لجريدة عمان:
2025-03-28@20:04:15 GMT

أوّلُ القَصَصِ «1»

تاريخ النشر: 9th, July 2024 GMT

قرأتُ كتاب «ألف ليلة» في سِنٍّ مبكِّرة، كُنتُ طفلًا في المراحل الابتدائيّة، عندما وجدتُ جزءًا من أربعة أجزاء لألف ليلة وليلة في نُسْخة قديمة، مهترئة، مُمَزّق غلافها الخارجيّ، في مكتبةٍ تبيع الكتب القديمة، قرب مدرستي الابتدائيّة التي تُسمّى «مدرسة السيّد» أو «مدرسة الحجّام»، والتسميتان تيمّنًا بالحيّ الذي يحوي مقام الصحابي الجليل الذي يُعْتَقَد أنّه حلاّق أو حجّام الرسول عليه الصلاة والسّلام، وهو سيّد لأنّنا ننعت الأولياء والصالحين بعبارة «سِيدِي».

وجدتُ الجزء الثاني من رباعيّ الأجزاء، في طبعةٍ حجريّة، رديئةٍ وبسبب ثمنها الزهيد امتلكتُها وهِمتُ بها، في غياب مصادر التسلية والإلْهاء في زماننا، كانت القصّة هي العوالم التي تفتح لي فضاءات المُتْعة، لم يكن التلفاز يعْرِض شيئًا مُمَتّعًا للطفولة سوى حلقة من الصُوَر المتحرِّكة من الخامسة إلى الخامسة والنصف مساء تقريبًا، وكان فلم ليلة الأحد بالأسود والأبيض مملّا في العادة، وما عدا ذلك، كنت أتابعُ القصص القديم أساسًا، في الكتب الرخيصة.

