يمانيون – متابعات
تفاقَمَ مأزِقُ العدوِّ السعوديّ بشكلٍ أكبرَ، مع تأكيدِ قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي على الموقف المعلَن بشأن الاستعداد والجهوزية لمواجهة التصعيد الاقتصادي والإنساني المساند للعدو للصهيوني، وفقًا لمبدأ “العين بالعين”، والتأييد الشعبي الكبير لهذا الموقف؛ الأمر الذي يضع الرياض ورعاتها الأمريكيين على شفا معادلة جديدة تنطوي على تحولات مفصلية كبرى تعزز الواقع الإقليمي الجديد الذي فرضته معركة (طوفان الأقصى) وثبَّتته جبهةُ الإسناد اليمنية في هذه المعركة.

مصادَقةٌ شعبيّة على قرارِ مواجهة التصعيد:

بعد أسبوع من تحذيراتٍ غير مسبوقة وجّهها قائد الثورة للعدو السعوديّ بشأن مآلات تورطه في التصعيد الاقتصادي والإنساني الذي تقوده الولايات المتحدة ضد الشعب اليمن، من خلال قرارات نقل البنوك وإغلاق مطار صنعاء والتحريض لإغلاق ميناء الحديدة، دفع قائد الثورة بقرار المواجهة إلى الساحة الشعبيّة للمصادقة عليه، وهو ما تم بإجماع جماهيري غير مسبوق شهدته ساحات الاحتشاد الأسبوعية في كُـلّ المحافظات وعلى رأسها العاصمة صنعاء التي عبَّرَ المحتشدون فيها بكل صراحة عن جاهزية عالية لمواجهة التصعيد وتأييد مسبق كامل لكل الخيارات اللازمة في هذا السياق مهما كانت التداعيات والنتائج.

هذه الخطوة نقلت قرارَ مواجهة التصعيد الاقتصادي والإنساني إلى مستوى قريب جِـدًّا من التنفيذ؛ وهو ما يشكل صفعة كبيرة للنظام السعوديّ ولرعاته الأمريكيين الذين بدا بوضوح أنهم كانوا يعولون على مواصلة استراتيجية الخداع والمماطلة لتمرير التصعيد؛ فالاستجابة الشعبيّة الاستثنائية للنداء الذي وجهه قائد الثورة في خطابه الأخير وطلب فيه من الجماهير التعبير بوضوح عن رفضها للابتزاز الأمريكي السعوديّ، أتمَّت الحجّـة بشكل تام على العدوّ، ويمكن القول إنها أطلقت عَدًّا تنازليًّا للانفجار الكبير، في حال لم يتدارك النظامُ السعوديّ موقفَه بسرعة وبشكل حاسم.

لا مساحةَ للمراوغات والمساومة:

وفيما لا تبدي الرياضُ وواشنطن حتى الآن أيةُ مؤشراتٍ على التراجُعِ عن التصعيد، مؤكّـدتَين بذلك على اندفاع كبير مشترَكٍ نحو مساندة العدوّ الصهيوني في مواجهة جبهة الإسناد اليمنية؛ فَــإنَّ الالتفافَ الشعبي حولَ القرار الشجاع المعلَن من جانب السيد القائد، يؤكّـد للسعوديّين والأمريكيين بالمقابل الجِدية التامة في الدفاع عن خيارات وحقوق الشعب اليمني، بما في ذلك خيار مساندة الشعبِ الفلسطيني بكل ما يمكن حتى إنهاء الإبادة الجماعية في غزة؛ وهو ما يعني أنه لا توجدُ مساحةٌ للمراوغات أَو المساومات التي قد يلجأ إليها الأعداء.

