الكتلة التاريخية أو اللا مفكر فيه عند النخب السياسية التونسية
تاريخ النشر: 12th, July 2024 GMT
رغم إجماع أنصار السرديات الكبرى والفاعلين الاجتماعيين في تونس على مناصرة المقاومة الفلسطينية (ذات المرجعية الإخوانية)، ورغم إجماعهم على تثمين تحالف تلك المقاومة مع "محور الممانعة" الشيعي بقيادة إيران، فإن ذلك كله لم يكن كافيا -على الأقل إلى هذه اللحظة- كي يراجعوا مواقعهم/مواقفهم من الانقسامات العميقة التي عرفها المشهد العام التونسي على قاعدة أيديولوجية؛ تمثّل على الأقل -في المستوى الخطابي- المحدد النهائي للصراع الهوياتي وما صاحبه من عنف مادي أو رمزي بين مختلف الفرقاء قبل الثورة وبعدها.
وإذا كان الالتقاء بين جناحي الأمة (السنة/الشيعة) لا تعلّق له بمفهوم "الكتلة التاريخية" المنحدر من التراث الماركسي (هي مقولة للمفكر اليساري الإيطالي أنطونيو غرامشي)، فإن مفهوم الالتقاء التكتيكي أو التحالف المؤقت مع الخصوم الأيديولوجيين لتحقيق "الهيمنة المضادة" لمنظومة الاستعمار الداخلي -أو على الأقل الحد من هيمنتها بعد الثورة- لم يكن من المفكر فيه داخل الفصائل الماركسية التونسية قبل غيرها.
وسنحاول في هذا المقال أن نطرح بعض الأفكار التي قد تساعد على فهم أسباب هذا الغياب/التغييب لمفهوم "الكتلة التاريخية" وأثر ذلك في فشل الانتقال الديمقراطي وتحول "الديمقراطيين" أنفسهم إلى حليف موضوعي للدولة العميقة، بل تحولهم إلى "طابور خامس" لأي انقلاب على الإرادة الشعبية ومبادئ العيش المشترك.
خلال مرحلة التأسيس والانتقال الديمقراطي -أو ما يُسمّيه أنصار الرئيس الحالي وحلفاؤهم "العشرية السوداء"- كانت قاعدة الالتقاء بين مختلف الفاعلين هي ثنائية الحداثي والإسلامي المجذّرة للانقسامات على الهوية، وليس على أساس طبقي (ماركسي) أو قيمي (إسلامي). وكان الالتقاء بين جميع الفرقاء في المرحلة التأسيسية يتم على أساس الضرورة أو موازين القوى دون وجود أي مشروع وطني مشترك. ولأسباب ليس هذا موضع تفصيلها (مثل انغلاق التيارات الماركسية على أدبياتها الكلاسيكية المعادية لهوية الشعب ولأي مرجعية دينية في إدارة الشأن العام بحكم عدم انفتاحها على لاهوت التحرير أو الأدبيات المفككة للاستعمار ودراسات التابع، وكذلك قرار حركة النهضة التحالف مع ورثة المنظومة القديمة بشروط تلك المنظومة، وتوسيع القاعدة الزبونية لمنظومة الاستعمار الداخلي بدل مواجهة تلك المنظومة وتفكيك أساطيرها التأسيسية)، استطاعت المنظومة القديمة أن تحرف الصراع عن مداراته الاقتصادية والاجتماعية والقيمية إلى مدار هوياتي كانت هي أعظم مستفيد منه.
