فتيات إيرانيات تحدين نظام حكم رجال الدين
تاريخ النشر: 14th, July 2024 GMT
في عام 2022 شهدت إيران احتجاجات حاشدة اعترضت خلالها نساء على فرض الحجاب على خلفية وفاة الشابة مهسا أميني، سرعان ما اجتاحت معظم مدن البلاد، وقابلتها السلطات بالقمع والاعتقالات، ومع ذلك استمرت النساء الإيرانيات في تحدي حكم رجال الدين بشتى الوسائل.
في تقرير نشرته، السبت، سلطت مجلة "تايم" الضوء على مجموعة من الفتيات الإيرانيات اللواتي تحولن لأيقونات في مجتمعهن على الرغم من استمرار حملات التضييق التي تمارسها السلطات ضد النساء منذ الثورة الإسلامية عام 1979.
وثق التقرير، الذي أعدته المصورة الصحافية الإيرانية البارزة فروغ علائي، على مدار عامين، النساء اللاتي رفضن ببساطة سلطة رجال الدين وكسرن المحظورات في العديد من المجالات.
كيانا ونيلوفر تعلمتا تصليح السيارات بجهودهما الذاتية (@kiana_yarahmadi) نیلوفر فرهمند وکیانا یار أحمديكيانا ونيلوفر، وكلتاهما بعمر 33 عاما، صديقتان منذ أكثر من 10 سنوات، وتعدان من بين أوائل النساء اللواتي عملن في مجال تصليح السيارات في إيران.
تقول نيلوفر "لم نعتقد أبدا أن هناك مكانا للنساء في مجال ميكانيكا السيارات في إيران.. كلما ذهبنا إلى مؤسسات ميكانيكا السيارات، قالوا إنه ليس لديهم أي برامج للنساء".
اختارت المرأتان البدء بتعليم نفسيهما في عام 2019، وتوثيق أعملالهن على منصة إنستغرام، حيث جمعتا آلاف المتابعين والمشاركات التي انتشرت بسرعة.
تقول نيلوفر: "على الرغم من أنه لم يكن مسموحا لي أن أفعل أشياء كثيرة، إلا أنني فعلتها أخيرا وأثبتت نفسي أمام النقاد".
الناز اكتسبت اهتماما دوليا في عام 2022 لمنافستها بدون حجاب في بطولة آسيا للاتحاد الدولي لكرة القدم في سيول إلناز ركابيشاركت إلناز، البالغة من العمر 34 عاما، في بطولة العالم للتسلق في موسكو عام 2021، وحصلت حينها على الميدالية البرونزية.
سبق لإلناز أن فازت أيضا بميداليتين فضية وبرونزيتين في البطولة الآسيوية للتسلق.
لكن الناز اكتسبت اهتماما دوليا في عام 2022 لمنافستها بدون حجاب في بطولة آسيا للاتحاد الدولي لكرة القدم في سيول.
واعتبر معظم الإيرانيين ذلك بمثابة إشارة لدعم الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي اجتاحت البلاد على خلفية وفاة مهسا أميني.
وعندما عادت إلناز إلى طهران، استقبلها مئات الأشخاص، بما في ذلك نساء غير محجبات، وسط هتافات "إلناز البطلة".
سنایي هي قائدة ومساعد مدرب فريق هوكي الجليد الإيراني للسيدات أعظم سنایيسنایي هي قائدة ومساعد مدرب فريق هوكي الجليد الإيراني للسيدات، الذي تمكن من الحصول على المركز الثاني في بطولة آسيا وأوقيانوسيا للسيدات التابعة للاتحاد الدولي لهوكي الجليد لعام 2023.
وكذلك نجح الفريق، على الرغم من أنه أنشئ في عام 2020، من الفوز بالمركز الأول في عام 2024.
كانت سنايي تبلغ من العمر 14 عاما عندما بدأت لعب الهوكي، واليوم في سن الـ34 رفعت كأس آسيا وأوقيانوسيا للاتحاد الدولي لكرة القدم فوق رأسها.
في صالات العرض، غالبا ما تُجبر بروا على تغطية أعمالها بالورق أو القماش (@parvakarkhaneh) بروا کارخانهترسم بروا، البالغة من العمر 36 عاما، بشكل احترافي منذ 15 عاما، مع التركيز على النساء والصور الشخصية.
تتحدر بروا من مدينة كرمانشاه، وهي منطقة كردية في شمال غرب إيران، ومن عائلة محافظة.
