سودانايل:
2025-04-06@14:19:41 GMT

من طرف المسيد: سنة الكسرة

تاريخ النشر: 14th, July 2024 GMT

من طرف المسيد: سنة الكسرة
يرويها الاستاذ محمد سيد احمد الحسن
حررها عادل سيد احمد

في تسجيلات صوتية أرسل لي الوالد هذه الفذلكة التاريخية عن سنة الكسرة وقد قام ابني محمد عادل بتفريغ تلك التسجيلات حيث قمت انا بتحريرها لكم.
يقول الوالد:
- الكسرات في تاريخ السودان كثيرة، ولكن هناك كسرات مشهورة منها كسرة ود بشارة وكسرة الشايقية في كورتي على سبيل المثال.


والكسرة في الأصل لا تعني الهزيمة لأنها ليست حربا وإنما هي هجوم دولة قوية او قبيلة او إمبراطور على أناس بسطاء مساكين لا يملكون شيئا بهدف التخريب والتدمير والنهب وإلغاء النظام الاجتماعي القائم.
وكانت كسرة الفونج لسوبا من أشهر الكسرات فقد كانت سوبا مملكة أرسل لها ملوك الفونج في سنار جيشا ليدمرها ويحرقها فكانت تلك نهاية سوبا ولم تقم لها قائمة بعد ذلك وحتى الآن.
اخذ مسمى الكسرة من كسرة البحر (النيل) عندما يتعدى ارتفاع المياه المستوى الطبيعي ليسبب دمار للجسور والقرى والمدن المحيطة بلا تمييز ومن هنا يأتي تشبيهه بالجيوش او القبائل او الشعوب وهجوم على منطقة وتدميرها بالكامل.
اما الهزيمة فتكون بين شعبين او جيشين متحاربين. وعندما يعجز أحدهما عن مواصلة القتال يستسلم ويفرض المنتصر نظاما جديدا. ولكن الكسرة مختلفة فهي خراب شامل حيث يفر الناس ويهربون تاركين بلدهم فتصبح ديارهم خاوية من الناس.
الكسرة التي حدثت في الشمال كانت جزء من فظائع حملة عبد الرحمن النجومي على توشكي. وكان قائد الكسرة مسلم قيدوم ويقال انه ابن عم الخليفة التعايشي وكان جيشه من أبناء قبيلة التعايشة وعاثوا في الأرض فسادا فكانوا يصادرون ممتلكات الناس: بقرة؛ عيش؛ جلباب... الخ. لدرجة ان تعطلت حياة الناس فصاروا يهربون إلى الجبال او بالقرب من البحر ويظهروا ليلا ليدبروا معاشهم بما تيسر. وأخطر ما في ذلك انهم كانوا عندما يهربون يتركون الأطفال فكان كثير منهم يعيش بلا عائل عيشة هي كعيشة الحيوانات بالخروم او الصمغ او يقبضوا الطير وهكذا.
وهاجر الناس بكميات كبيرة ولم يرجعوا مرة أخرى. ولكن القليل من الناس رجعوا فمثلا نحن في منطقة المقل محلية مروي غاب أناس تركوا خلفهم معالم. تجد مثلا (ود عباد) يقال انه كان رجلا ثريا وله جنائن، من هو؟ واين ذهب لا أحد يدري. و(ود لقام) له ساقية موجودة حتى الان اسمها ساقية لقام ولكن ماذا حدث له؟ واين ذهب؟ لا أحد يدري.
وعندما انقشعت تلك الكسرة كان عدد الموجودين بسيط جدا. القليل من الناس هنا وهناك وجاء اغراب.
هل تصدق ان كل الموجودين في المقل من الذين ينتمون لشايق فقط اسرة او اسرتين؟ وعندما تسأل الناس عن أصولهم يقولون لك: نحن محس، نحن دناقلة، نحن حضرنا من بدين، من الكتياب، نحن جعليين نحن فلاتة. والقرية التي تتكون من ثمانية وعشرين ساقية لا يوجد فيها سوى بيتين او ثلاثة من الشايقية. صحيح ان كل الموجودين الآن شايقية تاريخا ولغة وثقافة ولكن هم اصلا ليس يهم صلة بشايق. فمثلا تجد ان أكبر الفروع كالمسوداب وهم أصلهم محس وحضروا من الكوة عندما حدثت لهم كسرة مماثلة، وقد كانت الكوة مملكة شهيرة في شمال السودان واول منطقة عرفت صناعة الفخار وبها آثار حتى الان تسمى الدفوفة، هذه المملكة رحلت بالكامل وليس فيها الآن لا قرد ولا شيطان. وعندنا الوديداب قالوا نحن دناقلة وعندنا الهادياب قالوا نحن حضرنا من الكتياب وآخرون أتوا من الجابرية وامكنة أخرى. واسسوا القرية الحديثة على ما هي عليه الآن. وغير اولاد ابكروق وأولاد شمبر لا أظن أن هناك من ينتمون لشايق.