وفي هذا السياق فقد تحدثت عدةُ تقاريرَ خلال اليومين الماضيين عن معلومات حول “تأجيل” قرارات التصعيد الاقتصادي والإنساني وعلى رأسها قرار نقل البنوك، وهو ما يشير إلى محاولات مرتبكة لامتصاص رد فعل صنعاء، مع إبقاء هذه القرارات كأوراق ابتزاز؛ الأمر الذي تؤكّـد كُـلُّ المؤشرات أنه لن ينجحَ في إنهاء المشكلة؛ فطبيعة التحذيرات التي وجَّهها قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين والحوثي والموقف الذي عبرت عنه حشودُ الجماهير اليمنية في هذا السياق، تؤكّـد بوضوح أن تورط النظام السعوديّ في التصعيد الاقتصادي والإنساني الأمريكي ضد اليمن خدمة للعدو الصهيوني ليس مُجَـرّد خطوة استفزازية بسيطة، بل تحَرُّكٌ عدواني خطير يستدعي ردًّا حاسمًا لا مجال فيه لأية ألاعيب؛ فالحل الوحيد لتجنب الانفجار هو إنهاء التصعيد بشكل كامل، والتوقف عن استخدام حقوق الشعب اليمني كأوراق ابتزاز.

السعوديّة أمام اختبار حاسم:

ووفقًا للطبيعة الحاسمة والحازمة الواضحة لقرار مواجهة التصعيد الإنساني والاقتصادي، فَــإنَّ الحلَّ الوحيد يكمنُ في إنهاء هذا التصعيد بشكل تام، وليس “تأجيله” أَو تحويله إلى موضوع جدَل وورقة ضغط تفاوضية جديدة.

ويمكن القول إن الطريقَ لتجنب الانفجار الناجم هذه التصعيد يستدعي أَيْـضاً ضمانَ عدم العودة لاستخدام الحُقوق الإنسانية للشعب اليمنية كأوراقِ ضغط مرة أُخرى، وذلك من خلال إنهاء حالة المماطلة التي يمارسها العدوُّ منذ أكثر من سنتين؛ لتجنُّبِ التقدم نحو اتّفاق سلام واضح يحيد الاقتصاد اليمني والاستحقاقات الإنسانية بشكل نهائي، ويسمحُ بالوصول إلى حَـلٍّ شامل؛ لأَنَّ بقاء مطار صنعاء وميناء الحديدة والقطاع المصرفي تحت سيطرة الرغبات السعوديّة والأمريكية يعني تمديد حالة المعاناة وبقاء الوضع مرشَّحًا للانفجار بشكل دائم.

وبناءً على ذلك، فَــإنَّ السعوديّة قد أخطأت التقديرَ بشكل فاضح، من خلال تورطها في التصعيد الأمريكي ضد الشعب اليمني؛ فبدلًا عن الهروب من استحقاقات السلام وامتلاك أوراق ضغط جيدة، سلطت الضوء بشكل مباشر على خطورة استمرارها بالمماطلة والمراوغة ووضعت نفسها على شفا تصعيد تعرف جيِّدًا أن كُـلّ الأوراق التي تمتلكها لن تجديَ نفعًا في مواجهته أَو حتى تخفيف آثاره.

الانفجارُ الكبير:

وبالحديث عن تداعيات التصعيد، فَــإنَّ تحذيراتِ قائد الثورة قد رسمت صورةً واضحة وكافية للوضع في حال الانفجار، من خلال معادلة “البنوك بالبنوك والمطارات بالمطارات والموانئ بالموانئ” وبرغم أن هذه المعادلةَ لا تفصح تماماً عن أساليب واستراتيجيات الرد اليمني، فَــإنَّها تسلط الضوءَ على النتيجة الرئيسية الأهم وهي أن اقتصادَ العدوّ السعوديّ سيتعرض لضرباتٍ متنوعة وكبيرة وغير مسبوقة، وهو أمرٌ تعرف الرياض جديتَه وخطورته؛ لأَنَّها قد تعرضت خلال سنوات العدوان لضربات يمنية كبدتها خسائرَ فادحة، علمًا بأن شدة الضربات الجديدة ستكون أكبرَ بكثير كما أكّـد قائد الثورة بشكل صريح.

