الغارمون وأولويات السياسات العامة!
تاريخ النشر: 9th, July 2024 GMT
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
لابد أن أعترف أني لم أكن على حقٍّ في موضوع الغارمين/ات؛ كنت أتبادل الآراء في هذه القضية مع زملاء وأصدقاء، جميعهم يرفضون مساعدة الغارمين؛ في تلك المرحلة، كنت أعمل مستشارة إعلامية لوزيرة التضامن الاجتماعي، غادة والي، وكان يُعرضُ عليَّ مشكلات كثيرة جدًا سببها تورط الأهالي في تجهيز بناتهم بأكثر من قدرتهم والنتيجة التعثر في سداد الدين والتهديد بالحبس.
وكان البعض يلجأ إلى "التضامن" للبحث عن حل، عادة قبل موعد الجلسة أمام القاضي. محاولاتي بشكل مؤسسي أو من خلال حلول فردية غالبا ما كانت تفشل. لم أستوعب حينئذ جيدا أسباب الفشل بل شعرت أحيانا بالخذلان وقبلتُ اعتذار البعض عن المساعدة. هناك من قالوا لي بصراحة: "الناس عارفين أن مصيرهم الحبس ومع ذلك يتداينون ويكتبون إيصالات أمانة!".
وأعترف الآن أني لم أكن على حق، فما خفي في هذه المشكلة أكبر مما ظهر. ومن الضروري التأكد من متلقي الدعم وأنهم الأكثر استحقاقا له، وتلك مسؤولية تُلقى عادة على المتبرع، بينما هي إحدى حلقات مشكلة علاج الفقر، خاصة المتعدد الأبعاد، وهي مهمة السياسات العامة التي تضعها الحكومة؛ هي ليست "حسنة" تُلقى للفقير ولكنها حقه. وهي مهمة معقدة فيما يتعلق بقياس الفقر وتحديد الفقراء. وماتزال الدول النامية ومنها مصر في بداية الطريق لضبط تلك السياسات وجعلها ناجعة حتى تذهب المساعدات والدعم وكل وسائل الحماية والرعاية لمستحقيها.
أذكر ذات مرة لجوئي لوكيل الوزارة، كمال الشريف، رحمه الله. أطلعته على حالة التعثر لسيدة في الستين من عمرها، وعليها دين تجاوز المائة ألف جنيه، بالإضافة لقيمة مماثلة بالإيصالات يستخدمها الدائن عادة لتهديد المدين على الدفع. وعندما قرأنا قائمة تجهيزات العروس المسجلة في المديونية أصابتنا صدمة. طبعا صدمتي مضاعفة نظرا لفرق الخبرة. ضمت القائمة ثلاجة وديب فريزر وبوتاجاز ومايكروييف، وشنطة أدوات مائدة وغسالتين، واحدة أوتوماتيك والأخرى عادية للأطفال، وعدد أربع وعشرين طقم ملايات سرير، وسجاجيد، ونجف، وتكييف ومروحتين، وكاتش ماشين وطقم حلل ستنالستيل.
استغربنا من كل هذه المشتريات، خاصة أن بعض التجهيزات تدخل في باب الرفاهيات. وردت الخالة، التي حضرت نيابة عن الأم "المختفية" هروبًا من ملاحقات الدائن، بأنها أصبحت أساسيات لتفرح "العروسة" مثل بقية البنات، و"تشريفها" أمام أهل العريس.
الأمر يستدعي من المصلحين تغيير العقلية السائدة لدى البعض واهتمامهم بنظرة من حولهم، وهي نظرة طبقية عنصرية الجميع ضحايا لها. ذكرت إحدى الغارمات بأنها إذا ما جهزت ابنتها بأقل من هذه المستلزمات فلن يلتفت إليها أحد من شباب العائلة أو المنطقة. وإذا علمنا بالكمّ الهائل من قضايا الطلاق وما يسودها من خلافات ومعارك حول الجهاز يتضح أن المجتمع في هاوية. إن الاختيار مبني غالبًا على الماديات وليس على سواها، وتنجرُّ العائلات وراء المظاهر، دون مراعاة لاختيار الشريك الأفضل، علما وعملا وأخلاقا، ويكون مصير الأهل السجن، ومع ذلك لا يتراجعون عن الجهاز المرهق ماديا. ربما يكون ذلك أيضًا تحت إلحاح من الأبناء ونزولًا عند رغبتهم؛ لكنْ قد يختفي هؤلاء الأبناء عندما يواجه الآباء السجن؟!