النهضة التي اختارت استراتيجيا أن تتصالح مع الدولة وأن تخرج من مربّع مواجهتها، لم يكن عدوها الوجودي هو وريث التجمع غير المؤدلج (ولو كان فاسدا أو مشبوها)، بل كان ذلك العدو هو اليسار الوظيفي الذي سامها العذاب ألوانا باعتباره نواة الجهاز القمعي (الأيديولوجي والأمني) في عهد المخلوع
لقد كان التأسيس للجمهورية الجديدة يتم على أساس "الصفقات" و"التسويات" و"التنازلات" المؤقتة وغير المبدئية، وكان يجري على عين الدولة العميقة وتحت هيمنة سرديتها التأسيسية. وبحكم عجز النخب جميعا عن بناء سردية جامعة مطابقة للمشهد السياسي الجديد ولاستحقاقات الثورة على حد سواء، كان ذلك التأسيس يجري داخل السردية المؤسسة لما يُسمّى بـ"الدولة-الأمة" أو الدولة الوطنية، ودون أي مسافة نقدية من فلسفتها السياسية (اللائكية) ومن خياراتها الكبرى اقتصاديا واجتماعيا وقيميا. وهو ما أنتج نوعا من الهشاشة البنيوية التي لغّمت المرحلة التأسيسية وحوّلتها إلى مرحلة تكريس لهيمنة المنظومة القديمة -عبر بوابة البورقيبية والتنوير ومقاومة الإرهاب وحماية "النمط المجتمعي"- وذلك لإعادة التموقع والانتشار، وتجاوز حالة الارتباك المؤقت بعد هروب المخلوع تمهيدا للعودة إلى مركز السلطة بعد انتخابات 2014.
إن اعتبار البورقيبية والأساطير المؤسسة للدولة-الأمة "خطابا كبيرا" ومرجعا للمعنى العام "الصحيح" والمقبول من مختلف الفاعلين الاجتماعيين -أي مرجعا أعلى وغير قابل للنقد فيما يخصّ الصوابية السياسية لأي خطاب- جعل أي التقاء على قاعدة "الكتلة التاريخية"، سواء بمعناها الأصلي أو بتَونسة هذا المفهوم ليتلاءم مع السياق التونسي ورهاناته، أمرا غير وارد في المرحلة التأسيسية. فالكتلة التاريخية تفترض تحرك المؤمنين بها والمنتمين إليها ضد عدو واحد يمثل خطرا "وجوديا" على الجميع، ولكنّ العدو "الوجودي" لم يكن واحدا من أصحاب السرديات الكبرى يمينا ويسارا.
فالنهضة التي اختارت استراتيجيا أن تتصالح مع الدولة وأن تخرج من مربّع مواجهتها، لم يكن عدوها الوجودي هو وريث التجمع غير المؤدلج (ولو كان فاسدا أو مشبوها)، بل كان ذلك العدو هو اليسار الوظيفي الذي سامها العذاب ألوانا باعتباره نواة الجهاز القمعي (الأيديولوجي والأمني) في عهد المخلوع، وباعتباره أيضا منافسها الأيديولوجي في خدمة النواة الصلبة لمنظومة الحكم.
أما اليسار فإنه قد استصحب مقولة التناقض الرئيس (ضد الرجعية الدينية) والتناقض الثانوي (ضد الرجعية البرجوازية)، وهو ما مهّد لتحوله إلى حليف موضوعي لورثة المنظومة القديمة، أي محافظة أغلب مكوناته على طابعها الوظيفي في خدمة منظومة الاستعمار الداخلي وشرعنة سرديتها التأسيسية. ولذلك كان العدو "الوجودي" للقوى اليسارية (بماركسييها وقومييها) هو "الخوانجي" (أي الإخواني)، وليس المنظومة القديمة ولا ورثتها.