هذا الانفجار لن تقتصرَ تداعياته على العدوّ السعوديّ وحدَه؛ فمسارُ معركة مواجهة التصعيد سيكون مفتوحًا على كُـلّ الاحتمالات؛ ونظرًا لاعتماد الرياض على حماية الولايات المتحدة المنخرطة أصلًا في اشتباك مباشر مع جبهة الإسناد اليمنية، فَــإنَّ العملياتِ اليمنيةَ ستجمعُ بين ردع العدوّ السعوديّ والعدوّ الأمريكي معًا؛ وهو ما يعني تثبيتَ المزيد من المعادلات الإقليمية التي ستثبت مكاسبَ المراحل السابقة من معركة “الفتح الموعود والجهاد المقدَّس” وستبني عليها مكاسبُ جديدة.

ومثلما ارتدت الحملةُ الأمريكية البريطانية لإيقافِ جبهة الإسناد اليمنية بنتائجَ عكسية عرضت مصالحَ أمريكا وبريطانيا للمخاطر، فَــإنَّ نتائجَ التصعيد الإنساني والاقتصادي الجديد لن تكونَ مختلفةً، فبدلًا عن “إشغال” الجيش اليمني وتشتيت جهوده، كما تأمل الولايات المتحدة، ستكون النتيجة هي ارتفاع وتيرة إضعاف النفوذ الأمريكي واستنزاف وجوده في المنطقة عسكريًّا واقتصاديًّا، بصورة سيصل تأثيرها أَيْـضاً إلى العدوّ الصهيوني الذي يعتمد على واشنطن بشكل رئيسي.

– المسيرة

المصدر: يمانيون

كلمات دلالية: الإسناد الیمنیة مواجهة التصعید قائد الثورة من خلال ف ــإن وهو ما

إقرأ أيضاً:

إبراهيم هنانو.. قصة الثائر الذي أحرق أثاثه من أجل سوريا

يعد إبراهيم هنانو أحد أبرز رموز النضال السوري ضد الاستعمار الفرنسي، وقائدًا استثنائيًا، ترك بصمة لا تُنسى في تاريخ البلاد في مرحلة حرجة امتدت إلى ربع قرن من الاحتلال.

لم يكن الرجل مجرد ثائر يحمل السلاح، بل جسّد بمواقفه وشجاعته معنى المقاومة، واشتهرت عنه جملة خالدة، قالها عشية إعلان الثورة التي قادها: "لا أريد أثاثًا في بلد مستعمر"، وهي العبارة التي أصبحت رمزًا للعزيمة ورفض الاحتلال.

وتعد قصة هنانو أكبر من مجرد سيرة ذاتية لقائد بزغ نجمه في فترة من التاريخ؛ بل هي شهادة حيّة على صراع شعب من أجل حريته وهويته في مواجهة قوى استعمارية.

من الميلاد إلى الثورة

وُلد إبراهيم بن سليمان آغا بن محمد هنانو لعائلة ثرية في بلدة كفر تخاريم غرب إدلب في عام 1869، ونشأ في حلب حيث أكمل فيها تعليمه الثانوي قبل أن يسافر إلى إسطنبول لدراسة الحقوق، وهناك انضم إلى جمعية الاتحاد والترقي، وشغل لاحقا مناصب إدارية في الدولة العثمانية.

أثناء إقامته في إسطنبول تزوج من فتاة أحبها، تعود أصولها إلى مدينة أرضروم شرق الأناضول، ورُزق منها بابنته نباهت، وبعد 12 عامًا من ولادتها أنجبت له ابنه طارق، بيد أنها فارقت الحياة بعد 15 يومًا من ولادته.

