إبداع|| "نحاسٌ أنا".. قصة للكاتب حازم أبو المجد
تاريخ النشر: 15th, July 2024 GMT
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
قديمٌ أنا، حين رأيتُها أول مرةٍ كانت في الثلاثين تقريبًا، وكنتُ أوشكتُ على السابعة والثمانينَ من عمري. إرثٌ أنا، لكني أُعرض للبيعِ لأن نُحاسي اللامع لا يلائم الأثاث الحديث، ذاك الأثاث الهشَّ الذي لا يصلح لصنع الذكريات أو حِفظها، ولأن الوارث - ولا شيء آخر- هو من يجعل من الإرث إرثًا أو خردة.
لكنها ظهرت أمامي، عرفتُ كثيرًا عنها قبل حتى أن تتكلَّم، قديمٌ أنا، وخَبِرتُ عددًا لا بأس به من الناس، عرفتهم في أخصِّ حالاتهم، في كل جمالهم وكل قبحهم، كل عُريهم، إنسانيَّتهم ووحشيتهم، عرفتُ عنهم حتى ما لم يعرفوه عن أنفسهم: كيف تستقر أجسادهم حين ينامونَ عليَّ ويفقدون السيطرة تمامًا، أعرف لماذا توتَّر جسد فلان ونام كأنَّه في طابور لا يطيق الانتظار، وكيف يثقل جسد فلانة فوقي -عن المعتاد- حين تنام حزينةً، وكيف يخفٌّ -على الرغم من ارتخائه التام- بعد رعشتين أو ثلاثٍ تعصِرُ ماءَ مُتعتها، قديمٌ أنا، وعرفتُ عن ياسمين الجميلة أني سأعرف عنها كل شيء.
إن كان في حياتي متعةٌ أكبر من كل المتع، فهي بلا شكٍّ الليلة الأولى مع شخص جديد، جسد جديد، أنفاس جديدة، أحلام وهواجس ومخاوف وشهوات خاصة بصاحبها أو صاحبتها، لا تشبه غيرها إلا في التصنيف. كل الناس يخافون -مثلًا- لكنَّ خوف الباشا من افتضاح فحولته المرتخية يختلف تمامًا عن خوف عشيقته التي ضاجعت سائقه وطبَّاخه معًا فوقي في غيابه، كل هذا لا يضاهيه خوف زوجته الهانم من فكرة أنه يخونها. لكل خوف طعمه، وليس أمتع من تذوُّق طعم جديد بالنسبة إلى جمادٍ مثلي.
ليلتي الأولى مع ياسمين، بداية مغامرةٍ مفتوحة الاحتمالات، وأتحدَّى نفسي كعادتي - في أن أكون "السرير الذي نمتَ عليه لأول مرة بلا قلق كالأطفال"، يظن الناس أن الأمر متعلق بهم! بأنهم لا يستطيعون النوم خارج أسِرَّتهم، والأمر حقيقةً متعلق أكثر بالسرير ذاته، بقدرته على العطاء والحب.
لم أنم تلك الليلة دقيقةً ونامت هي كطفلةٍ بعد يوم مشحون باللعب والتعب، ظللتُ أكتشفها وأحتوي تفاصيلها، أتحسَّس نبضها، أنفاسها، تقلُّبَهَا، أوضاعها التي تستقر عليها في نوم عميق، كلُّ هذا يخبرني بما لا يعرفه أحد عنها، حتى هي.
مضى خمسةُ أشهر ولم يشاركها إياي أحد، عرفتُ بعد ذلك - في مكالمة لها مع صديقتها الوحيدة لمياء- أنها ترمَّلت العام الماضي، ثم عرفتُ أنها لا تنوي إدخالَ أحدٍ في حياتها أبدًا! هذا جديد عليَّ! عرفتُ في حياتي شخصًا وحيدًا أو اثنين، لكن لم أعرف من قبلُ شخصًا اختار وحدته طواعية، شيء ما حينها أشعرني بالأبوة تجاه ياسمين الجميلة، ياسمين ذات الجسد الأشهى والنَفَس المعطر بالأنوثة، تختار أن تعيش وحيدة؛ سأكون رفيقها إذن، حارسَ أحلامها ومنامها.