كان "تصحيح المسار" مشروعا سياسيا يتحرك بمنطق التناقض والتعارض المطلق مع فلسفة الانتقال الديمقراطي، بل كان نجاحه في إنهاء تلك المرحلة دليلا على هشاشتها وعطبها الذاتية. وإذا كان غياب "الكتلة التاريخية" أمرا مفهوما قبل 25 تموز/ يوليو 2021، فإن غيابه في خطاب "تصحيح المسار" أمر يدعو إلى التساؤل
أمام هذا المشهد المؤدلج وغير القابل للتوحد لأسباب تاريخية وبراغماتية، استطاعت منظومة الاستعمار الداخلي أن تهيمن على الجميع وأن تُهندس الانتقال الديمقراطي بطريقة لا تهدد مصالحها المادية وما يؤسسها/يُشرعنها أيديولوجيا، وهو ما حوّل الجمهورية الجديدة إلى لحظة من لحظات الجمهورية القديمة بمرحلتيها الدستورية والتجمعية. وآية ذلك أن السقف الأعلى للالتقاء بين مختلف الفاعلين الاجتماعيين في مرحلة الانتقال الديمقراطي كان هو "التوافق" باعتباره بديلا من استراتيجيات النفي المتبادل والاستئصال والتكفير، ولكنّ ذلك التوافق لم يكن يتم من منظور استحقاقات الثورة ولا كان معبّرا عن الوزن الشعبي لطرفيه، بل كان جزءا من استراتيجية "الابتزاز" أو "الترهيب" التي مارستها المنظومة القديمة وحلفاؤها ضد حركة النهضة من جهة، واستراتيجية "التحفيز الوظيفي" أو "التلاعب الأيديولوجي" الموجهة لاستمالة القوى اليسارية من جهة ثانية.
نظريا، كان "تصحيح المسار" مشروعا سياسيا يتحرك بمنطق التناقض والتعارض المطلق مع فلسفة الانتقال الديمقراطي، بل كان نجاحه في إنهاء تلك المرحلة دليلا على هشاشتها وعطبها الذاتية. وإذا كان غياب "الكتلة التاريخية" أمرا مفهوما قبل 25 تموز/ يوليو 2021، فإن غيابه في خطاب "تصحيح المسار" أمر يدعو إلى التساؤل. فالديمقراطية المباشرة -باعتبارها مقولة يسارية تبشّر بنهاية الديمقراطية التمثيلية وأجسامها الوسيطة- لا تتعارض ماهويا مع مقولة "الكتلة التاريخية"، بل هي محوجة إليها لبناء "الوحدة الوطنية" و"مشروع التحرير" وتحقيق "مقوّمات السيادة" على أسس مختلفة عن تلك التي روجت لها نُخب الديمقراطية التمثيلية.
ونحن نميل إلى تفسير غياب "الكتلة التاريخية" في الجملة السياسية لـ"تصحيح المسار" بأن مركز الخطاب هو "الزعيم" وليس "الشعب"، كما نميل إلى تفسير ذلك بأن "التأسيس الجديد" -بمنطقه القائم على اعتبار نفسه بديلا لا شريكا- يرفض الاعتراف بالانقسام الاجتماعي؛ خشية أن يكون ذلك مدخلا للاعتراف بشرعية من يُمثل ذلك الانقسام من أجسام وسيطة. ولهذا فإننا إذا ما نظرنا إلى الواقع وأعرضنا عن المزايدات الخطابية، سنقف على حقيقة مفادها أن "تصحيح المسار" لا يطرح مشروعا للهيمنة مضادة في مواجهة هيمنة منظومة الاستعمار الداخلي، بل هو يبحث واقعيا عن "توافق" مع تلك المنظومة في إطار "التعامد الوظيفي" (أي الاعتماد المتبادل).