كان كتابُ «ألف ليلة وليلة» ثروة هائلة لي؛ لأنّ قصصه لا تنتهي، وبِتُّ متشوّقًا لتحصيل الأجزاء الباقية، التي قضيتُ معها مراحل الإعداديّة. تبيّن لي الآن، أنّي وقعتُ في وهْم غرسوه فينا، وهذا الوهْم ماثِلٌ في الفكرة القارّة أنّ كتاب «ألف ليلة وليلة» هو قصص مُترجم عن أصْل فارسي أو عن أصْل هندي، وأنّ انتماءه إلى الثقافة العربيّة هو انتماء ترجمة فقط، وهي فكرةٌ وهْمٌ يجوز لي -وقد قطعتُ من البحث أشواطا في السرديّة العربيّة- أن أقول بيقينٍ وحزمٍ وثباتٍ أنّ «ألف ليلة وليلة» هو قصصٌ عربيّ خالصٌ، ولا صلة له بالثقافة الهنديّة أو الفارسيّة إلاّ الصلة المعهودة في التناول القصصيّ ارتحالًا عبر الأمم والحضارات، وأنّه ضاربٌ بجذوره في مرويّات عربيّة شعبيّة وعالمة. وفي عودتي إلى النصوص السرديّة المؤسّسة للقصص قي التراث العربيّ أدركتُ كمًّا من الحكايات تشفّ عن قوّة مخيّلة العرب في الإنتاج القصصي (رغم أنّ الإجماع النقديّ يُعطّل التخييل العربيّ في الشعر الجاهلي، ويشدّه إلى المحسوس)، ولعلّ هذه الملامح المبينة عن قوّة التلقّي القصصيّ بادية بشكل بيّن في الخطاب القرآنيّ الذي توسَّل بالقصص واسطةَ تأثيرٍ وتبكيتٍ، ونَهى عن الشعر، ورذّل السواد الأعظم من الشعراء، وحثّ على القصص، وهذا موضوعٌ طويلٌ ليس هو مقصدنا، وإنّما قصْدنا الإشارة إلى نُصُوص من أصول القصص العربي، نبتت من عُمق الحضارة العربيّة، وفتّحت أبواب السرد، وساهمت بدرجات فاعلة في بناء تُراث سرديّ كونيّ على شاكلة «ألف ليلة وليلة». لا شكّ أنّ مجالات الحكايات القديمة -تأصيلا للأصول- كانت محدودة، تدور في فضاءات عالمةٍ من جهةٍ، وشعبيّةٍ من جهة ثانية، ولذلك أسّست هذه الأصول القصصيّة لِلَبِنات القصص العالِم والقصص الشعبيّ في الآن ذاته. ولتوضيح ذلك، فإنّه من الجدير أن نقف على هذه الأصول التي كوّنت النَّوى القصصيّة التي خاض فيها العُلماء وتلقّفها رُواة الساحات من بعْد ذلك. هنالك كتابٌ أوّل عُدّ من الكُتُب الفواتح في إقامة القصصيّات العربيّة الأصليّة، وهو كتابُ وهْب بن منبّه «التيجان في مُلُوك حميَر»، وهو كتابٌ على درجةٍ كُبرى من الأهميّة، لاحتوائه النوى القصصيّة التي شكّلت المسارات الكُبرى للقصص العربيّ اللاّحق، ولاحتوائه على كتاب أصليّ تأصيليّ له منزلة المصدر المُولِّد، الباعث لآفاقٍ ممكنةٍ في بنية القصص العربيّ، وهو كتاب «أخبار عبيد بن شريّة الجرهميّ في أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها» الذي ورد في ذيل كتاب وهب منبّه، وهو كتابٌ مُستَنَدٌ يعرض للقبائل اليمنيّة وإلى أصولها ووقائعها وأهمّ حوادثها، وقد كان منشأ هذه الأخبار في مقام مُسامرة يُطلَب فيه أحاديث من مضى، وهو مقامُ سلطة سياسيّة قائمة (تمثّلت في معاوية بن أبي سفيان الذي دعا الراوية إلى مجلسه) تدعو أخباريًّا عارفًا عالمًا معمّرًا، وتُوجّه رواية أخباره بأسئلة يجيب عليها المسؤول بكلّ دقّة وتفصيل (كان معاوية محبّا للسمر، محبّا للإنصات لأخبار السابقين، سائلا عن ماضي العرب، وعن أصولهم، وعن حوادثهم)، وهو مقامٌ يتداخل فيه الأسطوري التخييلي مع ممكن التاريخيّ. فلم يكن هذا الأصل الأوّل، الناتج عن مرويّات عُبيد بن شريّة الجُرْهميّ، مُقتَصِرًا على تاريخ اليمن في حدوده الكبرى، وإنّما كان كتاب قصص يروي حكايات الأنساب، وحكايات الملوك والأبطال، وقصص الأنبياء، في بابٍ من القصص تَفتّح في الثقافة العربيّة الإسلاميّة لإدخال المرويّات الإسرائيليّة الدارجة في الثقافة اليهوديّة والمكوّنة لرؤيتها حول الخلْق، والبدايات الأولى، وهي الرؤية التي سادت من بعد ذلك في المرويّات العربيّة لأصل الكون. كتابُ وهْب بن منبّه ومرويّات عُبيد بن شريّة الجرهميّ، قدّما للثقافة العربيّة الرؤية القصصيّة لنشأة العالم، وقدّما قصّة الخلق، وقد مَزَجاها بِحدود التصوّر القرآنيّ المُعلَن، وفي الوقت نفسه استغلا الفراغات القصصيّة لِملْئها بقَصَص دارج في الفضاء اليهوديّ، وهي الظاهرة التي سُمّيت بالإسرائيليّات، بيانا لدخول القصص الإسرائيلي تفسير القرآن خاصّة في تفسير الطبري.