تقول بروا: "لعملي جذور شرقية وإيرانية.. لم أحاول إظهار العنف أو الاحتجاجات في لوحاتي. ومع ذلك، فإن النساء المعزولات والحساسات والعاريات في بعض المواقف يجذبن الكثير من الاهتمام".
في صالات العرض، غالبا ما تُجبر على تغطية أعمالها بالورق أو القماش.
وتضيف بروا أن "هناك دائما بعض الجدران التي تقيدنا.. وأحيانا أغطي عملي حتى في المنزل لإخفائه عن أنظار جيراني، وكأننا نعيش بهذه الطريقة ونغطي أشياء كثيرة دون وعي".
زهرة حصلت على ميداليات برونزية عام 2019 في دورة الألعاب الآسيوية للصالات والفنون القتالية (@zahra.yazdanii_cherati) زهرة یزدانيزهرة هي رياضية إيرانية بارعة تتنافس في مصارعة "آليش" التقليدية التي تحظى بشعبية في ايران ومنطقة آسيا الوسطى وتسمي أيضا مصارعة الحزام، حيث يحمل المتنافسون أحزمة بعضهم البعض بهدف رمي خصمهم على السجادة.
تخضع الرياضيات مثل زهرة للرقابة الدقيقة في إيران، حيث يتم فرض عقوبات على أولئك اللواتي لا يتبعن القواعد الإسلامية الصارمة أثناء المنافسات.
حصلت زهرة على ميداليات برونزية عام 2019 في دورة الألعاب الآسيوية للصالات والفنون القتالية وبطولة العالم لمصارعة الحزام، بالإضافة إلى الميدالية الذهبية في دورة الألعاب الآسيوية للصالات والفنون القتالية 2017.
النساء تُمنع عموما من الغناء علنا في إيران (@ behinbolouri) بهین وثمین بلوريبدأت بهين (28 عاما)، وأختها ثمين (21 عاما) العمل كموسيقيتين ومغنيتين منذ ثماني سنوات.
وتُمنع النساء عموما من الغناء علنا في إيران، لكن الأختين تبثان أغانيهن لآلاف المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي.
بمجرد بدء احتجاجات مهسا أميني في جميع أنحاء البلاد، أطلقتا نسخة فارسية من الأغنية الشعبية الإيطالية المناهضة للفاشية "بيلا تشاو".
وقالتا إن نسختهن تحمل أفكارا تسعى إلى الحرية والأمل.
نسرين تيمورينسرين (31 عاما) هي المشرفة على أول فريق مشاهد خطرة نسائي في إيران، وتتضمن أعمالها السقوط على الدرج إلى محاكاة حوادث السيارات، وأحيانا تنطوي على إشعال النار.
تقول نسرين: "أقترح على الفتيات اللاتي يتبعن رغباتهن أن لا شيء مستحيلا... لقد آمنت بنفسي وفعلت ذلك".
نسرين هي أيضا عضوة في دار السينما الإيرانية، حيث تقوم بتوجيه الرجال والنساء على حد سواء.
سوغول خيرانديشتمارس سوغول (30 عاما) أعمالا تشتمل على الرقص وألعاب الخفة، والدوران بالنار وغيرها من الفعاليات القائمة على الحركة.
في السنوات الأخيرة، اجتذبت هذه الأنشطة الشباب في المدن الكبرى مثل طهران، حيث يرتدون ملابس غربية ويصففون شعرهم بتسريحات عصرية ويضعون الوشم.
لكن الرقص في الأماكن العامة محظور على النساء في إيران.
تقول سوغول إن "أقوى عائق أمام الفتاة في مجتمع مغلق هو الأشخاص ذوي العقول الضحلة.. وهذا ما يجعل معظمنا مكتئبا".
هاستي رضائيهاستي (17 عاما) هي أصغر متسابقة موتوكروس في إيران، حيث بدأت بممارستها في سن التاسعة، وكانت بطلة موتوكروس إيران في الفترة 2021-2022، وبطلة موتوكروس وطنية وإقليمية عدة مرات.
تذهب هاستي إلى المضمار في نهاية كل أسبوع. وتقول: "يعتقد البعض أنها رياضة ذكورية وأنها تشكل خطرا على النساء. ويسألونني: ألا تخافين؟" ماذا لو أصبت؟ لكن الإصابة ليست سوى جزء من الخطر".