أكدت مواقف أغلب النخب التونسية من الإرادة الشعبية أن الحاجة إلى الديمقراطية ليست حاجة من حاجياتها الأساسية، كما أكد فشل الانتقال الديمقراطي سياسيا واقتصاديا -ومن بعده نجاح تصحيح المسار في نسف كل المنجز المؤسساتي للتوافقات "الانتهازية"- أن فلسفة التأسيس كانت فلسفة هشة
إننا أمام خيار سلطوي يعطي شرعية جديدة لمنظومة الاستعمار الداخلي، لكنه يلزمها بعدم معارضة مشروعه لإنهاء الحاجة إلى الوكلاء التقليديين (الأجسام الوسيطة)، كما يطالبها بالاعتراف بـ"تصحيح المسار" شريكا أوحد أو حصريا لها. ولا شك في أن هذا الوضع مشروط بموازين القوة بين طرفيه، كما لا شك في أنه وضع مؤقت لن يكون مستقرّه إلا انتفاء الحاجة إلى "تصحيح المسار" أو تخلص الرئيس -في حال فوزه بعهدة رئاسية ثانية- من هيمنة منظومة الاستعمار الداخلي، وتنزيل مشروعه السياسي دون تسويات أو ترضيات للدولة العميقة (خاصة في مستوى إنتاج الثروة وما يُنظّمها من تشريعات تؤبّد هيمنة بعض الكارتيلات العائلية على الاقتصاد الوطني).
منذ المرحلة التأسيسية، أكدت مواقف أغلب النخب التونسية من الإرادة الشعبية أن الحاجة إلى الديمقراطية ليست حاجة من حاجياتها الأساسية، كما أكد فشل الانتقال الديمقراطي سياسيا واقتصاديا -ومن بعده نجاح تصحيح المسار في نسف كل المنجز المؤسساتي للتوافقات "الانتهازية"- أن فلسفة التأسيس كانت فلسفة هشة.
ويبدو أن أغلب النخب ما زالت تستصحب تلك الهشاشة في استراتيجيات المعارضة واستراتيجيات السلطة على حد سواء. فالمعارضة -بما فيها تلك المعارضة الجذرية- ما زالت بعيدة عن القيام بأية مراجعات عميقة أو نقد ذاتي لخياراتها منذ المرحلة التأسيسية، وهو ما يحول دون استرجاع ثقة عموم المواطنين. أما "تصحيح المسار" فإنه يتجه إلى التحول إلى مجرد غطاء سياسي جديد للمنظومة القديمة رغم كل وعوده بالتغيير. وهو واقع يؤكد عدم انتفاء الحاجة إلى "الكتلة التاريخية" وما تعنيه من تجاوز جدلي للديمقراطية التمثيلية والديمقراطية المباشرة على حد سواء.
x.com/adel_arabi21
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه تونس النهضة أيديولوجيا الديمقراطية تونس النهضة الديمقراطية أيديولوجيا قيس سعيد مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الانتقال الدیمقراطی المرحلة التأسیسیة تصحیح المسار الحاجة إلى بل کان وهو ما لم یکن
إقرأ أيضاً:
مدرسة الحوليات الفرنسية و فكرة كسر حلقات الدوائر الخبيثة في السودان و الشب عن طوقها
كثر حديث النخب السودانية في الآونة الأخيرة عن الدائرة الخبيثة و خاصة دائرهتم الخبيثة التي قد أصبحت كمثلث برمودا ديمقراطية هشة ثم إنقلاب عسكري و الغريب كل مقارباتهم لها لم تفارق حواف عقل الحيرة و الإستحالة و خوفهم المرضي من سبر غورها بتجربة الإنسانية و قد أصبحت تراث إنساني يمكننا الإستفادة منه بعد أن أصبحت ذاكرتهم المحروسة بالوصاية عاجزة عن التفكير و عاجزة عن إدراك تجربة الإنسان و ضمير الوجود في تحليله لظاهرة المجتمع البشري كما يقول الفيلسوف التونسي فتحي المسكيني.
لي ملاحظة و هي أن الدائرة الشريرة التي يتحدث عنها أغلب النخب السودانية ديمقراطية هشة يعقبها إنقلاب عسكري ما هي إلا إستلاف بغير ضمان على الرهان عليه و هو إستلاف لها من من حقل التنمية الإقتصادية و نظرياتها و جلبها الى حيز السياسة السودانية التقليدية. و كالعادة أن السياسي التقليدي السوداني يغيب عن أفقه الشرط الإنساني الذي يمثل الفلسفة السياسية التي تعطي إمكانية أخذ القرار و الإختيار لنظام سياسي يتخذ من الديمقراطية الليبرالية سبيل لتحقيق إستقرار سياسي و توازن إجتماعي.
