السودان في مواجهة اختبار حروب الجيل الرابع
تاريخ النشر: 10th, July 2024 GMT
ترتكب قيادات الجيش والقوى السياسية السودانية خطأ إن اعتقدت أنّ الحرب التي يواجهها السودان حربٌ بين طرفين أو جنرالين، كما تختزل بعض المجموعات السياسية الحرب في السودان. ولكن بالواقع الميداني والزمني – والحرب في عامها الثاني – أخذت نمطا جديدا غير معهود في المنطقة، والذي تم اختباره في ليبيا، لكن سرعان ما أوقفته القوى الدولية التي تتشابك مصالحها وتتقاطع في الهلال النفطي الليبي.
ودارت حلبة الصراع في السودان مستهدفة بنى الدولة من الداخل دون الحاجة إلى تدخل خارجي، وانتشار نوع جديد من القتال لا ساحات محددة له. اندلعت الحرب في شهورها الأولى بهدف إخضاع الجيش السوداني، لقوّة شبه عسكرية هي الدعم السريع التي خططت لتحطيم قدرات المؤسسة العسكرية، وإنهاكها بعد فشل عملية الإخضاع الأولى.
فضلا عن العمل على إصابة جسد الدولة الهش بالشلل الجزئي، فقد تآكلت بنية الدولة وتدهورت مركزيتها مع بروز حالات جديدة من الولاءات تقاسمها جنرالات الحرب والقوى السياسية المتشظّية بعد التغيير السياسي الذي حدث في ظلّ ضعف التجانس القومي المعقّد، مما شكّل عائقا أمام كل محاولات التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فوُضعت الدولة في قالب الهندسة الجديد، وأصبحت حقلا خصبا للتجارب التي تجعل المواطن جنديا في جيش عدوّه .
أنهت حرب الجيل الرابع في السودان احتكار الدولة للعنف، والسياسات الموجهة تجاه مواطنيها، مع العمل الممنهج لإفقاد ثقتهم بها، وإضعاف نفوذها بتفاقم الأزمات التي تلاحقها، والاستقطاب الحادّ بين مكوناتها الإثنية والجغرافية، وسيولة النسق المجتمعي بقيادة حروب الوكالة من المجموعات المحلية ضد الدولة المركزية ومواردها.
وتمثّل الدعم السريع نموذجا مثاليا لذلك بممارساتها العنيفة، وسط صمت دولي محيّر، مقارنة بما تمّ في حرب دارفور الأولى والتي حشدت كل الآلة الدولية، مع كثافة في القرارات والجلسات والنداءات واللجان والمبعوثين، والتظاهرات التي قادت إلى اصطفاف الضمير العالميّ.
لقد تضاءلت في هذه الحرب الفروقات بين المقاتلين والمدنيين، وصعوبة التمييز بين ميدان الحرب، وميادين السياسة، واستخدام الشعارات السياسية التي ترفع على أسنّة بنادق قوات الدعم السريع، والبحث المزعوم عن الديمقراطية وسط أشلاء المدنيين، بدلا عن أصواتهم، إضافة إلى التدخلات الخارجية تحت ستار بعثات دولية وأممية والتي عملت طويلا لهندسة مشروعها في السودان، وجعله واقعا قسريا لفرض الأجندات الجديدة.
بيدَ أنها وجدت مقاومة شرسة اضطرتها إلى حزم حقائبها في رحلة العودة والتي أعلنت بوضوح انطلاق الرصاصة الأولى للحرب، حيث عبّر عن ذلك مندوب مشروعهم الذي اختُزل في عبارة: (إما الاتفاق الإطاري، أو الحرب).
أعداء جددومنذ انطلاق الرصاصة الأولى للحرب، كانت مقرات الجيش السوداني وأسلحته المركزية في الخرطوم ومواقعه الإستراتيجية، ومراكز الاتصالات وأجهزة الإعلام، والمقار الحكومية المختلفة في مرمى نيران قوات الدعم السريع، مع تدمير منظومة الصناعات الدفاعية التي استطاعت أن تحقق نجاحات كبيرة في مجال الصناعات العسكرية.
وهذا أكسب الجيش السوداني أعداء جددا في أسواق السلاح المحتكرة للشركات الغربية، فبدأت الحملات مبكرا على مؤسسات التصنيع الحربي بتفكيك شركات الجيش، وانتهت بالتدمير الكامل.