العداء ضد المرأةوترى ناشطات إيرانيات معارضات أن نظام حكم رجال الدين في إيران استهدف النساء الإيرانيات بالتضييق مرة وبالاعتقال والقتل في محاولة منه للحد من مشاركتهن في المجتمع.
تقول رئيسة رابطة النساء الأنغلو-إيرانيات في المملكة المتحدة ليلى جزائري إن النساء كن الهدف الرئيسي للنظام الثيوقراطي الإيراني منذ عام 1979.
وتضيف جزائري لموقع "الحرة" أنه "سرعان ما تم إضفاء الطابع المؤسسي على كراهية النساء في القانون من قبل المرشد الأعلى آنذاك آية الله الخميني، مما أدى إلى حرمان المرأة من حقوقها الأساسية".
وتبين جزائري أن "الحجاب الإلزامي وجلد النساء بسبب الحجاب غير المناسب، والهجمات بالأسيد حصلت في تلك الفترة ومستمرة حتى يومنا هذا".
تقول جزائري إن "العداء ضد المرأة هو جوهر جرائم النظام، حيث يقوم بترهيب المجتمع الإيراني بأكمله من خلال قمع المرأة للبقاء في السلطة".
"ومع ذلك، لم تلتزم المرأة الإيرانية الصمت منذ أكثر من 40 عاما، على الرغم من أنها دفعت ثمناً باهظا من أجل الحرية والمساواة والعدالة"، بحسب جزائري.
بدورها تقول الناشطة والباحثة في الشأن الإيراني منى السيلاوي إن "الجيل الإيراني الحالي من الفتيات المتمردات هو نتاج لجيل عانى من ظلم وتسلط حكم رجل الدين خلال لـ40 عاما القائم على قمع النساء".
وتضيف السيلاوي لموقع "الحرة" إن "التمرد يظهر بطرق مختلفة مثلا في قضية الحجاب كانت النساء اللواتي يجبرن على لبسه كن يظهرن أجزاء من شعرهن أو يلبسن ملابس على الموضة".
تعتقد السيلاوي أن "الجيل زي (Z) من النساء في إيران فاجأ الجميع، حيث كان الكثيرون يعتقدون أنه جيل غير مهتم بالسياسة، لكن العكس كان صحيحا".
وتبين السيلاوي أن "التحكم بهذا الجيل سيكون صعبا جدا على النظام، وهو ما سيؤدي بالنهاية لإجبار السلطة الدينية على تغيير تعاملها مع الشباب، أو ربما أكثر من ذلك، عبر إسقاط النظام".
المصدر: الحرة
كلمات دلالية: للاتحاد الدولی على الرغم من رجال الدین فی إیران فی بطولة فی عام
إقرأ أيضاً:
“سنموت هنا مثل من سبقنا”: سودانيات بين الاغتصاب والاستغلال في ليبيا
عندما اكتشفت سلمى حملها من المغتصبين، لم يقبل أحد مساعدتها في إجهاضه وكان قد بلغ شهره الثالث عندما عاينتها الطبيبة..
التغيير: وكالات
أسماء المهاجرات في هذا التقرير كلها أسماء مستعارة.
“احنا عايشين في رعب” هي الجملة التي سمعتها من كل من تحدثت معهن خلال إعداد هذا التقرير.
خمس سودانيات من أعمار مختلفة، دخلن ليبيا مع عائلاتهن بحثا عن حياة أفضل، فانتهى بهن المطاف أسيرات حلقة من العنف والاستغلال، حكين تفاصيلها لنا.
لجأ أكثر من مئتين وعشرة آلاف سوداني إلى ليبيا منذ اندلاع الحرب في السودان منتصف أبريل 2023 حتى يناير 2025 حسب تقديرات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
“دعوت ربي أن نموت كلنا معا أنا وأطفالي”سلمى أم لثلاثة أطفال، أصغرهم رضيع، وتحمل في بطنها طفلا “والده واحد من مغتصبيها في “التركينة” في ليبيا”، كما تقول.
“التركينة” -وتعني الركن في العامية الليبية- هي اسم يطلق على مراكز احتجاز عشوائية يحتجز فيها مهربو البشر في ليبيا المهاجرين حتى يدفعوا مالا مقابل إطلاق سراحهم حسب روايات متطابقة من مهاجرين في ليبيا تحدثت إليهم بي بي سي.