وعقب إكمال دراسته، عُيّن مديرًا لناحية في ضواحي إسطنبول لمدة 3 سنوات، ثم نُقل إلى نواحي أرضروم حيث تولّى بها منصب قائم مقام لمدة 4 سنوات، ثم عُيّن قاضي تحقيق في كفر تخاريم، حيث استمر في هذا المنصب قرابة 3 سنوات.

إعلان

لاحقًا انتُخب عضوًا في مجلس إدارة حلب لمدة 4 سنوات، ثم عُيّن رئيسًا لديوان الولاية لمدة عامين أثناء ولاية رشيد طليع، الذي دعمه وشجّعه على قيادة الثورة في الشمال بالتنسيق مع الملك فيصل.

كما انتُخب ممثلًا عن مدينة حلب في المؤتمر السوري العام بدمشق في دورته بين عامي 1919 و1920.

إبراهيم هنانو (الرابع من اليمين) مع وجهاء حلب (مواقع التواصل ) هنانو الثائر في وجه الفرنسيين

في صيف عام 1920 وجّه الجنرال هنري غورو إنذارا إلى الحكومة السورية التي كان يقودها الملك فيصل بن الحسين تضمّن عدة شروط، كان منها تسليم الخط الحديدي رياق-حلب، وحلّ الجيش السوري، وقبول الانتداب الفرنسي، إلى جانب فرض العُملة الورقية الفرنسية وإجراء تغييرات في الحكومة.

وبعد مشاورات مع الأعيان، انصاع الملك فيصل بن الحسين للإنذار وأبلغ غورو بذلك في برقية رسمية. أما القادة العسكريون فقد رفضوا هذه الشروط المهينة، وأعد يوسف العظمة وزير الحربية خطة دفاعية قسّم فيها سوريا إلى عدة جبهات استعدادا لمواجهة الفرنسيين.

وعقب هزيمة الجيش السوري في معركة ميسلون واستشهاد العظمة، قسمت سلطات الانتداب الفرنسي سوريا الشمالية إلى 5 كيانات، وهي دولة دمشق، ودولة حلب، ودولة جبل العلويين، ودولة لبنان الكبير، ودولة جبل الدروز.

وفي تلك الأثناء عيّنت سلطات الانتداب، صبحي الحديدي، رئيسًا لدولة حلب، بدلًا من إبراهيم هنانو الذي حاول السيطرة عليها مع الثوار دون جدوى.

كان هنانو منذ عام 1919 يدرك الخطر الفرنسي على سوريا، بل وعلى مناطق قليقية التي كان يحتلها الفرنسيون في جنوب الأناضول.

غورو وجه إنذارا إلى الحكومة السورية طالبها بحل الجيش السوري وقبول الانتداب الفرنسي (الجزيرة)

وفي أواخر ذلك العام، عُقد اجتماع في منزل قائم مقام إدلب عمر زكي الأفيوني، برئاسة إبراهيم هنانو، وحضره كبار ووجهاء إدلب والمناطق المجاورة كجسر الشغور وغيرها، كما شارك عدد من الوطنيين من أنطاكية والحفة واللاذقية بهدف تنظيم شؤون الثورة ومقاومة الاحتلال.

إعلان

وفي ذلك الاجتماع، تم الاتفاق على تكليف هنانو بتشكيل قوات عربية من المجاهدين على هيئة مجموعات قتالية لمشاغلة القوات الفرنسية التي كانت قد احتلت أنطاكية، وكانت المدينة سابقًا تحت سيطرة عزّة هنانو، شقيق إبراهيم، لكنه اضطر إلى تسليمها تنفيذا لأوامر الحكومة العربية في سوريا.

وكما يذكر محمود صافي في كتابه "سوريا من فيصل الأول إلى حافظ الأسد"، أن هنانو أعلن حينئذ بدء الثورة بحرق أثاث منزله، مؤكدًا موقفه بعبارته الشهيرة: "لا أريد أثاثًا في بلد مستعمر"، وعقب ذلك اندلع أول اشتباك مسلح بين الثوار والقوات الفرنسية في 23 أكتوبر/تشرين الأول 1919، حيث استمر القتال نحو 7 ساعات.