الكسرات في التاريخ طبعا كثيرة حيث يهاجر الناس إلى جهات غير معلومة فمثلا عندنا اولاد الريف في دنقلا (حلب دنقلا) من المماليك هربوا في كسرة من الكسرات التي نتجت عن الفتوحات في مصر ثم استقروا في الشمالية ولم يرجعوا لمصر مرة أخرى.
ولدينا أقارب أبناء عمومة يتواجدون الآن في رفاعة وسط السودان وفي نيجيريا. ذهبوا إلى غير رجعة ومثلنا آخرين.
وتنهي الكسرة المجتمع القديم كله وتقيم على انقاضه اخر جديد، يأتي أناس جدد فيعمروا من اول وجديد.
وكما ذكرت لك سوبا ومثلها البجراوية... فقد هاجمها الاحباش في التاريخ القديم وكسروها وعاثوا فيها تخريبا وحرقا ونهب. ولم تقم لها قائمة مرة أخرى وتشتت اهل البجراوية ولم يعرف لهم أثر.. النوبة الذين كانوا في البجراوية او مروي الذين انكسروا امام جيش الاحباش ولا أحد يعلم أين ذهبوا رغم ان آثارهم لا تزال باقية فمثلا تجد ان (كجبي وكدكانة مملكة) الواقعة بين مروي والكرو تظهر فيها من بعيد آثار حلل وفرقان وحيشان ولكن عندما تصلها تجدها خاوية على عروشها لا يوجد فيها أحد. منطقة كبيرة جدا خالية من الناس رغم أنها كانت (مملكة).
وهكذا تجد هذا النوع من الآثار في المناطق التي اخلاها اصحابها بسبب الكسرات. وهذا هو عيب الكسرة عكس الهزيمة. ففي الهزيمة يستمر الناس تحت سلطة الحاكم الجديد او يتم تفعيل جيشهم ويبنى منه جيش جديد. ولكن في الكسرة يترك الناس بلدهم تماما ويخرجوا إلى جهات أخرى يستقروا فيها، وهذا هو الاشكال في الكسرات.
وقد حكت لنا جدتي (بت نعمي) ان الناس كانوا عراة، وكانوا كبارا... ولذلك كانوا يختفون نهارا ويظهرون بالليل. وقد ذكرت لي ان للجوع صوت مسموع.
وقد حكت انه ذات مرة احضر زوجها (ود كرار) دخنا او شيء مقارب له. وكانوا قد قضوا ثلاثة أيام بدون طعام. وفكروا انهم لو اوقدوا نارا لطباخته سيرى أنصار المهدي الدخان او سيأتي أحد من الجيران في الحلة. فقرروا ان يطبخوه ليلا بعد أن ينام الناس.
فطبخوا الدخن وصنعوا منه عصيدة ولكن بمجرد ان بدأوا يأكلون طرق أحدهم الباب وصاح بهم: (يا جماعة! يا اخوانا...) ... فقالت بت نعمي: فسكتنا وقطعنا الحركة، ولكن الطارق استمر ينادي: (يا جماعة! انا عارفكم صاحين والله انا لي سبعة يوم لم اتذوق فيها طعام) ... واستمر في استجدائهم...
قالت بت نعمي: فبكى ود كرار وقال لي: اقسمي له نصيبي!
فقامت بت نعمي بإعطاء الطارق نصيب ود كرار من العصيدة وأكلت نصيبها.
وقد اوصل الأنصار الناس لدرجة انهم أكلوا الجلود والحمير وآخرين عاشوا على الدقيق.
إلى أن غادر الجيش فأعقبت مغادرته المجاعة لأنهم كانوا قد خرطوا المحاصيل وهي بعد خضراء. وقد حاول الناس ان يقنعوهم بعدم خرط التمر وهو أخضر لأنه لن يفيدهم ولن يفيد غيرهم ولكنهم خرطوه رغم انه غير قابل للأكل.
وعندما انتهى الموسم لم يجد الناس ما يحصدوه. لأن الأنصار كانوا قد خرطوا كل المحصول وهو أخضر.
وبدأ الناس يعودون من جديد فرادي... واحد واحد وأتى اغراب ووجوه غريبة إلى أن عمروا البلد من جديدة.
وهذه هي حكاية الكسرة.