“يدخل المهربون صباح كل يوم بهواتف ليتصل المحتجزون بمن قد يدفع فديتهم”.
وقد يترك المهاجرون مبلغا لدى المهرب في مصر على أن يرسله إليهم بعد أن يجتازوا الحدود.
لكن المهرب قد يتنكر للمهاجرين ولا يرد على اتصالاتهم اليومية من الأسر، كما حدث لسلمى التي دفعت 16 ألف جنيه مصري (مايقارب 350$) ليعبروا الحدود من مصر إلى ليبيا بداية عام 2024.
وكانت سلمى تعيش مع زوجها وأطفالها في مصر عندما اندلعت الحرب في السودان.
وظنت سلمى أن في ليبيا حياة أفضل لها ولأطفالها بعد أن ضاقت بهم السبل في مصر و”أصبحوا عرضة للنبذ والعنصرية والعنف” شأنهم في ذلك شأن سودانيين آخرين تحدثنا إليهم من بين مئات الآلاف الذين دخلوا مصر هربا من الحرب.
لكن حياة سلمى في ليبيا “جحيم مستعر”. قضت سلمى وأطفالها وزوجها في “التركينة” نحو شهرين مع مهاجرين آخرين.
في غرفة للنساء والأطفال مفصولة عن زوجها الذي أودع غرفة خاصة للرجال، ذاقت سلمى وابنتها وولدها ألوانا من العذاب، تتذكرها سلمى بتفاصيل مؤلمة.
“مازالت علامات الضرب على أجسامنا أنا وأطفالي.. ابني وابنتي أصيبا بالتبول اللاإرادي من الرعب والتعذيب، يضربون ابنتي ويضعون أصابع ابني في فرن مشتعل أمام أعيني” تقول سلمى باكية بحرقة.
“في أحيان كثيرة دعوت ربي أن نموت كلنا معا في آن واحد، لا سبيل آخر للخلاص”، تقول سلمى.
خفت صوت سلمى فجأة وهي تقول بخجل “كانوا يأخذونني إلى غرف مخصصة للاغتصاب، وفي كل مرة يأتي رجال مختلفون، أحمل في بطني طفلا من أحدهم الآن”.
نجحت صديقة لسلمى بمصر في جمع تبرعات غطت جزءا من المبلغ قبله المهربون وأطلقوا سراحها وعائلتها عندما تأكدوا أنه لن يصلها مزيد من المال.
عندما اكتشفت سلمى حملها من المغتصبين، لم يقبل أحد مساعدتها في إجهاضه وكان قد بلغ شهره الثالث عندما عاينتها الطبيبة.
حين أخبرت سلمى زوجها بحملها هجرها وأطفالها. افترشوا الأرض في الشوارع وأكلوا مما وجدت في النفايات.
في مزرعة قصية، وجدت سلمى غرفة تأويها وأطفالها وفي أطراف المزرعة بئر مكشوفة تجلب منها ماءا ملوثا لكنه يروي عطشهم، أما الجوع فقد تعودوا عليه.
“يتقطع قلبي عندما يقول لي ابني إن الجوع سيقتله” تقول سلمى وصوت رضيعها الباكي يغطي على صوتها، وهي تقول لي “جائع هو الآخر لكني لا أملك غير صدري أرضعه حتى يهدأ، رغم أنه لا يوجد به ما يشبعه”.
لم تأمن العائلة شر العصابات التي يعتقد أفرادها أن المهاجرين السودانيين يخفون مالا كثيرا.
“أنتم السودانيون كذابون تدعون الفقر لكنكم خرجتم من السودان بذهب كثير” تنقل لي سلمى عن ثلاثة ملثمين هاجموا غرفتها في المزرعة.
تنقلت سلمى من مكان لمكان حتى آوتها عائلة مهاجرين في ليبيا.
يبقى عليها أن تطعم أطفالها وتحميهم، حتى بالموت الذي تتمناه لها ولهم.
وتشعر سلمى أنها لن تعود إلى السودان أبدا: “لن يقبل أهلي هناك حتى جثماني الميت وقد بت سيئة السمعة”.
“بت أكره جنسي ولوني الأسود”جميلة، سودانية من دارفور في الأربعينات من عمرها. هي واحدة ممن دخلوا ليبيا قادمين من مصر بعد منتصف 2023.