تمكنت فرق المتطوعين من الثوار بقيادة هنانو من تحقيق نجاحات ضخمة، مما زاد من شهرته والتفاف الناس حوله، ووصلت حماسة الثورة إلى حد أن ابنته طلبت مهرا غير تقليدي ومحفّزا للثوار، وهو 5 رؤوس جنود فرنسيين!

الملك فيصل الأول وقع معاهدة الانتداب مع فرنسا مما أثار غضبا شعبيا (غيتي)

ولكن في عام 1920، وقع الملك فيصل معاهدة الانتداب مع فرنسا، مما أثار رفضًا واسعًا بين السوريين.

ومع تصاعد الضغط الفرنسي، وانسحاب فيصل من سوريا، واجه إبراهيم هنانو صعوبات كبيرة بسبب نقص السلاح والعتاد، ما دفعه إلى اللجوء إلى أصدقائه الأقدمين في تركيا لطلب العون، وقد سافر لمقابلة مصطفى كمال أتاتورك وطلب دعمه.

وفعلا نجح هنانو في الحصول على كميات كافية من السلاح والذخيرة من تركيا، مما مكّنه من إلحاق خسائر فادحة بالقوات الفرنسية في جميع المواجهات، سواء في الأفراد أم العتاد.

وقد خاض بنفسه 27 معركة ضد الفرنسيين، كان من أبرزها معركة مزرعة السيجري، حيث نجح في أسر عدد من الجنود الفرنسيين، الأمر الذي يذكره جميل شاكر خانجي في كتابه "ثوار صنعوا الاستقلال"، كما تمكن هنانو من استعادة مناطق واسعة من السيطرة الفرنسية، بما فيها مسقط رأسه كفر تخاريم.

موكب الجنرال هنري غورو في حلب (مواقع التواصل) تحوُل في مسار الثورة

وعلى إثر ذلك، دخل الفرنسيون دمشق ثم حلب لقمع الثورة، مما دفع إبراهيم هنانو وقواته إلى اللجوء إلى جبل الزاوية، في المنطقة الواقعة بين حماة وحلب وإدلب.

إعلان

ومع تزايد أعداد المنضمين إليه هناك، تمكن من إنشاء قاعدة عسكرية، واتخذ المنطقة مقرا لقيادته، وأطلق عليه أتباعه لقب "المتوكل على الله" نظرًا لتكراره عبارة "توكلنا على الله" كلما قاد قواته في هجمات ضد الفرنسيين.

لاحقًا نقل هنانو قيادته إلى جبل الأربعين، وازداد عدد أتباعه بسرعة بعد تحقيقه عدة انتصارات على الفرنسيين، ولذلك أعلن قيام دولة حلب وأسس حكومة مستقلة تحت إدارته.

وقد دفع هذا التطور الفرنسيين إلى فتح قنوات تفاوض معه، مثلهم فيها، الكولونيل فوان والجنرال غورو، غير أن هنانو اشترط إيقاف تحركات القوات الفرنسية قبل البدء في أي مفاوضات.

وكما يذكر فايز قوصرة "الثورة العربية في الشمال السوري"، فإنه مما لا شك فيه أن الإصابات التي ألحقها الثوار السوريون بالقوات الفرنسية في عامي 1920 و1921 كانت شديدة، وهو ما يظهر من إحصاءات قدمتها الحكومة الفرنسية إلى مجلس النواب الفرنسي في جلسته بتاريخ 5 نوفمبر/تشرين الثاني 1925.