amsidahmed@outlook.com  

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: من الناس

إقرأ أيضاً:

المليشيا مارست ابشع ما يمكن تصوره من فظائع وعنف، ولكن صمد الأهالي

من يستحقون التكريم الحقيقي هم تلك الاسر التي صمدت في الاحياء واحتملت انتهاكات المليشيا وكانت حائط صد أمام تحقيق أهدافها باحتلال البيوت وتحقيق التغيير الديمغرافي ..
خلال جولتي أيام العيد ، زرت اقاربي في حي امتداد ناصر ، وجدتهم في هزال شديد ، يعانون ضغوط نفسية بسبب الاهوال التي عايشوها..

مارست المليشيا ابشع ما يمكن تصوره من فظائع وعنف ، ولكن صمد الأهالي وكانوا “سموراي” عظيم للأجهزة الاستخباراتية ساعدت سلاح الجو في دحر المليشيات حتى تحررت العاصمة ..

يحتفي السكان بكل قادم جديد إلى المناطق المحررة ، يعانقون الجنود بعرفان شديد ..
نعم اختفت المليشيات ولكن ما زال الجوع حاضراً ،بسبب تدمير الأسواق وايضاً الإجراءات الأمنية المشددة التي تتخذها القيادة العسكرية في العاصمة ،والتي تهدف الى بسط الأمن، محاربة المتفلتين والقبض على عصابات النهب المسلحة والمتعاونين، ولكنها تنعكس بشكل قاسي على سكان المناطق المحررة .
رشان اوشي

إنضم لقناة النيلين على واتساب

مقالات مشابهة

  • جنرال إسرائيلي: حرب غزة كانت الأكثر ضرورة في تاريخ إسرائيل ولكن..!
  • تقرير بريطاني: ليبيا موقع استراتيجي واحتياطات ضخمة.. ولكن أين الاستقرار المطلوب للاستثمار؟
  • كانوا بيقضوا العيد في المنوفية.. وفاة 5 من أسرة واحدة بحادث على الطريق الإقليمي
  • أستاذ إحصاء: معدلات الزيادة السكانية تتناقص.. ولكن عدد المواليد ما زال مرتفعًا
  • كانوا بيقضوا أجازة عيد.. تفاصيل مصرع 3 سيدات إثر إنقلاب سيارة سوزوكي بالشرقية
  • كانوا يكافحون لمساعدة المتضررين من الزلزال..إقالة فريق الوكالة الأمريكية للتنمية في ميانمار
  • المليشيا مارست ابشع ما يمكن تصوره من فظائع وعنف، ولكن صمد الأهالي
  • ترامب يبث فيديو لاستهداف تجمعا حوثيا كانوا يخططوا لهجمات بالبحر الاحمر
  • المكسيك تتنفس الصعداء بعد نجاتها من الرسوم الأمريكية الأخيرة... ولكن القلق الاقتصادي لا يزال حاضرًا
  • دار الوثائق القومية.. حمدا لله على السلامة ولكن!