ومنذ ذلك الحين، تدور جميلة وبناتها في حلقة من أحداث متكررة، تبدأ بالبحث عن عمل لتأمين مأكل وإيجار سكن وتنتهي في كل مرة بالضرب والاغتصاب المتكرر، تقول جميلة.
اغتصبت واحدة من بناتها مرتين والأخرى ثلاث مرات. “كان عمر إحداهما 19 عاما والأخرى 20 عاما عندما اغتصبتا أول مرة”.
“أرسلتهما للعمل في التنظيف يوم كنت مريضة لا أقدر على العمل، فعادتا ليلا متسختين وعليهما آثار ضرب ودم، اغتصبهما أربعة رجال حتى أغمي على إحداهما وعادت الأخرى بنزيف شرجي.”
تقول جميلة إنها لم تنج هي نفسها من الاغتصاب حين حبست لأسابيع في منزل دخلته للتنظيف بمقابل كانت في أشد الحاجة إليه.
“كان يعذبني ويقول إنني “سوداء مقرفة”، اغتصبني وقال إني في النهاية “امرأة خلقت ليركبها الرجال”.
لم يغفل حديث جميلة عما حدث لها ولبناتها تفصيلا ولا وصفا لما شعرت به في كل مرة، كأنما تعيش ما حدث مجددا وهي تحكي وتقطع حديثها بين حين وحين مرة لتبكي وأخرى لتعتذر لي على “بشاعة التفاصيل”.
تشعر جميلة أن نصيبها من كل ما يعانيه المهاجرون في ليبيا، حتى النساء، مضاعف بسبب لون بشرتها “بت أكره لون جلدي الأسود، ما ذنبي أنا لم أخلق نفسي؟” تسأل جميلة بصوت مخنوق، أسكت وتبكي حينا قبل أن تستغفر ربها وتطلب منه صبرا وفرجا.
“قبل أيام دفعني أحدهم خارج سيارة النقل الجماعي قال إن رائحتنا كريهة وعدت بأنف وشفاه دامية. حتى الأطفال هنا لا يتوانون عن إهانتنا يعاملوننا كأننا وحوش وأينما ذهبنا نسمع “يا سحرة يا سود يا أفارقة، أليسوا أفارقة مثلنا؟” تسألني جميلة، فأصمت.
لا تحلم جميلة بأكثر من العيش بأمان وأن تضع أمام أطفالها طبقا من أرز ولحم، وأن يناموا على أسرة ويركبوا دراجات كغيرهم من الأطفال، “لكننا سنموت هنا كما مات إخواننا من قبلنا”، تقول جميلة.
مثل جميلة وسلمى نساء كثيرات في ليبيا سمعت بي بي سي حكايات بعضهن، لم يستطعن مغادرتها نحو بلد آخر وهن لا يملكن مالا يدفعنه للمهربين، ولا يستطعن العودة إلى السودان والحرب دائرة فيها.
“اغتصب الكبرى وهددنا باغتصاب الصغرى إن نطقنا”
هربت ليلى مع زوجها وأطفالها الستة من السودان بداية 2024 عندما ما هاجم مسلحون منزلهم في أم درمان واقتادوا أخاها إلى وجهة لا تعلمها حتى الآن.
اتجهت إلى مصر ومنها إلى ليبيا بعد أن دفعت للمهربين 17 ألف جنيه مصري (ما يعادل نحو 350 دولار أمريكي).
“تدهورت صحة ابني واحتاج رعاية طبية بعد ضرب كثير تعرض له حين احتجزنا مهربو البشر في ليبيا طلبا للمال”، تقول ليلى.
أطلق المهربون سراحهم بعد أيام. واعتقدت ليلى أن حياة آمنة في انتظارها وعائلتها بعد أن استأجروا غرفة في المدينة وبدأوا البحث عن عمل.
خرج زوجها بحثا عن عمل قبل أشهر ولم يعد. مازالت تنتظره وتأمل عودته لكنها تخشاها أيضا. تخاف ردة فعله إن عرف أن ابنته ذات التسعة عشر عاما اغتُصِبت في غيابه.
تعرف ليلى من اغتصب ابنتها لكن لا حول لها ولا قوة.
“نعرف من اغتصبها لكنه هددها بأنه سيغتصب أختها الصغرى إن هي نطقت بحرف.” تقول ليلى بصوت مرتعش خافت وهي تحدثني من غرفة مغلقة خشية أن يسمعها أحد أو أن تعرف الجارة التي يستأجرون منزلها فتطردهم.