هذه النوى القصصيّة إن تتبّعناها جيّدا خاصّة في كتاب «التيجان» شكلًا قصصيًّا ومضمونًا حكائيًّا وجدنا لها علائق وصِلات بما اكتمل في كتاب «ألف ليلة وليلة»، ولذلك، ارتأينا أنْ نتتبّع هذه الأصول وأن نُنبّه الباحثين إلى أنّ حضارة العرب هي حضارةُ بناءٍ قصصيّ، وأنّ إيجاد شخصيّة عُبيد بن شريّة الجُرهمي، المُختلَف حول اسْمها ووجودها وأثَرها، هو بحثٌ عن مصْدرٍ قابل لِحمْل قصص متفرّق، دارج، رائج، تمثّل في صُورتين في الثقافة الإسلاميّة، صُورة تميم الداري، الذي مُنِعَ من القصص زمن الخليفة عُمر بن الخطّاب بالرغم من شرعيّته القصصيّة التي بانت في «حديث الجسّاسة» الذي رواه عنه الرسول عليه الصلاة والسلام، والقاصّ النضر بن الحارث، ضديد رسول اللّه، والمتعهّد برواية أقاصيص الغابرين والأمم السالفة، الذي قُتِل مَقْتًا.

لقد تخصّص هذا القصص الذي قَبِلته الثقافة العالمة من وَهْب بن منبّه في بعْث مسارات قصصيّة خطيرة جدّا، إن أدخلناها التاريخ (وقد كان هذا الفعل)، ثريّة جدّا إن قبلناها على وجه التخييل.

مرويّات وهْب بن منبّه حدّدت الأنساب، وقصص الأنبياء، وقصص الملوك والأبطال، وقصص الأمم الغابرة، وكان أغلبها من أصْلٍ يهوديّ، أو من مرجعيّة يهوديّة، فهل كان لليهود الأثر الفاعل في ضبْطِ قصّتنا التي تُحدّد هويّتنا على حدّ عبارة ريكور؟

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: ألف لیلة ولیلة ة العربی ة وهو کتاب القصصی ة ة التی

إقرأ أيضاً:

سيطرة العصبية الصهيونية الفاشية على الشرق الأوسط المعاصر.. قراءة في كتاب

الكتاب: انفجار المشرق العربي: من تأميم قناة السويس إلى غزو العراق1956-2006
الكاتب: د. جورج قرم
الناشر: دار الفارابي (863 صفحة من القطع الكبير)


في إقليم الشرق الأوسط تعيش ثلاث أمم كبيرة، الأولى الأمة العربية على الرغم من تجزئتها، والثانية الأمة الفارسية، والثالثة الأمة التركية. وأول ملاحظة تفرض نفسها في النظر إلى إقليم الشرق الأوسط المعاصر هو التنوع الهائل في الأقليات العرقية ـ الدينية، إضافة إلى الإشكاليات التي تقود مختلف أشكال العمل السياسي المتعلق بالأقليات.

في إقليم الشرق الأوسط المعاصر، الذي يُعَدُّ مهد الحضارات والرسالات السماويَّة، غالباً ما ننسى أنَّه مهد ومرتع الحروب والكوارث والفقر والأميَّة والاستبداد والفساد أيضاً.ولا تزال شعوب هذا الإقليم  تغرف الإيديولوجيات والأفكار السياسية من ماضيها، وترتدُّ إليها بسبب طابعها المحافظ، أثناء حديثها عن العصر!ولم تتبنى بعد عصر الحداثة بكل منطوياتها الفكرية والثقافية والسياسية وهي ضحايا عجزها، في مواجهة الفساد والاستبداد الذي تمقته، وتهتف بـ"الرُّوح بالدَّم" لمستبدِّيها وفاسديها!. وعليه، لا غرابة في أن يكون مستبدّو وفاسدو هذه الشعوب الشرق أوسطيَّة، أحبّ لديها من حاملي مشروع الإصلاح الديمقراطي والفكر التنويري.