و للأسف أغلب النخب السودانية مر عليها زمان كانت كما يقول الدكتور منصور خالد في توهّم جماعي بأن أقصر الطرق للتنمية الإقتصادية هو طريق الحزب الواحد و طريق الإشتراكية و هيهات و منصور خالد يعد من النابهين لذلك إنتبه لهذا الخطاء الجماعي القاتل الذي أخذ من النخب عقود و هي تقيم في ضلالها القديم و لكن إنتباه منصور خالد للوهم الجماعي كان بعد فوات الأوان و بعد أن غاص السودان بأكمله في وحل الفكر الديني و أصبحت ساحة الفكر محروسة بعقل نخب سودانية محروسة بالوصاية و ممنوعة من التفكير الذي يجسد فكر مجد العقلانية و إبداع العقل البشري و يبتعد عن أفكار عقل الأنوار و الإجابة على سؤال ما التنوير؟
الذي يمنعك أي سؤال ما التنوير و الإجابة عليه بألا يفكر بدلا عنك امام أو ختم أو مرشد أو لجنة مركزية للحزب الشيوعي بنسخته التقليدية السودانية. على أي حال إستلفت النخب السودانية فكرة الدائرة الشريرة من حقول نظريات التنمية الإقتصادية في حديثها عن الدوائر الخبيثة و محكمة الإغلاق و للأسف أهملت النخب السودانية كيف تقدم نظريات التنمية إمكانية كسر هذه الحلقات و الشب عن طوقها كعادة النخب السودانية في وقوفها في المنتصف دون وصولها لآخر الشوط كما تفعل مراكز البحوث.
و بالتالي أصبح حديثهم عن الدائرة الشريرة حديث معلّق و في أحسن أحواله حديث ود البلد في عقله التقليدي الذي يهاب أن يصل بالمعادلات لحلول تنتج توازن إجتماعي و توازن إقتصادي في معادلات سلوكية للفرد في علاقته المباشرة بمفهوم الدولة الحديثة و دورها في تحقيق فكرة المسؤولية الإجتماعية نحو الفرد.
و بالمناسبة وقوف عقل النخب السودانية في محطة عقل ود البلد الذي يعالج أكثر المشاكل المعقدة بعقل ود البلد سببه ضعف مناهجهم لذلك جاءت أغلب مقارباتهم لمشاكل المجتمعات الحديثة أي مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية مقاربات تقربهم يوما بعد يوم من الخروج من التاريخ و هذا سببه أن ضعف مناهجمهم كما قلت و هي مناهج لا يمكن أن تقدم لنا مفكر يكون في نفس الوقت فيلسوف و مؤرخ غير تقليدي و إقتصادي و عالم إجتماع مثلا كما نجد ريموند أرون يتصف بأنه عالم إجتماع و إقتصادي و مؤرخ و فيلسوف لذلك جاءت أفكاره تغطي مساحة واسعة لحقول مختلفة و هذا هو الغائب في جهود النخب السودانية مثلا نجد المؤرخ التقليدي السوداني يجهل النظريات الإقتصادية و تاريخ الفكر الإقتصادي و نظريات التنمية.
و بالتالي تجد كتابات المؤرخ التقليدي السوداني سرد لوقائع و حكي عن سير لأشخاص و سرد أحداث و حقب جيل عبر جيل في تراكم كمي يسد أمامك الأفق في وقت نجد أن المؤرخ في مدرسة الحوليات الفرنسية فارق سرد الوقائع و السير لأشخاص جيل عبر جيل و عبر سيره نظر للتاريخ على المدى الطويل و أدرك أن التاريخ على المدى على الطويل يتحول الى علم إجتماع لذلك كانت ركائز مدرسة الحوليات الفرنسية أنها فارقت الوثيقة المقدسة و المنهجية التاريخية التي نجدها ما زالت مقدسة عند المؤرخ التقليدي السوداني.