فقد أُعلن أن عدد الجنود الفرنسيين الذين قُتلوا في عام 1920 بلغ 2893، وفي عام 1921 بلغ العدد 2032 قتيلًا، ثم انخفض العدد في 1922 بعد القبض على هنانو إلى 636 قتيلًا، ليعود ويقفز من جديد إلى 5885 قتيلًا خلال ثلاثة أشهر فقط (من 15 يوليو/تموز إلى 15 أكتوبر/ تشرين الأول 1925) خلال الثورة السورية الكبرى التي اندلعت فيما بعد.

ولكن بعد توقيع مصطفى كمال أتاتورك اتفاقية مع فرنسا لانسحابها من تركيا، أوقف دعمه الثوار السوريين، الأمر الذي أضعف موقف إبراهيم هنانو في المفاوضات، وأصر الفرنسيون على أن تكون الدولة التي يطالب بها، والتي تضم إدلب، وحارم، وجسر الشغور، وأنطاكية، خاضعة لقيود عسكرية تفرضها فرنسا، وهو ما رفضه هنانو بشدة، معتبرًا ذلك اتفاقًا مذلا.

لاحقًا، اكتشف هنانو، أن الفرنسيين كانوا يناورون لكسب الوقت، حيث كانوا يحشدون قواتهم على الساحل السوري، إذ تمكّن الجنرال غورو من جمع 100,000 جندي هناك، بعد انسحابهم من جنوب تركيا التي كانوا يحتلونها منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى، بينما كانت المفاوضات مجرد وسيلة لإلهاء هنانو ورفاقه عن الاستعدادات العسكرية الفرنسية.

بعد توقيع أتاتورك اتفاقية مع فرنسا بانسحابها من تركيا أوقف دعمه الثوار السوريين فضعف موقف هنانو في المفاوضات (غيتي) اتصالاته بلينين

يروي يوسف إبراهيم يزبك في كتابه "حكاية أول نوار في العالم وفي لبنان" حادثة لافتة حيث أخبره إبراهيم هنانو، ذات ليلة أثناء إقامته الصيفية في بحمدون بلبنان، أن فلاديمير لينين أرسل إليه ضابطًا من القوقاز كان قد تعرف إليه هنانو قبل سنوات، عندما عملا معًا في خدمة الحكومة العثمانية في ولاية حلب.

إعلان

كان الضابط يحمل رسالة مكتوبة باللغة التركية، يعرض فيها دعم الثورة السورية التي حمل لواءها هنانو ورفاقه من فلاحي جبل سمعان في مواجهتهم الاحتلال الفرنسي عقب نكبة ميسلون.

وعندما سأل يزبك الزعيم عن مصير تلك الرسالة، أجاب: "لم تكن رسالة واحدة، بل عدة رسائل تبادلتها مع زعيم البلشفية، لإشعال نيران الثورات ضد الفرنسيين والإنجليز في تركيا، وسوريا، والعراق، وفلسطين، ومصر، وكان لينين مخلصًا في عرضه، لكنه أراد أن تكون الثورات نابعة من الشعوب الإسلامية نفسها".

ويؤكد الأمر نفسه محمد جمال باروت في كتابه "العلاقات العربية التركية" إذ إن الثورة البلشفية يومها، كانت حريصة على التحالف مع زعماء الأقطار العربية لنشر الشيوعية فيها للوقوف ضد الإمبريالية الغربية؛ فرنسية كانت أم إنجليزية.

باروت: الثورة البلشفية بزعامة لينين كانت حريصة على التحالف مع زعماء الأقطار العربية لنشر الشيوعية فيها (مواقع التواصل) الأسر والمحاكمة وسنوات النضال السياسي

في كل الأحوال، لم يكن الفرنسيون ليتركوا هنانو طليقا بعد هذه النجاحات الكبرى التي حققها، فأصدروا في حقه 4 أحكام غيابية بالإعدام عن طريق محكمة الجنايات العسكرية.

ومع تشديد السيطرة الفرنسية على الطرق وانقطاع الإمدادات العسكرية، اضطر هنانو في يوليو/تموز 1921 إلى مغادرة معاقله متجها جنوبًا، آملًا في التفاوض مع الشريف عبد الله في شرق الأردن.