ويعج  إقليم الشرق الأوسط المُعاصر بالعصبيّات العنيدة والعتيدة التي تَرفض مُغادرة فضاءاتها المَعرفيّة التاريخيّة الموروثة، وتَرفع راياتِ المُمانَعة عالياً في مُواجَهةِ أيّ تقدُّمٍ نَوعيّ في المنطقة، حيث تريد لها أن تبقى مجرَّد شعوبٍ بالمعنى الرومانيّ القديم للكلمة، أي مجرّد تجمّعاتٍ إثنيّة مُقعَّرة، وأخطر هذه العصبيات ، العصبية الصهيونية الفاشية بقيادة مجرمي الحرب آرييل شارون وبنيامين نتنياهو.

يتعرض المفكرالراحل  جورج قرم بالسرد والتحليل (في كتابه الجديد) لتاريخ المشرق العربي ـ الذي لا ينفصل عن مجمل تاريخ العالم العربي ـ على امتداد نصف القرن المنصرم (من عام 1956 إلى عام 2006). وهو حصيلة جهد كبير استمر على مدى ربع قرن قام به الدكتور جورج قرم أستاذ العلوم السياسية في الجامعات الفرنسية ووزير الاقتصاد اللبناني السابق، لتكتمل أجزاؤه التي توالى نشرها في كتب مستقلة منذ عام 1983 ليصدر مؤخراً في مجلد ضخم عن دار الفارابي البيروتية ضمن 863 صفحة، بعد إعادة ترجمته كاملاً عن الفرنسية وإعادة مراجعته تحت إشراف الكاتب.

وفي إطار "تحقيبه" للفترة التاريخية موضوع الدراسة، يرى الكاتب، بأن المشرق العربي ومن ثم العالم العربي، قد مر بمرحلتين متمايزتين، هما مرحلة النهوض القومي التحريري الذي قاده نظام عبد الناصر، وابتدأت مع قراره التاريخي بتأميم قناة السويس عام 1956. حيث تميزت هذه المرحلة بانتشار حالة من النهوض الثوري اجتاحت المنطقة العربية.. ثم المرحلة المتطاولة والمستمرة من انحسار المد الثوري، والتي ابتدأت مع هزيمة حزيران عام 1967، وتواصلت بتأثير الفورة النفطية التي أعقبت حرب تشرين عام 1973، والتي عززت مكانة البلدان والنظم النفطية، التي كانت في منأىً، وفي تعارض مع المشروع القومي الناصري، والتي غدت داعمة للتيار الأصولي الذي انتشر في المنطقة، في مسعىً لوضعه في مواجهة التيار والمشروع القومي، لكي يسهل فرض المشروع الاستعماري على المنطقة الذي يشكل النقيض التاريخي للمشروع القومي التحريري والنهضوي للأمة وللشعوب العربية.

وقد تعرض الكاتب للفتنة الطائفية التي ضربت لبنان عام 1860 وامتد أثرها إلى المشرق العربي بوجه عام وإلى سورية خاصةً، إذ أتت في أعقاب هزيمة مشروع محمد علي باشا الذي انطلق من مصر على يد تحالف الدول الاستعمارية الغربية، مشكلة (هذه الفتنة) مؤشراً على مسار التجزئة الذي دخلته المنطقة تحت ضغط القوى الاستعمارية، والتي استكملت سيطرتها على المنطقة المجزأة مع نهاية الحرب العالمية الأولى.. لتكون الفتنة الثانية (الحرب الأهلية) التي شهدها لبنان منذ عام 1975، التي اندلعت مع إسدال الستار على مشروع عبد الناصر الذي سار على خطى مشروع محمد علي بملامح قومية واضحة، وذلك مع دخول نظام السادات في مسيرة كامب ديفيد التي ابتدأت مع اتفاق فصل القوات مع العدو الصهيوني إثر حرب تشرين عام 1973، لتكون هذه الفتنة مدخلاً لولوج المنطقة مرحلة جديدة من الانكشاف أمام المشروع الاستعماري الغربي الذي يرمي إلى تمزيق المنطقة.. ليعود لبنان مجدداً ليكون مسرحاً للمواجهة بين المشروعين التاريخيين المتعارضين، مع الأزمة التي يعيشها في المرحلة الراهنة، والتي أعقبت سقوط بغداد عام 2003 أمام الغزوة النيوكولنيالية التي تقودها أميركا على المنطقة في سياق مخططها لتمزيق وتذرير المنطقة، ليبدو للمتابع لتاريخ هذه المنطقة المعاصر، بأن تجزئتها وتمزيقها (انفجارها) على أرضية مشاريع السيطرة الاستعمارية، قد مرت دائماً عبر لبنان الذي كرس فيه التدخل الاستعماري تلك البنية السياسية الهشة التي تقوم على أساس الفئوية الطائفية.