“نعيش الآن في رعب، لا نجد ما نأكله في أيام كثيرة، حرم أبنائي من حقهم في التعليم، ابني الصغير يخشى حتى الخروج من البيت لأن الأطفال يضربونه ويعايرونه بلونه الأسود، أشعر أني سأجن” تقول ليلى لبي بي سي.
تشعر ليلى أنها وأطفالها عالقون في ليبيا، ليس لديهم مال يدفعونه للمهربين ليخرجوهم منها ولا يستطيعون العودة إلى السودان الذي تمزقه الحرب وترهق أهله المجاعة.
منذ بداية الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل نيسان 2023، هجِّر نحو 11 مليون سوداني من بيوتهم وانتشرت المجاعة في البلاد وبات نحو نصف سكانها في احتياج شديد للمساعدات الغذائية، كما تقول تقارير المنظمات الدولية.
وتقول المفوضية العليا لشؤون اللاجئين إن 210 آلاف سوداني دخلوا ليبيا منذ بداية الحرب منتصف أبريل حتى بداية يناير 2025.
يقول طارق لملوم الباحث في قضايا المهاجرين وطالبي اللجوء في ليبيا، وهو الذي ساعدني في الوصول إلى بعض اللاجئات اللاتي تحدثت إليهن عبر الهاتف، إن النساء من سود البشرة هن الأضعف من بين الضحايا في ليبيا وإن “تعرض اللاجئات من السودان، خاصة العاملات في المنازل، للاغتصاب أمر يتكرر كثيرا”.
وتحدث الاعتداءات الجنسية على المهاجرات غالبا على يد تجار البشر أو المواطنين الذين يشغلونهن.
وكانت النيابة العامة في ليبيا قد فككت شبكة تهريب واتجار بالبشر في الشويرف جنوب غرب ليبيا نهاية شهر أغسطس هذا العام واقتحمت مخزنا احتجز فيه ألف وثلاثمائة مهاجر.
وقال بيان النائب العام إن السلطات “خلّصت بعضهم من الاحتجاز القسري، وضروب التعذيب التي أُنزِلَت بهم لغرض إرغام ذويهم على دفع مبالغ مالية مقابل إطلاق سراحهم.” ووجهت السلطات للمعتقلين من أعضاء العصابة تهم ارتكاب جرائم القتل وحجز الحرية والتعذيب والاغتصاب.
“قد أسجن إذا اشتكيت رسميا”لم تسكت جميلة عندما تعرضت ابنتاها للاغتصاب، اشتكت لكن الشرطي الذي جاء ليعاين جريمة اغتصابهما في المستشفى تراجع عن تسجيل المحضر عندما عرف أن وجودها في ليبيا غير قانوني.
إذا سجلت الشكوى سينتهي الأمر بجميلة في السجن، حذرها الشرطي.
لم توقع ليبيا اتفاقية عام 1951 ولا بروتوكول 1967 الخاصين باللاجئين ولا تعترف بلجوء، وتعتبر كل من يدخل البلد دون تصريح رسمي “مهاجرا غير قانوني”.
لذلك لا تشتكي أغلب المهاجرات ضحايا العنف والاغتصاب رسميا، خوفا من السجن.
وقالت منظمة رصد الجرائم في ليبيا، والتي توثق انتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا عن طريق ناشطين هناك بشكل سري، لبي بي سي إن الاعتداء الجنسي على المهاجرات “أسلوب ممنهج شائع في طرابلس والغرب ويحدث في الشرق بشكل أقل” و إن “وضع المهاجرين غير القانونيين أفضل قليلا في الشرق وإن كانوا يتعرضون للانتهاكات هناك أيضا”.
وتعتبر المنظمة عدم قدرة الضحايا على تتبع مضطهديهم قانونيا سببا من أسباب استفحال هذه الممارسة.
وقالت مهاجرات تحدثت إليهن بي بي سي إنهن تمكن من تسجيل شكاوى رسمية في الانتهاكات التي حصلت لهم في شرق ليبيا على عكس ما حدث لهن في طرابلس.
وتقتسم ليبيا حكومتان: حكومة طرابلس المعترف بها دوليا وحكومة الشرق ومقرها طبرق.
“اغتصبت تحت تهديد السلاح ثم احتجزت دون سبب”هربت هناء، من دارفور بعد أن عانت فيها من الحبس مرارا لاتهامها بالنشاط السياسي المعارض، كما تقول.
