع كان سيتم حسب ما خطط له، يتيح استباحته من قبل المشركين الذين يعتبرهم الله نجسا يحظر عليهم دخوله، ولو بصفة سياح.
6 – إن الله ينصر المؤمنين بوسائل عديدة، فقد تبين من شهادات المحتجزين الأجانب الذين أطلق سراحهم، وجود مدينة هائلة من الأنفاق تحت غزة، تسير بها السيارات، مكنت المجاهدين من بناء مصانع أسلحة ومخازن لها، بعيدة عن أعين رقابة العدو الجوية وقدراته التدميرية الهائلة، وبالطبع ما كان بالإمكان حفرها بالمعاول اليدوية والمجارف، ففي السنة الوحيدة التي قدّر الله لنظام اسلامي مخلص أن يقوم في مصر، أمدهم “مرسي” رحمه الله بحفارات انفاق استعملت لحفر مترو القاهرة، استطاعوا بها انجاز الحفريات، والوصول للبحر، والذي عن طريقه كان يتم تهريب المواد الأولية اللازمة، وتولت العناية الإلهية إعماء العيون اليقظة للأقمار الصناعية والدوريات البحرية لنظام السيسي، تماماً مثلما أعمى عيون المشركين عن رسوله ليلة هجرته الى المدينة.
وهذا سر حرص العدو على احتلال منطقة الساحل بكاملها، وذلك لقطع المنافذ الى البحر.
هكذا تشاء العناية الإلهية أن ينجد عباده المخلصين دائما، ويمكنهم من الاستفادة من كل حدث وفي كل ظرف، حتى لو كان عدوانا غاشما ونية شريرة مبيتة، وليعلموا أن الله مع الصادقين ولن يمكن اعداء دينه منهم .. “وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ” [الأنفال:30].
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: ما کان
إقرأ أيضاً:
بلال بن رباح.. من قيود العبودية إلى مؤذن الرسول
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
يبرز اسم بلال بن رباح، في صفحات التاريخ الإسلامي، كنموذج خالد للصبر والإيمان، فهو الصحابي الجليل الذي تحمل أشد ألوان العذاب في سبيل الإسلام، ليصبح أول مؤذن في الإسلام وصاحب الصوت الذي ارتبط بالأذان في أذهان المسلمين.
بلال بن رباح في الجاهلية
وقد وُلِد بلال في مكة لأسرة حبشية مستعبدة، وكان مملوكًا لأحد زعماء قريش، أمية بن خلف، الذي عرف بقسوته وظلمه، وعانى بلال من حياة العبودية، حيث كان يعامَل معاملة قاسية، لكنه كان يتميز بعقل راجح وروح قوية، وعندما بدأت دعوة النبي ﷺ في مكة، كان بلال من أوائل الذين استجابوا لها، مقتنعًا بوحدانية الله وعدالة الإسلام، مما أثار غضب سيده أمية، الذي لم يتردد في تعذيبه أشد العذاب ليعيده إلى عبادة الأصنام.
فحين أعلن بلال إسلامه، تعرض لتعذيب وحشي، حيث كان أمية بن خلف يأمر بإلقائه على الرمال الحارقة في مكة تحت أشعة الشمس اللاهبة، ويضع على صدره صخرة ضخمة ليكتم أنفاسه، ورغم هذا العذاب، كان بلال يردد بثبات كلمة "أحدٌ أحد"، في إشارة إلى إيمانه العميق بالله الواحد.
وظل بلال صامدًا حتى جاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه واشتراه من أمية وأعتقه، ليصبح من أوائل المسلمين الذين تحرروا من العبودية، ويرافق النبي ﷺ في مسيرته.
بلال بن رباح مع النبي ﷺ.. المؤذن الأول وصاحب الصوت العذب
بعد الهجرة إلى المدينة، لازم بلال النبي ﷺ في جميع مواقفه، وكان له شرف أن يكون أول مؤذن في الإسلام، بعد أن رأى النبي ﷺ رؤيا تحدد الأذان كنداء للصلاة، ومنذ ذلك الحين، صار صوته يصدح بالأذان في المدينة، معلنًا وقت الصلاة بصوته العذب.
وقد رافق بلال النبي ﷺ في غزواته، وكان من أشجع الصحابة في ميادين القتال، وفي يوم فتح مكة، كرم النبي ﷺ بلالًا وأمره بالصعود إلى سطح الكعبة ليؤذن للصلاة، في مشهد رمزي يعبر عن انتصار الإسلام على الجاهلية والعبودية.
هل أذن بلال بن رباح بعد وفاة النبي محمد؟كان لوفاة النبي ﷺ أثر عميق في قلب بلال، حيث لم يستطع البقاء في المدينة بعد رحيله، وقرر مغادرتها إلى الشام للمشاركة في الفتوحات الإسلامية، وعندما زار الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشام، طلب منه العودة إلى المدينة ليؤذن كما كان يفعل في حياة النبي ﷺ، وعندما رفع صوته بالأذان، بكى فبكى الصحابة جميعًا، متذكرين الأيام التي كان يؤذن فيها للنبي ﷺ.
فبعد وفاة النبي ﷺ، تأثر بلال تأثرًا عظيمًا ولم يستطع أن يؤذن مرة أخرى، وطلب من أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن يسمح له بالخروج من المدينة للمشاركة في الفتوحات الإسلامية، فانتقل إلى الشام.
ولكن بعد سنوات، زار عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشام، وطلب من بلال أن يؤذن، فاستجاب بلال، وعندما رفع صوته بـ "الله أكبر"، انفجر الصحابة بالبكاء، لأنهم تذكروا النبي ﷺ، ولم يكن هناك أحد يستطيع تمالك نفسه من شدة التأثر.
أما المرة الثانية، فكانت عندما زار بلال بن رباح قبر النبي ﷺ في المدينة، فطلب منه الحسن والحسين، سبطا النبي ﷺ، أن يؤذن، ففعل، وعندما سمع أهل المدينة صوته، خرجوا يبكون من شدة الشوق لرسول الله ﷺ، وبعد ذلك، لم يؤذن بلال مجددًا حتى وفاته في الشام سنة 20 هـ.
وقد توفي بلال في دمشق عام 20 هـ، بعد حياة حافلة بالجهاد والإيمان، تاركًا وراءه أثرًا خالدًا في قلوب المسلمين، فقد كان رمزًا للصبر والتضحية والإيمان الذي لا يهتز.