الخصوصية

وتناول الكاتب خلال الجزء الأول من كتابه ، خصوصية هذه المنطقة(المشرق العربي) ، التي أطلق عليها الغرب تسميات تنطلق من اعتبار أوروبا أنها مركز العالم، لتضع المنطقة تحت اسم الشرق الأدنى، والشرق الأوسط نسبة إلى موقعها من أوروبا، دون أن تحدد هذه التسميات حدود جغرافية المنطقة أو هوية سكانها.

ويرى الكاتب هنا، بأن الغرب الأوروبي لم يرد ولم يستطع أن يستوعب تلك الخصوصية لهذه المنطقة من العالم، التي قامت هويتها الحضارية على أساس التعددية، حيث تمازجت على أرضها الحضارات التي تعاقبت عليها على مدى آلاف الأعوام، وتجانست فوق تربتها الأعراق التي توالت على الاستقرار فوق تلك التربة خاضعة لأجوائها المشرقية العربية، وفيما حرص من تعاطى من الغربيين مع قضايا المنطقة وخاصة في الحقبة الاستعمارية، على اختزال هوية المنطقة بالإسلام، وذلك ضمن رؤية عدائية تجاه هذه الديانة ترسخت في وعي الأوروبي الغربي عبر عصور من الصراع والحروب التي جرت مع العالم الإسلامي، فإن ما يوضحه الكاتب ردًا على هذه الرؤية، هو أن المنطقة التي شكلت مهد الحضارة الإنسانية، قد انصهرت مكوناتها السكانية في بوتقة وعيٍ ألف التعددية.. وإنه مثلما شكلت اللغة العربية ـ كامتداد وتطوير وإغناء للغة واللهجات السامية التي عرفتها المنطقة، والتي انتصرت منذ فترة مبكرة على اللغات الوافدة كاليونانية واللاتينية والفارسية ـ، حاضناً لهوية المنطقة الثقافية، كذلك فعلت الديانة الإسلامية، التي جاءت هي الأخرى امتداداً وإغناءً وتطويراً للإرث الروحي الإبراهيمي الذي انتسبت له اليهودية والمسيحية، لتكون هذه الديانة بحكم تمثلها لثقافة المنطقة، ومن خلال قبولها للرسالات السماوية الأخرى التي عرفتها هذه المنطقة، أداة توحيد لسكانها، وعامل استقرار فيها، ليستمر هذا الدور للإسلام قائماً وفاعلاً عبر الدول الإسلامية التي تعاقبت على المنطقة وصولاً إلى الدولة العثمانية، إلى أن بدأ النموذج الأوروبي الغربي للأمة وللدولة القومية بالتغلغل في المنطقة إبان ضعف الدولة العثمانية وفي ظل تعاظم قوة الحركة الاستعمارية، دافعاً نحو بروز النزعات الفئوية، العرقية والدينية والجهوية والقبلية..الخ، وذلك بالإضافة إلى تأثير المكائد الاستعمارية التي بدت واضحة في فتنة لبنان عام 1860. وقد فاقم من أزمة هوية المنطقة كما يشير الكاتب، زرع القوى الاستعمارية للدولة الصهيونية في قلب المنطقة التي أقيمت على أساس المكوّن الديني، لكي تستحضر عبر هذه الدولة، ذاكرة تجاوزها الزمن للمجموعات السكانية، التي تمازجت وانصهرت وتعايشت وتشكلت لها ذائقة واحدة في المطبخ، وفي الموسيقى، وفي الأدب، بحيث باتت متميزة عن المجموعات السكانية الأخرى من العالم.