و لهذا السبب ما زالت ساحتنا السودانية أغلب كتابها من فصيلة المؤرخ التقليدي و رجال الدين و العسكر و الدبلوماسيين و لمن يريد أن يتأكد عليه أن ينظر نظرة سريعة على قوائم الكتاب السودانيين سيجد كتاب من العسكر و الدبلوماسيين و رجال الدين و المؤرخيين التقليديين و غياب تام و إهمال كامل لدراسة التاريخ الإجتماعي و التاريخ الإقتصادي بعيدا عن المنهجية التاريخية و بعيدا عن تقديس الوثيقة التاريخية كما نجدها في كتابات المؤرخيين السودانيين التقليديين لذلك لم يخرج من بين المؤرخيين التقليديين السودانيين عالم إجتماع البتة لأن أفقهم لم تلوح فيه فكرة مدرسة الحوليات أي أن التاريخ و أحداثه و دراسته على المدى الطويل يصير علم إجتماع.
و لهذا السبب كسد الفكر في الساحة السودانية و عندما تستلف النخب السودانية الدائرة الشريرة من حقل التنمية الإقتصادية تعالجها بفكر ود البلد و ليس بمنهج مدرسة الحوليات في بحوثها عن التاريخ الإجتماعي و التاريخ الإقتصادي. و يمكنك أن تقول نفس ما قلت عن إستلافهم لفكرة المركز و الهامش من حقول النظريات الإقتصادية أي ما قلته عن إستلالفهم الفاشل لفكرة الدائرة الشريرة من حقول التنمية الإقتصادية و كذلك جاءت مقارباتهم لا علاقة لها بهموم المجتمع الحديث و خاصة أن تاريخ الإنسانية قد أصبح لأول مرة تاريخ واحد لكافة الإنسانية بعد الثورة الصناعية و المضحك ان أغلب النخب السودانية تتحدث عن خصوصية لمجتمعنا و كأننا في جزيرة معزولة عن العالم.
و لكي أوضح أكثر مثلا في كتابات المؤرخ التقليدي السوداني أو الكاتب من العسكر أو الدبلوماسي السوداني أو رجل الدين يغيب ثالوث المقاربة بين الفلسفة و السياسة و علم الإجتماع و هذا نادر في كتابات النخب السودانية أو ثالوث القانون و السياسة و الديمقراطية كما نجده في كتابات هابرماس و نجد مثله في كتابات الدكتور عبد الله النعيم لذلك نجد أن الدكتور عبد الله النعيم في مقارباته للفكر الليبرالي أقرب لعالم الإجتماع من القانوني التقليدي السوداني و عبد الله النعيم يختلف عن القانونيين السودانيين التقليديين لأن مقارباته كانت في ثالوث حقول القانون و السياسة و الديمقراطية لذلك نجد الدكتور عبد الله النعيم متقدم جدا مقارنة بالجمهوريين السودانيين لأنه قد وصل بفكر الأستاذ محمود محمد طه الى آخر الشوط و فتح له على الفكر الديمقراطي الليبرالي و متقدم جدا على القانونيين السودانيين التقليديين.
و بالتالي يكون عبد الله النعيم في مقارباته و جهود الفكرية عالم إجتماع ستقّدر جهوده الفكرية الأجيال القادمة و يظهر تقدمه أي عبد الله النعيم في حديثة عن الديمقراطية الليبرالية الذي يجعله متقدم جدا على القانونيين السودانيين التقليديين و ظهر كسادهم الفكري في الوثيقة التي فتحت للشراكة مع العسكر إذاما ما قارناها بفكر عبد الله النعيم و حديثه عن الفكر الليبرالي.