ولأن قوات الدعم السريع لا تمتلك قيادة عسكرية مؤهلة لهذا النمط من الحروب، حيث يقودها ضباط لم يتلقوا تعليما نظاميا، ابتداء من قائدها، فقد انتشرت الحرب في مساحات واسعة معتمدة على شبكات جديدة من المقاتلين والحركات المسلحة في المنطقة مثل مجموعات فاكت، وحركة مظلوم التشاديتين، والسليكا في أفريقيا الوسطى، ومليشيات النوير في جنوب السودان.
كما أنها أطلقت الجنائيين في السجون من متعاطي المخدِّرات والمحجوزين في قضايا جنائية أخرى، وحفزت الفزع القبلي بعد استقطاب زعماء بعض القبائل، عبر حملات وأدوات التأثير الاجتماعي والنفسي الموجه إلى المكونات المختلفة عبر الأذرع التي أنشأتها من منظمات ومراكز ومؤسسات رأي عام منذ وقت مبكر، مما أكسبها مزايا غير متماثلة مع الجيش، فاستطاعت تعويض الفارق في بنية تكوين قواتها وتأهيلها، والتي يغلب عليها طابع المليشيا لا الجيش النظامي المنضبط.
أدارت قوات الدعم السريع معاركها باللامركزية متجاوزة الأشكال الهرمية، موظفة شبكات ممتدة من المناطق التي دخلتها ومستخدمة تكتيكات غير عسكرية في الانتشار غير المرشد، مستهدفة زعزعة استقرار المجتمعات، فاضطر ملايين المواطنين إلى النزوح؛ حفاظًا على أرواحهم وأعراضهم. ولكنها تكتيكات كانت معززة لأهداف الحرب الجديدة في صناعة صورتها الذهنية التي تجعل الجميع يهربون أمامها، ويتركون أرضهم من أجل مستوطنين جدد.
ثقافة الغنائملقد عززت حرب الدعم السريع بالوكالة من إستراتيجيات الإعلام والمعلومات والمصادر المفتوحة، وتشجيع ثقافة الغنائم والنهب دون الحاجة إلى إمداد لقواتها أو رواتب نظامية، فانضمّ إليها الآلاف، مما أدّى إلى إفقار المجتمعات المحلية، وتعقيد موقف الجيش في المناورة، وتشكيل جبهات ضغط نفسي من المواطنين على قيادة الجيش لحمايتهم في رقعة جغرافية تحتاج إلى آليات لا تتوفر للمؤسَّسة العسكرية.
إن استهداف التجمعات المدنية لا يهدف إلى تحقيق نصر عسكري، ولكنه يأتي ضمن الحرب النفسية التي تعمل على تقويض استقرار الدولة وسلطاتها والطعن في شرعية الحكومة الضعيفة الغائبة، وهزّ صورة قائد الجيش وإظهاره بمظهر العاجز عن حماية مواطنيه.
دمّرت الحرب البنى التحتية والمصارف والمؤسسات وحقول النفط، وجعلت الدعم السريع أكبر تجمعاتها في مصفاة النفط في الخرطوم منذ اليوم الأوّل، وقام شركاؤها بتعطيل سلاسل الإمداد التي تزوّد الجيش بالمعدات، وفرض عقوبات على منظوماته الاقتصادية، مع عقوبات رمزية غير متكافئة على شركات الدعم السريع التي تعمل في مجال التحويلات المالية، أو تجارة الذهب.
وهي عقوبات لا تخلو من غرض، متحاشيةً دولًا ومجموعات ظلت تدعم مشروع التمرد بالأسلحة وتجنيد المقاتلين، في مفارقة دولية واضحة، حين فرض شركاء الدعم السريع حصارًا غير معلن على السودان والجيش، فجمّدوا عضويته في الاتحاد الأفريقي، واستقبلوا "حميدتي" ببروتوكولات رسمية.
كما تم احتواء جيران السودان بحوافز جديدة ومشروعات اقتصادية، واستخدمت وسائل المنظمات الدولية في الحصار تارة بالتحايل، وتارة بالتشبيك والضغوط والترهيب، وحين توصلت قيادة الجيش لاتفاق مع روسيا لمحطة التزوّد في البحر الأحمر، تزايدت الضغوط من خلال الأوضاع الإنسانية، وفتح مسارات التدخل الأجنبي عبر الحوار لتكرار سيناريو شريان الحياة الذي كان يعمل على إمداد التمرّد في جنوب السودان تحت غطاء المساعدات الإنسانيّة.
