خالف نادي النهضة التوقعات وخرج بموسم صفري مخيب للآمال على الرغم من ترسانة النجوم التي عجت بها صفوفه في منافسات الموسم الكروي المنصرم 2023 / 2024، وحل وقع الموسم الصفري كالصاعقة على جماهير نادي النهضة التي لم تستوعب صدمة المشهد وتجلت على محياها قسمات الحسرة والذهول بالرغم من توافر الفريق على كتيبة مدججة بالنجوم الدوليين وفي طليعتهم صانع الألعاب المميز صلاح اليحيائي ونجم وسط الميدان حارب السعدي وثنائي خط الهجوم عمر المالكي وعصام الصبحي، ولكن جرت الرياح بما لا تشتهي السفن وخرج النهضة بخفي حنين جارا أذيال الخيبة بعدما صارع على أربع جبهات حتى الرمق الأخير من الموسم، بيد أن الأقدار شاءت أن يخسر رهانها جميعا، مفرطا برباعية الموسم التاريخية المتمثلة في مسابقات دوري عمانتل وكأس جلالة السلطان لكرة القدم وكأس السوبر، عطفا على لقب مسابقة كأس الاتحاد الآسيوي التي أضطر لتوديعها عند المنعطف الأخير الحاسم حينما خسر نهائي منطقة غرب آسيا أمام نظيره العهد اللبناني.

وباءت حملة دفاع النهضة عن لقبه بطلا لدوري عمانتل للموسم الثاني على التوالي بالفشل، حيث اكتفى بالحلول في وصافة جدول الترتيب خلف السيب البطل، جمع على إثرها 43 نقطة في 22 مباراة، حيث فاز في 12 مباراة وتعادل في 7 مباريات وذاق وبال الهزيمة في 3 مباريات، متكفلا خط هجومه بإحراز 38 هدفا فيما مني خط دفاعه بولوج 21 هدفا في مرماه.

حيثيات وتفاصيل الموسم الخالي الوفاض للنهضة استرعت انتباه كل متتبعي ومراقبي دوري عمانتل بالنظر إلى الظروف الإيجابية التي أحاطت بالفريق قبيل بداية الموسم الكروي المنصرم، مما ترك الأمر مدعاة لطرح التساؤلات التي أضحت أشبه باللغز المحير والغموض الذي اكتنف مسيرة الفريق ككل إبان الموسم بهدف تقصي الحقائق ومعرفة الأسباب التي أدت إلى خروج نادي النهضة بموسم محير رغم توافر أدوات ومقومات النجاح والبيئة الجاذبة في النادي التي تساعد أي فرد في منظومتها الكروية على الإنجاز، بيد أن النتائج سبحت عكس تيار الرغبات والأهواء، مما يطرح ألف علامة استفهام على المحصلة العامة المخيبة لفريق بات مرشحا فوق العادة لحصد الألقاب بالنظر إلى صفوفه البراقة التي تلمع وتزخر بذخيرة النجوم، وفيما يلي نرصد آراء وانطباعات من نادي النهضة نفسه بحثا عن تقصي الحقيقة وتبيان أسباب الخروج من المولد بلا حمص إبان الموسم الكروي المنصرم.

الإجهاد أثر على الفريق

أرجع شاهر بن خميس الكعبي نائب رئيس مجلس إدارة نادي النهضة أسباب خروج الفريق الكروي الأول بموسم صفري إلى عوامل عدة من أبرزها الإجهاد البدني الذي أثر كثيرا على عطاء اللاعبين في المنعرج الأخير الحاسم من الموسم، لافتا أيضا إلى أن عامل عدم التوفيق حال دون تتويج فريقه ببطولات الموسم الكروي المنصرم 2023 / 2024، مشيرا أيضا إلى أن الظروف الصعبة التي انتابت الفريق في المنعطف الأخير من الموسم على غرار إلغاء الرحلات الجوية وإغلاق المطارات أثناء رحلة الفريق إلى مدينة كربلاء العراقية لمواجهة نظيره نادي العهد اللبناني لحساب ذهاب نهائي منطقة غرب آسيا تسببت بشكل مباشر في إرباك معنويات اللاعبين وأحاطتهم بهالة من التشتيت الذهني والنفسي، مما أثر لاحقا على حظوظنا في وضعية التأهل وخسرنا بطاقة الصعود لنهائي مسابقة كأس الاتحاد الآسيوي لصالح النادي اللبناني.

وأضاف الكعبي: كما أن إصابة صخرة الدفاع الكاميرونية جونيور نجيدي في لقاء الذهاب أمام نادي العهد اللبناني أثر على المنظومة الدفاعية ككل وأحدث فراغا في خط دفاع نادي النهضة، مما اضطر المدرب حمد العزاني لتغيير الاستراتيجية الدفاعية للفريق في مسعى منه لإحداث التوازن الدفاعي المطلوب في خط الظهر جراء إصابة المحترف الكاميروني الذي كان يشكل قطعة أساسية لا غنى عنها في تشكيلة العزاني.

واستدرك نائب رئيس نادي النهضة قائلا: موسمنا لم يكن سيئا على أية حال بدليل أننا حققنا وصافة دوري عمانتل ووصافة كأس جلالة السلطان لكرة القدم، فضلا عن تحقيقنا وصافة منطقة غرب آسيا في البطولة القارية، ولكن كان بالإمكان أفضل مما كان، متطلعين قدما لتصحيح الأوضاع في الموسم المقبل بحثا عن استعادة الألقاب إلى خزائن النادي.