العوامل الداخلية

بيد أن الكاتب لا يهمل العوامل الداخلية، فهو يتحدث في كتابه عن ضعف التنمية الاقتصادية والبشرية في العالم العربي بما أبقاه ضعيفا أمام المؤثرات الخارجية، مبينا على سبيل المثال، بأن مجموع الدخل القومي السنوي لعشرين دولة عربية بما فيها النفطية، لم يتجاوز الـ 650 مليار دولار في حين بلغ دخل إيطاليا القومي، وهي دولة أوروبية متوسطة، 1080 مليارا.

هذا الغرب، لا يريد أن يعي جوهر الثقافة المشرقية التي تبناها الإسلام، والتي لم تعرف طيلة تاريخها مثل هذه العنصرية والأقصائية تجاه اليهود أو غيرهم من الجماعات السكانية،وأنه انطلاقاً من هذه العقدة يقوم الغرب بمحاكمة قضايا الصراع العربي ـ الصهيوني.كما يتطرق الكتاب، لواقع سيادة نمط الدولة الريعية في المحيط العربي والتي لاتكون مسؤولة أمام "رعاياها" الذين تتصدق عليهم بشروط معيشتهم. كما يتوقف مطولاً عند النتائج الكارثية للفورة النفطية التي أعقبت الهزيمة المذلة التي لحقت بالمشروع القومي التحرري في حرب حزيران، إذ نقلت هذه الفورة كما أسلفنا مركز قرار المنطقة إلى الدول التابعة، وخدرت الروح الثورية لدى الجماهير الشعبية ليبرز ذلك إبان الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982، وأنتجت في مدى أعوام محدودة، نماذج من الأثرياء العرب، الذين ارتبطوا بمراكز العولمة الرأسمالية من فوق رأس شعوبهم ودولهم منخرطين في مشروع النظام الإقليمي الشرق أوسطي. ونجم عن هذه الفورة كذلك، استقرار النظم الحاكمة عقوداً من الزمن، بما ترتب على ذلك من جمود في حركة التغيير في مختلف البلدان العربية. كما وفرت العائدات النفطية التي "عم خيرها" جميع البلدان العربية، إمكانية اعتماد النظم الحاكمة في حماية استقرارها على الأجهزة القمعية المضخمة، وما تبع ذلك، من ازدراء موقف الجماهير، ومن تغييب الديمقراطية التي تشكل شرطاً هاماً من شروط التغيير والتقدم وترسيخ ثقافة المواطنة على حساب الروابط الفئوية الانعزالية.

وما نود الإشارة له على هذا الصعيد، هو أن الكاتب في تشخيصه لأمراض العالم العربي انطلاقاً من مشرقه، يتجاوز النظرة الأحادية الجانب التي تقوم على جلد الذات، بحيث تصل في توجهاتها المريضة، إلى حد تبرئة القوى الاستعمارية مما تعانيه شعوب المنطقة، وإلى حدود الالتحاق بالمشاريع الاستعمارية باسم التقاء مصالح شعوبنا مع مصالح القوى الاستعمارية عند نقطة العداء للنظم الدكتاتورية وللتيار الأصولي.