وقد شاهدت مواقف مماثلة، عندما تكون الابنة يتيمة الأب، وتحضر الأم لوزارة التضامن وتطلب المساعدة التي تمنحها عادة لهذه الفئات التي تحتاج للحماية. وتقتضي الإجراءات إحضار عقد الزواج كدليل على الجدية، كما يُشترط إجراء بحث اجتماعي عن الأسرة للاطمئنان لكونها مستحقة للمساعدة. ولا أنسى كلمات إحدى الأمهات، وهي غاضبة من هذا الشرط، قائلة: "أنتم بتذلونا وتجرسونا وسط الناس". نفس هذه الأم كشف البحث الاجتماعي أنها حصلت على أكثر من جهاز لابنتها من خلال الذهاب لعدة جمعيات، وربما باعت بعضها بأبخس الأثمان.
وكنت قد لاحظت تكرار هذا السلوك أيضا من أشخاص يأتون للحصول على مساعدات بدعوى المرض، لم تكن إلا مبررات، لدرجةٍ أن شخصًا تكررت طلباته للحصول على المساعدة وكان قد جلب مرة والده وحمله ليصعد به أربعة أدوار، حتى وصلنا للأستاذ كمال الذي أعطاه ورقة ليكتب عليها طلب المساعدة، على أن يعود مرة أخرى بعد دراسة الحالة. وقبل أن أنصرف، ناداني الأستاذ كمال وأشار من شباكه المطلّ على الشارع، إلى الشخص الذي قد حضر منذ قليل وكان محمولًا على ظهر ابنه، وكيف كان يجري ويرتع بمجرد أن غادر المكان!
وإذا كنتُ أروي هذه القصص فليس بقصد إنكار الظروف شديدة الصعوبة أمام العائلات لتجهيز أبنائهم، حيث ارتفعت بالفعل أسعار كل شيء، وهذا وضع أصبح يعاني منه الميسورون، فما بالنا بضعاف الحال. لكن الهدف هو إعادة النظر في كيفية علاج هذه المشكلة وغيرها من المشكلات التي تخص الفئات الأولى بالرعاية.
ولا يعني وجود محترفي الاحتيال أن جميع المتعثرين من هذه النوعية، بل هناك من يستحقون المساعدة وبشدة، وهؤلاء نبلاء يتعففون ولا يمكن الوصول إليهم بسهولة. وهذه قضية تخص جميع أشكال الدعم التي تحتاج حلولا غير تقليدية من السياسات العامة حتى يحصل الفقراء على حقوقهم التي نص عليها الدستور ولا يتحول الدعم إلى "سبوبة" وهي تحديات ظلت قائمة أمام الحكومات المتعاقبة، وهي على قمة أولويات حكومة مدبولي الجديدة!
المصدر: البوابة نيوز
كلمات دلالية: الغارمين الغارمات
إقرأ أيضاً:
الأمم المتحدة: 305 ملايين شخص بالعالم يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية في 2025
سلط مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء الضوء على التقرير الصادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بعنوان "لمحة عامة عن العمل الإنساني لعام 2025"، حيث قدم التقرير تحليلًا للأزمات والاحتياجات العالمية والخطط الإنسانية اللازمة لمعالجتها، وطالب بتوفير أكثر من 47 مليار دولار أمريكي لمساعدة ما يقرب من 190 مليون شخص يواجهون احتياجات عاجلة تهدد حياتهم.
رويترز: واشنطن تحضر حزمة مساعدات جديدة بقيمة 988 مليون دولار لأوكرانيا الأردن يرسل مساعدات عسكرية إلى لبنانأشار التقرير إلى أن هناك نحو 305 ملايين شخص حول العالم سيحتاجون في عام 2025 إلى المساعدة الإنسانية والحماية بشكل عاجل في ظل تصاعد أزمات عديدة تسفر عن عواقب وخيمة يتأثر بها المتضررون من هذ الأزمات، موضحاً أن منطقة جنوب وشرق إفريقيا تستضيف أكبر عدد من المحتاجين إلى المساعدة الإنسانية بإجمالي عدد يُقدر بنحو (85) مليون شخص، حيث تمثل الأزمة الكارثية في السودان 35% من إجمالي عدد المحتاجين إلى المساعدة في المنطقة، وتليها منطقتا الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا حيث يحتاج 29 مليون شخص إلى المساعدة والحماية، ونحو 57 مليون شخص في غرب ووسط إفريقيا يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية، وفي آسيا والمحيط الهادئ هناك 55 مليون شخص، أما في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي فهناك 34 مليون شخص بما في ذلك 5 مليون شخص متضرر من أزمة فنزويلا، أما في أوروبا فلا يزال يحتاج 15 مليون شخص إلى المساعد بسبب استمرار الأزمة الروسية الأوكرانية.
وفي هذا الصدد؛ أشار التقرير إلى أن هناك دافعان رئيسان وراء هذه الاحتياجات، وكلاهما من صنع الإنسان، وهما: النزاعات المسلحة، وحالة الطوارئ المناخية العالمية، وطبقًا للتقرير، فإن المدنيون يتحملون النصيب الأكبر من العبء الناجم عن النزاعات المسلحة التي تتجاهل بشكل صارخ القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، بما في ذلك الأعمال الوحشية الجماعية.