واقع جديداختبار حرب الجيل الرابع في السودان، ركّز الفاعلون فيها على أن تكون طويلة ومعقدة حسبما صرّح به نافذون في قوى عظمى؛ لتفقد الدولة السودانية القدرة على إدارة شؤون مواطنيها، مما يفقدهم الثقة بها ويجعل قياداتها ترضخ بالقبول بالهندسة القادمة للمنطقة بعد المتغيرات الجديدة في مناطق الساحل الأفريقي، وهشاشة الداخل الإثيوبي، واهتزاز الدولة في جنوب السودان، وغيابها في أفريقيا الوسطى، ومهددات الأوضاع في تشاد.
ولكلّ ما سبق، سيتم فرض واقع يحقّق المصالح التي قامت من أجلها عمليات التغيير والحرب التي أفضت إلى واقع أكثر هشاشة ومأساوية وفشلًا، وإرغام الجميع على القبول بالتشكيل الجديد وَفق معادلات جديدة، ستكون الدعم السريع وقيادتها من ضحاياها، والخاسر الأكبر في حربٍ لم تكن إلا أداتها البشعة التي حققت تآكل إرادة الخصم بدلًا عن انتصاره أو هزيمته في معركة لم يكن مستعدًا لها، ولم يعرف جنرالاته طرقها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logoمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineالمصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حراك الجامعات حريات قوات الدعم السریع فی السودان الحرب فی
إقرأ أيضاً:
تضافر كل الجهود لاستعادة آثار السودان المنهوبة
بقلم: تاج السر عثمان
١
أشرنا سابقاً إلى أن الحرب تقترب من نهاية عامها الثاني، مما يتطلب تضافر الجهود لوقفها واستعادة مسار الثورة، ومنع تجددها، لقد أدت الحرب لدمار غير مسبوق، ونزوح الملايين داخل وخارج البلاد ومقتل وجرح الآلاف، وإبادة جماعية وتطهير عرقي وعنف جنسي، وتدمير في البنى التحتية والمؤسسات الخدمية والتعليمية والصحية والأسواق والبنوك وفي المصانع، وفي المواقع الأثرية والثقافية والتراثية، وعطلت الإنتاج الزراعي مما يهدد حياة 25 مليون سوداني بنقص الغذاء
إضافة إلى أن من أهداف الحرب اللعينة نهب ثروات السودان وكنوزه الأثرية ومحو تاريخه و هويته الثقافية، فبعد انسحاب الدعم السريع من الخرطوم،أوضحت الفيديوهات والصور لمباني المتحف القومي السوداني، الذي كان تحت سيطرة الدعم السريع، حجم الدمار الهائل الذي لحق بالمتحف، الذي كان يعد تحفة معمارية تطل على النيل الأزرق وتعرضت باحة المبنى وحديقته، التي كانت بمثابة متحف مفتوح يضم تماثيل ضخمة ومعابد ومدافن، للتلف والخراب، كما رصدت كاميرة بي. بي. سي.
وتم نهب اعداد كبيرة من القطع الأثرية، علما بأن تلك الآثار السودانية المنهوبة تشكل أهمية كبيرة نظرا لأنها تضم قطعا نادرة تحكي عن حقب تاريخية وإنسانية مختلفة وتشمل جماجم بشرية ذات مغزى كبير في تحديد تاريخ البشرية إضافة إلى منحوتات ومصوغات ذهبية نادرة تعكس اهتمام الإنسان السوداني الأول بالصناعة والفن منذ أمد بعيد.
مما يتطلب حصر تلك الآثار المنهوبة وحجم الدمار
وتقدير حجم الخسائر والمسروقات، وإعداد تقرير وافٍ بذلك. لمساعدة الحملة المحلية والعالمية لاستعادة آثار السودان المنهوبة.
٢
اشرنا سابقا، كان من آثار وجرائم الحرب نهب وضياع كنوز البلاد الثقافية وآثارها، مما يتطلب عدم التفريط فيها والسعي بجد لاستعادة آثارنا المنهوبة.