انحياز الغرب للمشروع الصهيوني

ويقدم الكاتب مقاربة موضوعية لعوامل انحياز الغرب الأوروبي للمشروع الصهيوني في المنطقة، وانغلاق وعيه بالتالي أمام الحقوق العربية.ومن أبرز العوامل التي يقف عندها الكاتب:

1 ـ عقدة الشعور بالذنب لدى الأوروبي تكفيراً عن تاريخه الطويل في معاداة السامية، و ما نجم عن ذلك من اضطهادات ومذابح عرفها الغرب الأوروبي ضد اليهود، والتي بلغت ذروتها مع ما سمي بالمحرقة النازية. ذلك أن هذا الغرب، لا يريد أن يعي جوهر الثقافة المشرقية التي تبناها الإسلام، والتي لم تعرف طيلة تاريخها مثل هذه العنصرية والأقصائية تجاه اليهود أو غيرهم من الجماعات السكانية،وأنه انطلاقاً من هذه العقدة يقوم الغرب بمحاكمة قضايا الصراع العربي ـ الصهيوني.

2 ـ وتحت تأثير هذه العقدة، يعتبر الغرب الأوروبي بأن قيام "إسرائيل"، قد شكل حلاً نهائياً للمسألة اليهودية التي لم يعرفها المشرق والعالم العربي والإسلامي، وهو لا يريد أن يستوعب موقف العرب والمسلمين من هذا الحل الذي قام على أرضية المشاريع الاستعمارية المتعلقة بالمنطقة، وبالتالي فهو يذهب في عدم فهمه، إلى مواقف الدعم المطلق للعدوانية الصهيونية تجاه شعوب المنطقة، وإلى وصم مقاومة هذه الشعوب رداً على العدوان الواقع عليها بالإرهاب، معتبراً هذا الرد، على أنه نتاج رفض هذه الشعوب "للحل الإنساني" لتلك المسألة، على أساس أن الإسلام هو الذي يعيق تقبل شعوب المنطقة للفكر الحداثي والعصري والإنساني الذي هو نتاج الحضارة الغربية(؟).

يعتبر الغرب الأوروبي بأن قيام "إسرائيل"، قد شكل حلاً نهائياً للمسألة اليهودية التي لم يعرفها المشرق والعالم العربي والإسلامي، وهو لا يريد أن يستوعب موقف العرب والمسلمين من هذا الحل الذي قام على أرضية المشاريع الاستعمارية المتعلقة بالمنطقة، وبالتالي فهو يذهب في عدم فهمه، إلى مواقف الدعم المطلق للعدوانية الصهيونية تجاه شعوب المنطقة، وإلى وصم مقاومة هذه الشعوب رداً على العدوان الواقع عليها بالإرهاب، معتبراً هذا الرد، على أنه نتاج رفض هذه الشعوب "للحل الإنساني" لتلك المسألة، على أساس أن الإسلام هو الذي يعيق تقبل شعوب المنطقة للفكر الحداثي والعصري والإنساني الذي هو نتاج الحضارة الغربية(؟).3 ـ ومن العوامل كذلك، ما تولد لدى الوعي الأوروبي من قناعة، بأن معافاة المجتمعات الأوروبية من معاداة السامية بعد قيام الدولة اليهودية، قد أوصل هذه المجتمعات إلى أعلى مراحل ليبراليتها وذلك من خلال تخلصها من آخر نزعاتها غير الليبرالية المتعلقة بمعاداة السامية. وبالنسبة لعداء شعوب المشرق والعالم العربي والإسلامي للدولة اليهودية لكونها قاعدة استعمارية عدوانية وكياناً اغتصابياً تم زرعه في قلب المنطقة. فهو في نظر الغرب الأوروبي، مرتبط بتخلف هذه الشعوب عن ركب الليبرالية التي تتعارض حسب رؤيتهم التبسيطية والاستعلائية والعدائية، مع جوهر الإسلام، ومع جوهر الحضارات الشرقية بوجه عام التي لا تنتج غير الثقافة والنظم الاستبدادية.

4 -ومن العوامل البالغة الأهمية التي يتوقف عندها الكاتب، عامل انتقال مركز الغرب والحضارة الغربية إلى أميركا التي تهيمن فيها الثقافة الأنجلوسكسونية التي برَّرت إبادة السكان الأصليين لأميركا الشمالية، والتي لم تتطعَّم بثقافة عصر الأنوار العلمانية التي تتجاوز الانغلاق الديني والعرقي. وإنه فيما قام فكر النهضة الأوروبية على اعتبار أن الحضارة اليونانية والرومانية هما جذر الحضارة الغربية الأوروبية، فإن فكر الثقافة الأمريكية، بني على اعتبار أن الديانة اليهودية والفكر التوراتي هو الجذر لهذه الحضارة.