في ختام هذا المقال نقول أن إمكانية كسر الدائرة الشريرة في السودان لا تكون بغير إستلافنا من تراث الإنسانية و فكر مدرسة الحوليات الفرنسية و من قبل قرن من الزمن أكّدت أي مدرسة الحوليات على أن دراسة التاريخ الإجتماعي و التاريخ الإقتصادي بمناهجها و ليس بمنهج المؤرخ التقليدي السوداني هو ما يمكّننا من كسر الدائرة الشريرة لأن أحداث التاريخ على المدى الطويل تصبح علم إجتماع يفتح على فكرة الشرط الإنساني و يصبح فيه القرار و الإختيار للنظام الليبرالي ممكن.
و بالتالي يصبح الفكر الليبرالي ليس نظام حكم فحسب بل فلسفة لتجسيد فكرة العيش المشترك و تصبح الديمقراطية و الفكر الليبرالي بديلا عن الفكر الديني و خاصة أن مدرسة الحوليات في أفكارها لم تترك للدين و الفكر الديني أي دور بنيوي في السياسة و الإجتماع و الإقتصاد بل يصبح الدين شأن فردي و أفق الرجاء بين الفرد و ربه بعيدا عن تجار الدين من كل شاكلة و لون. أما صراع الفرد مع مجتمعه فتحكمه معادلات سلوكية تفترض عقلانية و أخلاقية الفرد و عقلانيته أي الفرد تجعله يؤمن بحرية الأخريين و أنهم مساويين له في ظل فصل الدين عن الدولة.
قليل من التوضيح لمحنة النخب السودانية نضرب مثلا بعالم الإجتماع العراقي علي الوردي في رده على منتقدية في إستعجالهم لنقد فكره و ذكروا أن على الوردي في كتاباته قد أصبح أقرب للمؤرخ من عالم الإجتماع و كان رده مثلما ما قالت به مدرسة الحوليات الفرنسية أي أن التاريخ و أحداثه على المدى الطويل يصبح علم إجتماع لذلك كان على الوردي مؤرخ غير تقليدي و عالم إجتماع لذلك أوصى بأن الليبرالية هي أسلم طريق لتحقيق التنمية الإقتصادية و الإزدهار المادي في العالم العربي و قال لو فوّتت الفرصة ستحتاج المنطقة لعقود حتى تعود الفرصة من جديد و صدق علي الوردي و ها هي عقود تمر و الشعوب العربية تدفع بجهدها العرق و الدم و الدموع و ما زالت تسير ببطء نحو التحول الديمقراطي الذي يلوح في أفق بعيد.
علي أي حال مدرسة الحوليات بداءت في عام 1929 و تزامنت مع ظهور الكساد الإقتصادي العظيم و طوّرت أفكارها و لكي تصل أفكارها لمراكز البحوث و تنتصر و تتسيّد على المشهد إحتاجت لعقود و لذلك نقول للنخب السودانية تلزمكم مراكز بحوث تبداء بطرح ما يساعد الشعوب على التغلب على النهضة العرجاء التي جاء بها رجال الدين في العالم العربي و الإسلامي التقليدي و بعدها تعرف الشعوب طريق المستقبل الزاهر بفكر غير تقليدي و عبره يتم إستشراف المستقبل المزدهر ماديا للشعوب.
في الختام نقول أن كسر طوق الحلقة الشريرة و الشب عنه لا يتم عبر الكتابات الموسمية التي تقوم بها النخب السودانية و هي متسلحة بعقلها التقليدي عقل ود البلد بل تحتاج لفكر مراكز بحوث يقودها مفكريين بمنهج عريض و واسع و كل منهم يمكنك وصفه بأنه عالم إجتماع و مؤرخ و إقتصادي و فيلسوف تسود فكره العقلانية و الأخلاق و هدفه إعادة خلق مجتمع من أفراد كل فرد فيه يتصف بأنه ناخب رشيد و مستهلك رشيد في حيز معادلة الحرية و العدالة.
taheromer86@yahoo.com