لم تمهلني فرصةً لأكون أبًا لها؛ حين امتطت وسادتها عاريةً وراحت تحرك خصرها كموجةٍ بحر هادئ، وتتأوَّه كقطة شبقة، تصبَّب النحاس عرقًا.
عامٌ ونصفٌ مضت، بكت فيها ياسمين سبعًا وأربعين مرة، وسَكِرَتْ ثلاثًا وخمسين مرة، انتشت قرابة خمسمائة وثلاث مرات، ضحكت وحدها بلا سبب - أو ربما بسبب - سبع عشرة مرة، عام ونصف بلا زائر أو صديق، ليس إلا سبعُ مكالمات مع لمياء!
وعرفتُ أخيرًا أن لها هوايةً حين ألجأها الاكتئاب إلى العيش شهرين كاملينِ فوقي، تحب الرسمَ بالزيت ورسم الديجيتال، منظمة جدًّا هي، وحين تأكل.. كأنها بارونة.
النحاسُ لا علاقة له بالماء.. إلا حين ضحكت ياسمين. ولم يعرف الظمأ قَطُّ.. إلا لتلك الضحكة.
اليوم وجَّهَت لي ياسمين كلمةً. كانت قد شاركت في مسابقةٍ لرسم الديجيتال وفازت لوحتها، هذه المرة الأولى من مرتين اثنتين رأيت وجهها ينضح بالفرح، فزَّت من مكانها فوقي حين وصل إليها بريد إلكتروني يخبرها بفوزها، قفزت فوقي كطفلة في الثالثة لا تعرف التعب، ضحكت كما لم تضحك من قبل أو من بعد، تشقلبت فوقي بلا اكتراث لألم الظهر وقَرصة الدورة الشهرية، في آخر قفزة تنبَّهَتْ أنها ربما تكسرني، لكني قديمٌ وصُلب، هي فقط لا تعرف ذلك، وحين نزلت عني نظرت إليَّ قائلةً "إنت سرير جدع على فكرة.. حبيتك".
النحاسُ طيِّعٌ عن خبرةٍ وسياسة، يتأثر سريعًا بالحرارة، الدفء المستمر يُلينُه، يزيده طوعًا، لسعةُ الحبِّ تكاد تُذيبه.
قويٌّ أنا.. وذائب.
حبيبتي تبلغ الأربعين اليومَ، كأنَّها تصغُر كلما كبرت! لكننا لا نحتفلُ هذا العامَ أيضًا.
اليوم أبلغ السابعة والتسعين، وكل ما أذكره عن حياتي أني كنت معروضًا للبيع، وجاءت ياسمين.
لم أستطع الحفاظ على عهدي معها حين سمعتُها تنادي اسمًا في منامها "سمير.. سمير..."؛ استعملتُ قدرتي الوحيدة لأوقف هذا الوجع بداخلي بعد سماع اسمٍ تناجيه في منامها كأنها تضاجعه. استعملت قدرتي على الإيقاظ! أنا أيضًا أوقظ مَن فوقي كما أستطيع أخذه في نوم عميق وجميل. مَن سمير هذا على أي حال؟! زوجها المتوفَّى من ستة عشر عامًا ربما؟ وإن كان! فلتذكُرْهُ بعيدًا عني.
هذا الشتاء كان قاسيًا على كلينا، لذا - ربما شعرت بي - نقلت ياسمين حياتها بالكامل إلى غرفة النوم لأول مرة بشكل دائم، ولولا رائحة الزيت لقلت إني انتقلت إلى الجنَّة، لكن كيف أنتقل إلى مكان وأنا المكان؟ أنا الغرفة بالكامل، لا الجدران ولا الستائر تعني شيئًا إن لم أكن أنا. وحبيبتي ترسمني الآن! ترسم جسدها الخمسينيَّ فوقي عاريًا كفاكهة للعالَم تُعرض في فاترينة ولا يلمسها سواي، لا يشمُّ بوحَ مسامها ولا ينعم بمنحنياتها - التي زادت فجاجةً بعدما زاد وزنها - سوى معدِني الصلب. تُنهي اللوحة كالآتي: المنظور من الأعلى يجعلني أشبه بئرًا مستطيلة، أعمدتي الأربعة العالية تجعل ياسمين فوقي نائمةً في قاع سحيق، تنظر إلى الأعلى تمامًا إلى عينَيْ الرائي، وكل ما حولها محيطٌ مصغَّرٌ من النبيذ، أمواجه العاتية تتكسر على جسدها كأنها إلَهَةُ البحار النائمة.