لكن رحلته لم تكن آمنة، فبينما كان يعبر جبل الشعر قرب حماة في 16 يوليو/تموز 1921، وقع في كمين عنيف في معركة مكسر الحصان، حيث فقد معظم رجاله، لكنه استطاع الفرار بأعجوبة، لتكون تلك المعركة إيذانًا بانتهاء ثورته.

ومع ذلك، لم يكن الشريف عبد الله متحمسًا لأفكار هنانو السياسية، مما حال دون لقائهما، الأمر الذي اضطره إلى مواصلة طريقه إلى القدس وكان يريد الوصول إلى القاهرة لعله يجد في مصر داعما لثورته.

إعلان

ولكن في فلسطين تمكنت القوات البريطانية المتحالفة مع الفرنسيين من القبض عليه في 13 أغسطس/آب 1921، ليبدأ فصل جديد من المواجهة مع الاحتلال.

فبعد القبض على إبراهيم هنانو قُدِّم إلى محكمة الجنايات العسكرية الفرنسية بتهمة الإخلال بالأمن والقيام بأعمال إجرامية، وقد انعقدت أولى جلسات المحاكمة في 15 مارس/آذار 1922 وسط إجراءات أمنية مشددة.

فتح الله صقال أبرز محامي حلب تولى الدفاع عن هنانو (مواقع التواصل)

تولّى فتح الله صقال -أبرز محامي حلب آنذاك- الدفاع عن هنانو، حيث أكد أن التهمة باطلة، لأنه كان خصما سياسيا يسعى إلى تحرير بلده وليس مجرمًا، وأوضح أن الفرنسيين أنفسهم قد قبلوا بالتفاوض معه مرتين ووقعوا معه هدنة، ما يثبت شرعية نضاله السياسي.

وهذا ما أكده هنانو حين وجّه إليه القاضي الفرنسي تهمة تكوين عصابات من الأشقياء للإخلال بالأمن العام واستهداف الفرنسيين، قائلا: "إنني لا أعد مجرما؛ لأن أمرنا سياسي صرف، إنني متهم سياسي ولو كنتُ مجرما لما فاوضني ممثلكم الجنرال غوبو لعقد هدنة ومبادلة الأسرى"، كما يذكر فايز قوصرة في كتابه السابق.

وخلال المحاكمة، قال رئيس المجلس العرفي العسكري لهنانو: "إن الشعب السوري لم يطلب منك إعلان الثورة؟" لكن قبل أن يجيب هنانو، وقف صديقه في النضال سعد الله الجابري: "إننا نحن الذين طلبنا من الزعيم هنانو مقاتلتكم، ولن نتخلى عن قتالكم، ما دام فينا وطني واحد، حتى تخرجوا من بلادنا".

في 25 مارس 1922م، طالب النائب العام الفرنسي المحكمة بإعدام هنانو، قائلاً: "لو أن لهنانو سبعة رؤوس لطلبت قطعها جميعًا".

لكن القاضي الفرنسي فاجأ الجميع بإطلاق سراح هنانو، معتبراً ثورته ثورة سياسية مشروعة، ومؤكدًا استقلالية السلطة القضائية الفرنسية عن السلطة العسكرية، ولكن في ما يبدو فإن احتشاد 30 ألف ثائر سوري في أثناء محاكمة هنانو في داخل المحكمة وخارجها هو الذي اضطر الفرنسيين لهذا القرار.

من اليسار إلى اليمين: شكري القوتلي وسعد الله الجابري ورضا الشوربجي والشيخ صالح العلي وخلفهم أديب خير (يسار) وإبراهيم هنانو (مواقع التواصل)

وقد لعب هنانو عددا من الأدوار السياسية بعد الإفراج عنه، فكان أحد الأعضاء البارزين في الكتلة الوطنية، كما تولى زعامة الحركة الوطنية في شمال سوريا، ولهذا السبب عين في عام 1928 رئيسًا للجنة الدستور في الجمعية التأسيسية لوضع الدستور السوري.