ومع أن المسيحية المتصهينة قد لقيت رواجاً في المجتمع الأميركي وخاصة في الوسط الأنجلوسكسوني، فإن أثر هذه المسيحية، قد امتد إلى الغرب الأوروبي الذي بات ينتسب تأثراً بالنظريات الأميركية إلى ما يسمى بالحضارة اليهودية ـ المسيحية وذلك في تراجع واضح عن تقاليد عصر الأنوار الفكرية.

5 ـ وعلى أساس هذا الوعي المعمم في العقل الأوروبي ـ كما يوضح الكاتب ـ، أتت حماسة الشعوب الأوروبية لعملية السلام الأميركية المنطلقة من مؤتمر مدريد، حيث عميَ هذا العقل عن طبيعة هذا السلام الذي تحمله موجة غزو استعماري جديدة، تفوق في عنصريتها وضراوتها كل ما عرفته الغزوة الاستعمارية الأوروبية في القرن التاسع عشر وامتدت إلى القرن العشرين، لكي تضعف وتنهار عقب الحرب العالمية الثانية.

وإذ بدأ الوعي الأوروبي وخاصةً الشعبي منه، ينتبه كما يشير الكاتب إلى حقيقة السلام الأميركي الصهيوني المطروح على شعوب المنطقة، وذلك بتأثير الغزو الأنجلوأميركي التدميري والتمزيقي للعراق، وعلى وقع جرائم المحتلين الصهاينة بحق الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني، فقد تصاعد الابتزاز الصهيوني ضد شعوب أوروبا متحدثاً عن معاداة السامية، فيما سارعت إدارة بوش الابن الأميركية إلى تطويب مجرم الحرب الصهيوني شارون كرجل سلام، متساوقة بحكم أيديولوجيتها مع التيار الأكثر عنصرية في اليمين الصهيوني.

في الختام نعود إلى التأكيد على أهمية هذا الكتاب الذي يقدم رؤية شمولية لتاريخ المنطقة المعاصر، في ترابط عضوي مع التاريخ القديم للمنطقة، ومع المستقبل الذي ينتظر شعوبها عبر استمرار الصراع بين مشروعين متصادمين ومتعادمين، المشروع القومي التحرري والنهضوي، ومشروعالهيمنة الاستعمارية الذي يرمي إلى دفع المنطقة نحو التفكك والتمزق لتغدو طيعة أمام الهيمنة.

مقالات مشابهة

  • بناء نظام إقليمي شرق أوسطي جديد أمريكي ـ صهيوني.. قراءة في كتاب
  • في 5 نيسان... وضع الحجر الأساس في مكتبة بعقلين لأكبر كتاب في العالم
  • تياترو الحكايات| فرقة الكوميدي العربي.. حلم عزيز عيد الذي لم يكتمل
  • إسلام النواوي: القرآن الكريم هو كتاب الهداية والرحمة.. ولا بد من تدبره
  • سيطرة العصبية الصهيونية الفاشية على الشرق الأوسط المعاصر.. قراءة في كتاب
  • موعد عيد الفطر .. كتاب عمره 132 عام يكشف توقعات الشهور حتى 1500ه
  • في ختام مسابقة أهل القرآن.. محافظ الغربية يكرم 130 من حفظة كتاب الله
  • وزير الأوقاف يُهدي الرئيس السيسي كتاب «الحق المبين» خلال احتفالية ليلة القدر
  • احتفالية ليلة القدر| وزير الأوقاف يهدي الرئيس السيسي كتاب الحق المبين
  • الكثافة الأنثوية في مجموعة «شبابيك زيانة» لبشاير حبراس