بعد أن أنهت اللوحة - الكبيرة نسبيًّا - اتجهت نحوي في وهن، ارتمت فوقي على بطنها وهي تحدث نفسها "إيه فايدة أي حاجة!". ولم تغادر غرفتها بعد ذلك إلا للضرورة القصوى.
أحتفل اليوم بميلادي المائة وسبعة وأربعين أو ستة وأربعين.. لا أذكر تحديدًا، لكن لا يهمُّ.. ما دمتُ عجوزًا قويًّا فلا شيء يهم.
بالأمس عادت ياسمين إلى لوحة غير مكتملة الخلفية، رأيتُني فيها بأعمدتي النحاسية كأنها أبراج عالية، وياسمين صغيرة جدًّا تجلس فوق قمة كل عمود! وياسمين خامسةٌ عملاقةٌ تنامُ تحتي تحملني على بطنها! لا أذكر متى بدأت هذه اللوحة. اقتربت ياسمين منها بيدها قلم رصاص، أخذت تخطط في الخلفية شكل تابوتٍ بأربع أرجلٍ.. وأربعة أعمدة...
صِرتُ أنسى كثيرًا، أذكرُ أشياءَ أعرف أني كنت أذكر تفاصيلها، نسيتُ - مثلًا- كيف التقيتُ ياسمين الصغيرة لأول مرة! أكانت مع أبويها؟ مهلًا.. أينَ الباشا؟ وحريمه ووصيفاتهنَّ؟ أين الخدم الذين يتناوبون على الاهتمام بي وتعطيري؟! ما هذه الرائحة العطنة؟! يا إلهي.. جثة مَن هذه؟!
المصدر: البوابة نيوز
إقرأ أيضاً:
بعد تهديد ترامب.. طهران تحتج بمذكرة رسمية وخامنئي يتوعد بـ”رد حازم”
المناطق_متابعات
أفادت وسائل إعلام إيرانية بأن وزارة الخارجية الإيرانية استدعت، صباح اليوم الاثنين، القائم بأعمال السفارة السويسرية في طهران، التي تمثل المصالح الأميركية، وذلك على خلفية التصريحات الأخيرة للرئيس دونالد ترامب بشأن إيران والتطورات الإقليمية.
وبحسب المصادر ذاتها، فقد سلّم عيسى كاملي، مساعد وزير الخارجية ومدير عام دائرة الأميركتين في الوزارة، مذكرة احتجاج رسمية إلى الدبلوماسي السويسري، مؤكداً أن إيران سترد “برد حاسم وفوري” على أي تهديد. ووفقاً للتقارير الإعلامية الإيرانية، فقد أعرب القائم بأعمال السفارة السويسرية عن التزامه بنقل الرسالة الإيرانية إلى الحكومة الأميركية على الفور.
أخبار قد تهمك ترامب: إيران ستتعرض لقصف لا مثيل له إذا لم نتفق بشأن برنامجها النووي 30 مارس 2025 - 8:43 مساءً وثيقة سرية تكشف رؤية ترامب للاستعداد لـ “حرب محتملة” مع الصين 30 مارس 2025 - 5:08 مساءًوفقا للعربية : في وقت سابق، قال المرشد الإيراني علي خامنئي، اليوم الاثنين، إن الولايات المتحدة ستتلقى صفعة قوية إذا تصرفت بناء على تهديدات الرئيس دونالد ترامب بقصف إيران إذا لم تتوصل إلى اتفاق نووي جديد مع واشنطن.