إعلان

ورغم ذلك سعى المفوض السامي الفرنسي إلى تعطيل عمل الجمعية التأسيسية وإجهاض الدستور الوليد، مما أدى إلى اندلاع مظاهرات حاشدة طالبت بتنفيذ بنود الدستور، وفي عام 1932، انتُخب زعيمًا للكتلة الوطنية في مؤتمرها.

وفي عام 1933، كان له دور حاسم في استقالة حكومة حقي بيك العظم بعد نية الحكومة الموافقة على المعاهدة الفرنسية.

وكما يذكر أدهم آل جندي في كتابه "تاريخ الثورات السورية في عهد الانتداب الفرنسي" فإنه في سبتمبر/أيلول 1933م تعرض هنانو لمحاولة اغتيال عندما أطلق عليه شخص يُدعى نيازي الكوسا النار أثناء وجوده في قريته، إلا أن الرصاص أصاب قدمه فقط.

ونظرا للضجة الكبرى التي أحدثها الناس الذين تقاطروا بالآلاف للاطمئنان عليه من حلب وغيرها، قُبض على الكوسا في أنطاكية وحُكم عليه بالسجن مدة 10 سنوات، لكن المفاجأة كانت في العفو الخاص الذي أصدره المفوض السامي الفرنسي بحق هذا المتهم، ما أثار الشكوك وأدى إلى اعتقاد الجميع بوجود علاقة بين الفرنسيين وحادثة الاغتيال.

تشييع جنازة إبراهيم هنانو في جامع الصديق في حي الجميلية عام 1935 (مواقع التواصل الاجتماعي) النهاية

في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 1935، بينما كان إبراهيم هنانو في قريته "السيدة عاتكة" يشرف على أعماله الزراعية فقد أصيب بأزمة قلبية حادة، وحين كانت تفيض روحه إلى بارئها أُثر عنه قوله لمن حوله: "قولوا لإخوتي الوطن بين أيديهم"، وقد صُلي عليه لاحقا في المسجد الأموي بدمشق.

ولهذه المكانة الكبرى للقائد الثوري والوطني السوري إبراهيم هنانو، وعقب دفن الجثمان تسابق الخطباء والشعراء والصحف إلى تأبينه، وكان من الخطباء مشاهير من الشخصيات السورية وقتئذ، مثل فارس الخوري، وصبري العسلي، وعبد الرحمن الكيالي، والشاعر عمر أبو ريشة.

مقالات مشابهة

  • نص كلمة قائد الثورة بمناسبة يوم القدس العالمي 1446هـ
  • السيد القائد يدعو الشعب اليمني إلى الخروج المليوني العظيم في يوم القدس العالمي
  • قائد الثورة: يوم القدس يذكر الأمة بمسؤوليتها تجاه المقدسات والمظلومية الكبرى للشعب الفلسطيني
  • قائد الثورة يدعو الشعب اليمني إلى الخروج المليوني العظيم في يوم القدس العالمي
  • السيد القائد يدعو للخروج المليوني العظيم في يوم القدس العالمي
  • السيد القائد: العرب ينتظرون الإذن من الأمريكي والإسرائيلي لإدخال الغذاء للشعب الفلسطيني
  • إبراهيم هنانو.. قصة الثائر الذي أحرق أثاثه من أجل سوريا
  • قائد الثورة : مستمرون في إسناد الشعب الفلسطيني دون تراجع
  • قائد أنصار الله: اليمن ماضٍ في موقفه المبدئي الإيماني والإنساني في دعم فلسطين دون تردد أو تراجع
  • قائد الثورة يُجدّد تأكيد ثبات الموقف اليمني المبدئي والإيماني في نصرة الشعب الفلسطين