وأوضح التقرير أن عام 2024 كان من أكثر الأعوام قسوة في التاريخ الحديث بالنسبة للمدنيين العالقين في النزاعات، وقد يكون عام 2025 أسوأ من ذلك إذا لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة، ففي منتصف عام 2024 نزح ما يقرب من 123 مليون شخص بشكل قسري بسبب النزاع والعنف بزيادة سنوية هي الثانية عشرة على التوالي.
بالإضافة إلى ذلك؛ يعيش طفل واحد من كل خمسة أطفال في العالم - أي ما يقرب من 400 مليون طفل - في مناطق النزاع أو يفرون منها، وتبلغ الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال مستويات غير مسبوقة، حيث شهد السودان وحده ارتفاعًا بنسبة 480% من عام 2022 إلى عام 2023.
كما تُعد أزمة الأمن الغذائي العالمية بمثابة صاعقة، حيث تؤثر على أكثر من 280 مليون شخص يوميًّا مع انتشار الجوع الحاد وتفاقمه، كما يمنع العنف والنزوح إنتاج الغذاء ويعوق إتاحة الوصول إلى الأسواق الحيوية.
وفيما يتعلق بحالة الطوارئ المناخية العالمية، أشار التقرير إلى أن العالم على مشارف أن يشهد تجاوز متوسط درجة الحرارة العالمية مستوى 1.5 درجة مئوية مما ينذر بدق ناقوس الخطر، وتزيد أزمة المناخ من تكرار حدوث الكوارث وشدتها، والتي لها تبعات مدمرة على أرواح ملايين البشر وسبل عيشهم.
أشار التقرير إلى أنه في عام 2023، تم تسجيل 363 كارثة متعلقة بالطقس، والتي أثرت على ما لا يقل عن 93.1 مليون شخص وتسببت في مقتل الآلاف، وفي العام ذاته، تسببت الكوارث في حدوث نحو 26.4 مليون حالة نزوح / تنقلات، وأكثر من ثلاثة أرباع هذه الحالات ناجمة عن حالات الطقس.
هذا، وقد تسببت أزمة المناخ في دمار كبير في أنظمة الغذاء، حيث إن موجات الجفاف مسؤولة عن أكثر من 65% من الأضرار الاقتصادية الزراعية في السنوات الخمس عشرة الماضية، ما أدى إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي، وخاصة في المناطق التي تعتمد على زراعة أصحاب الحيازات الصغيرة.
وأفاد التقرير أن الصراعات يمكن أن تسهم بشكل مباشر في تغير المناخ؛ حيث يقدر الباحثون أن الانبعاثات في أول 120 يومًا من الصراع في غزة تتجاوز الانبعاثات السنوية لـ 26 دولة وإقليمًا منفردًا، وفي الوقت نفسه، سجلت أكبر 30 شركة نفط وغاز باستثناء تلك الموجودة في البلدان الأكثر فقرًا ما مجموعه 400 مليار دولار سنويًّا من التدفقات النقدية الحرة منذ اتفاق باريس في عام 2015.
أشار التقرير إلى أن الأمم المتحدة والمنظمات الشريكة تحتاج إلى جمع ما يزيد عن 47 مليار دولار لمساعدة ما يقرب من 190 مليون شخص عبر 72 دولة بحلول عام 2025، موضحًا أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحتاج في الوقت الراهن إلى 15.9 مليار دولار، في ظل الزيادات الكبيرة في التمويل المطلوب للاستجابة للأزمات المتصاعدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة ولبنان.
وأوضح التقرير أن الأزمة المتصاعدة في السودان أدت إلى زيادة متطلبات التمويل في شرق وجنوب إفريقيا والتي تتطلب في الوقت الراهن 12 مليار دولار تقريًبا، أما في غرب ووسط إفريقيا، فثمة حاجة إلى 7.6 مليار دولار، كما تتطلب منطقة آسيا والمحيط الهادئ في الوقت الراهن 5.1 مليار دولار، في حين تحتاج أوروبا إلى 3.3 مليار دولار، وفي مختلف أنحاء أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، يدعو الشركاء في مجال العمل الإنساني إلى توفير 3.6 مليار دولار.
أشار التقرير في ختامه إلى أنه في عام 2025 سيواصل الشركاء في مجال العمل الإنساني تحسين الطريقة التي يقدمون بها خدماتهم للمتضررين من الأزمات، من خلال: احترام وتعزيز العمل الإنساني الذي تقوده الجهات المحلية، ومتابعة الاستجابات التي تركز على الأشخاص والخاضعة للمساءلة، بالإضافة إلى توسيع نطاق المساعدات النقدية حيثما كان ذلك ممكنًا ومناسبًا.