تعليق المرشد الإيراني علي خامنئي جاء خلال خطبتي صلاة عيد الفطر التي أُقيمت في مصلى إمام خميني في طهران، حيث توعد بـ”رد حازم” على أي هجوم يستهدف بلاده.
وقال خامنئي: “مواقفنا ثابتة كما كانت.. لا نعتقد أنهم يريدون توجيه ضربة لنا من الخارج، لكن إن حاولوا ذلك، فسيكون ردّنا قاسيًا.. إذا فكروا في إثارة الفتنة داخل البلاد، فسيكون الشعب نفسه هو من يرد عليهم”.
وتوعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمس الأحد، إيران بالقصف وفرض رسوم جمركية ثانوية إذا لم تتوصل إلى اتفاق مع واشنطن بشأن برنامجها النووي. وقال ترامب في مقابلة هاتفية مع شبكة “إن بي سي” NBC، إن مسؤولين أميركيين وإيرانيين يجرون محادثات لكنه لم يدل بمزيد من التفاصيل.
يأتي ذلك فيما قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، إن التهديد الواضح بقصف إيران من قبل رئيس دولة (في إشارة إلى تهديد الرئيس ترامب) يشكل تناقضاً واضحاً مع جوهر السلم والأمن الدوليين.
وأضاف: “إن مثل هذا التهديد يشكل انتهاكا صارخا لميثاق الأمم المتحدة وانتهاكا لنظام الضمانات للوكالة الدولية للطاقة الذرية.. العنف يجلب العنف، والسلام يجلب السلام.. الولايات المتحدة قادرة على الاختيار.. مع ما يترتب على ذلك من عواقب”.
وهذه أول تصريحات يدلي بها ترامب منذ أن رفضت إيران، الأسبوع الماضي، التفاوض المباشر مع واشنطن.
وقال ترامب “إذا لم يتوصلوا إلى اتفاق، فسيكون هناك قصف.. سيكون قصفا لم يشهدوا مثله من قبل”.
وتابع قائلا: “لكن هناك احتمال إذا لم يتوصلوا إلى اتفاق، أن أفرض عليهم رسوما جمركية ثانوية مثلما فعلت قبل أربع سنوات”.
ونُقل عن وزير الخارجية الإيراني قوله يوم الخميس، إن بلاده أرسلت ردا عبر سلطنة عمان على رسالة من ترامب تحث طهران على التوصل لاتفاق نووي جديد، وقالت في ردها إن سياستها هي عدم التواصل في مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة في ظل فرض حملة “أقصى الضغوط” وإطلاق التهديدات العسكرية.
وكرر الرئيس الإيراني مسعود بزكشيان سياسة بلاده تلك اليوم الأحد، وقال “المفاوضات المباشرة (مع الولايات المتحدة) رُفضت لكن إيران شاركت على الدوام في مفاوضات غير مباشرة، والآن أيضا أكد الزعيم الأعلى على إمكان استمرار المفاوضات غير المباشرة”، في إشارة إلى المرشد علي خامنئي.
وخلال فترته الرئاسية الأولى بين عامي 2017 و2021، انسحب ترامب من اتفاق نووي أبرم عام 2015 بين إيران والقوى العالمية، والذي وضع قيودا صارمة على أنشطة طهران النووية مقابل تخفيف العقوبات.
كما أعاد ترامب فرض عقوبات أمريكية شاملة. ومنذ ذلك الحين، تتجاوز إيران بكثير القيود المتفق عليها في برنامجها لتخصيب اليورانيوم.
وترفض طهران حتى الآن تحذير ترامب لها بالتوصل إلى اتفاق أو مواجهة عواقب عسكرية.
وتتهم القوى الغربية إيران بالسعي سرا إلى تطوير قدرات نووية عسكرية من خلال تخصيب اليورانيوم إلى مستويات عالية من النقاء الانشطاري، تتجاوز ما تعتبره مبررا لبرنامج طاقة نووية مدني.
وتؤكد طهران أن برنامجها النووي مخصص بالكامل لأغراض الطاقة المدنية.