فقد جاء في ( قناة الحرة) نقلا عن صحيفة" التايمز البريطانية" يوم الإثنين ١٦/٩/٢٠٢٤ الي أن " قطعاً أثرية من السودان لا تقدر بثمن تعرضت للبيع على منصة “إيباي” بعد أن تم تهريبها من البلد الذي يعاني من حرب مستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
يُعتقد أن القطع، التي تتضمن تماثيل وأواني مصنوعة من الذهب والفخار، ربما تم نهبها من المتحف الوطني في الخرطوم، الذي يقع في منطقة تحت سيطرة قوات الدعم السريع.
وفقًا للصحيفة، تم نهب الآلاف من الآثار، بما في ذلك قطع من تماثيل وصور قديمة، خلال أكثر من عام من الصراع الذي أودى بحياة ما يصل إلى 150 ألف شخص، مما جعل الآثار الثمينة عرضة للسرقة".
٣
أدت الحرب إلى جريمة تدمير شامل أو جزئي للمعالم التاريخية والأثرية والثقافية والتراثية، كما حدث على سبيل المثال لا الحصر في الآتي:
- القصر الرئاسي الذي تعرض لدمار كبير.
- المحاكم وما بداخلها من سجلات إرشيف مهم.
- المتحف القومي الذي تعرض للدمار الشامل والنهب لموقعه في منطقة سيطرة الدعم السريع ووسط القصف بين الجيش والدعم السريع.
- الدمار الشامل لمركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية وفقدان مكتبته القيمة التي تحتوي على وثائق وأرشيف نادر.
- خسارة متحف السودان للتاريخ الطبيعي جراء سقوط الدانات عليه، مما أدى لموت جميع الحيوانات بالمتحف حرقا. - تأثر مبنى البريد الأثري القديم في شارع الجامعة وسط العاصمة.
- تأثر ديوان النائب العام وما بداخله من إرشيف مهم.
إضافة لتاثر بعض المعالم الأثرية والثقافية مثل: متحف التراث الشعبي في الخرطوم.،وطوابي المهدية في أم درمان، وسجن أم درمان ومتحف الخليفة، وبوابة عبد القيوم في أم درمان.
في الولايات تأثرت بعض المعالم التاريخية الأثرية مثل: تدمير مبنى “جراب الفول” الأثري في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان.
كما يتعرض مبنى السلطان على دينار في الفاشر لخطر التدمير جراء وقوعه تحت خط النار.
إضافة لخطر دمار آثار مروي- كبوشية بعد دخول عناصر من الدعم السريع في مواقعها، الذي وجد استنكاراً واسعاً من “اليونسكو” وكل المنظمات المهتمة بحماية الاثار.
٤
آثار المتحف القومي تعكس فترات تاريخ السودان المختلفة الذي شهد خلال تاريخه الممتد حضارات عرفت التعدد الثقافي واللغوي والديني، ومازال هذا التنوع ماثلا في واقعنا الراهن، واثاره التي يعبر عنها المتحف القومي للآثار الذي عكس آثار حضارات :
ممالك: كرمة، نبتة، مروي- كبوشية في السودان القديم (بلاد كوش).
- ممالك النوبة المسيحية (نوباطيا، المقرة، علوة).
- الممالك الإسلامية ( الفونج، الفور، تقلي، والمسبعات) في العصور الوسطى.
- اثار السودان الحديث كما في فترات : الحكم التركي - المصري، المهدية، والحكم الانجليزي - المصري، وحتى تاريخنا المعاصر.
بالتالي من المهم العض بالنواجذ على آثارنا وكنوزنا الثقافية، وقيام أوسع حملة داخليا وخارجيا لحمايتها واستعادتها ، في وجه الحملة البربرية الجارية لمحو تاريخنا وثقافتنا وتراثنا الرطني ، وتمزيق وحدة البلاد والتفريط في السيادة الوطنية ونهب ثرواتها. ومواصلة أوسع حراك جماهيري بمختلف الأشكال لوقف الحرب واسترداد الثورة، وتأمين وتوفير مقومات عودة النازحين لقراهم ومنازلهم، وإعادة تعمير ما دمرته الحرب، و عدم الافلات من العقاب بمحاكمة المسؤولين عن جرائم الحرب، وترسيخ الحكم المدني الديمقراطي. وغير ذلك من أهداف ثورة ديسمبر المجيدة. .
alsirbabo@yahoo.co.uk