لجأت إلى مصر بداية عام 2016 ثم انتهى بها المطاف في ليبيا نهاية عام 2023 أملا في دراسة ومستقبل أفضل لابنتها وابنها.
في ليبيا عاشت هناء وأولادها القصر “رعبا حرمهم النوم لأسابيع”.
كانت هناء تعيل أطفالها مما تحصل عليه من بيع القوارير البلاستيكية التي تجمعها من مكبات النفايات.
“نزل رجال من سيارة واقتادوني إلى غرفة داخل الغابة حيث اغتصبوني والسلاح مصوب نحو رأسي” تقول هناء.
في اليوم الثاني أخذها مغتصبوها إلى مركز قرأت على واجهته لافتة “دعم الاستقرار” وتركوها هناك. حبست أياما لا أحد يعرف ما ذنبها ولا أحد سألها ما الذي أتى بها إلى هناك، تقول هناء.
“رأيت هناك أمام عيني أولادا يضربون وتنزع ملابسهم بالكامل أمامي. رموني هناك أياما أتوسد نعلي البلاستيكي وأفترش الأرض لأنام، أطلب الذهاب إلى الحمام فيستجيبون بعد ثلاث أو أربع ساعات، تلقيت ضربا كثيرا على رأسي”.
تحدثت تقارير عديدة سابقة لمنظمات دولية عن اعتداءات يتعرض لها مهاجرون في ليبيا.
وكان تقرير لمنظمة العفو الدولية عام 2022 قد اتهم جهاز “دعم الاستقرار” هو مؤسسة أمنية تابعة للمجلس الرئاسي الليبي بـ”اعتراض طرق المهاجرين واللاجئين واحتجازهم تعسفيًا بعد ذلك، وممارسة التعذيب وفرض العمل القسري وغير ذلك من الانتهاكات المروعة لحقوق الإنسان”.
توجهت بي بي سي بطلب للتعليق على الاتهامات في حق جهاز دعم الاستقرار للمجلس الرئاسي الليبي لكننا لم نتلق ردا.
قالت منظمة رصد الجرائم في ليبيا والباحث طارق لملوم الذي عمل مع منظمات مختلفة في السنوات الماضية وزار مراكز احتجار مهاجرين لبي بي سي، إن الاعتداءات الجنسية على المهاجرات تحدث أيضا في مراكز احتجاز المهاجرين التي من المفترض أنها تخضع لنوع ما من الرقابة منها مركز الإيواء والاحتجاز “أبوسليم” في طرابلس التابع لجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية والمخصص للنساء والأطفال.
قالوا إن “استغلال المحتجزات جنسيا يتم داخل المركز بعلم من المشرفات عليه”.
وكانت منظمة أطباء بلا حدود قد قالت عام 2023 إن هناك “عددا متزايدا من التقارير بشأن تعرض المهاجرين في مركز أبو سليم “لعنف جسدي وجنسي، يتضمن التفتيش الجسدي الحميم والاغتصاب”.
ولم تتلق بي بي سي ردا على أسئلة وجهتها إلى وزارة الداخلية الليبية وجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في طرابلس بشأن هذه الاتهامات.
عبرت النساء اللاتي تحدثت إليهن عن شعور بالإحباط تجاه مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في ليبيا وقلن إن المفوضية تكتفي في أغلب الأحيان بتسجيل ما يحدث معهم ولا عون يذكر يتلقونه منها.
وقالت المفوضية لبي بي سي إن “أغلب اللاجئين في ليبيا هم في حاجة عاجلة للمساعدة الإنسانية والحماية” وإنها تساعد الأفراد المحتاجين لحماية دولية “كلما كان ذلك ممكنا في حدود ما يسمح به سياق عمل المنظمة في ليبيا التي لا تعترف باللاجئين وطالبي اللجوء”.
في الأثناء تبقى هناء وليلى وجميلة وسلمى كغيرهن من نساء ورجال، عالقات في ليبيا لا يستطعن العيش بأمان حيث لجأن ولا العودة إلى بلاد تمزقها الحرب.
“الظلم يبدأ من بلدك، خاصة إذا كنت امرأة” تقول جميلة التي اختتمت كلامها بدعاء لـ”آلاف النساء اللاتي يعانين ولا أحد يسمع قصصهن”.
نقلا عن بي بي سي
الوسومالسودان العنف الجنسي حرب الجيش والدعم السريع ليبيا