وتابع الكعبي قائلا: اللاعبون الدوليون الذين ينشطون في صفوف النادي كانوا على قدر عال من المسؤولية الملقاة على عاتقهم، بيد أنهم اصطدموا بعامل ضغط روزنامة مسابقات الموسم الكروي، وهو بطبيعة الحال وضع لم يعتادوا عليه سابقا أن يخوضوا كل هذا الكم الهائل من المباريات في ظرف زمني وجيز وقصير جدا، وهذه باختصار شديد ضريبة المنافسة على عدة جبهات مختلفة في الموسم الواحد، ولكنهم في كل الأحوال لم يدخروا جهدا في سبيل المنافسة وقدموا جل ما يملكوه من عصارة خبرات وتجارب ميدانية بحثا عن التتويج بالألقاب، ولكن تفاصيل وجزئيات بسيطة وقفت حائلا دون تتويجهم بالألقاب المرجوة.

وحول خطة العمل التحضيرية استعدادا للموسم القادم أوضح الكعبي قائلا: بدون أدنى شك سيكون هناك تدعيم لصفوف الفريق الأول تحضيرا للموسم المقبل ولن نقف في وجه أي لاعب يتلقى عروضا احترافية خارجية، بل على العكس سنكون مرحبين ومنفتحين لأي عرض خارجي يصل لأحد لاعبينا، ونحن الآن بصدد تكثيف الاجتماعات التحضيرية لمناقشة برنامج إعداد الفريق للموسم المقبل والبت في مصير الجهاز الفني الجديد للفريق، وحسم ملف اللاعبين المحليين والمحترفين الأجانب بشأن استمرارية البعض وفسخ عقود البعض الآخر.

واختتم الكعبي حديثه قائلا: ما هو مؤكد أننا سنتريث في حسم بعض الملفات العالقة في النادي وسنعمل يدا بيد كمجلس إدارة لوضع رؤى وأفكار جديدة تتواءم وأهمية المرحلة القادمة التي نسعى من خلالها لتثبيت أقدامنا في المنافسة على جميع البطولات المحلية والقارية على حد سواء، متطلعين لبلورة تلك الرؤى والأفكار والأهداف على أرض واقعية خصبة.

ضريبة المستوى المتباين

عزا عيسى بن محمد النعيمي المدير السابق للفريق الكروي الأول بنادي النهضة أسباب خروج فريقه بموسم صفري خلال الموسم الكروي المنصرم 2023 / 2024 إلى ثلة من الظروف الفنية والبدنية التي اعترت الفريق وحالت دون وصوله لمنصات التتويج.

وفي هذا الصدد بين النعيمي قائلا: أعتقد جازما أن غياب بعض العناصر الأساسية المهمة عن مباريات النهضة هذا الموسم بداعي الإصابة أثرت سلبا على مشوار الفريق وانعكست على حظوظه في المنافسة على جميع القاب الموسم الكروي المنصرم، كما أن ثمة ظروف فنية حالت دون تكرارنا لإنجاز الموسم السابق من قبيل عدم التوفيق في قراءة بعض المباريات.

وقال النعيمي أيضا في معرض حديثه عن تبيان أسباب الإخفاق المريع والخروج بموسم صفري: بلورنا خططا فنية واضحة المعالم والأطر بالتنسيق مع الجهاز الفني للفريق الأول بقيادة المدرب الوطني المحنك حمد العزاني، كما رسمنا أهدافا جلية الأركان لعل أبرزها يتمثل في المنافسة على لقب مسابقة كأس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم والسعي جاهدا لحصد اللقب القاري بشتى الطرق والوسائل الممكنة، ولكن للأسف لم نوفق في نيل مبتغانا ومرادنا واصطدمنا بعامل سوء الحظ وإصابات بعض اللاعبين التي أدت للحيلولة دون ملامسة المجد القاري لتكتب نهاية مغامرتنا الحالمة على يد نادي العهد اللبناني في نهائي منطقة الغرب، ولكن إجمالا قدمنا نسخة جيدة وتركنا انطباعا جيدا في البطولة، وتمخضت لدينا خبرة وتجربة بمقدور الفريق أن يقيس عليها في قادم المنافسات، ويبني عليها خططه وبرامجه وأهدافه المرسومة لاحقا.

وفي سياق متصل أردف النعيمي قائلا: لا شك أن البطولة الآسيوية جعلت الفريق يرزح تحت وطأة ضغوطات روزنامة مسابقات الموسم، حيث شكلت عبئا مضاعفا على الجهاز الفني والإداري أسوة باللاعبين أيضا، ومع ذلك بذلوا جهودا حثيثة لترك بصمة جيدة متجاهلين ضغط الروزنامة، وتضافرت كافة الجهود بحثا عن حفر إنجاز قاري غير مسبوق في تاريخ نادي النهضة، ولكن لسوء الطالع لم تكلل تلك الجهود بالنجاح في نهاية المطاف، بيد أننا استخلصنا العبر والدروس من هذه المشاركة القارية.

وزاد: الكمال لله رب العالمين ولكن أعتقد أننا دفعنا ضريبة المستوى المتباين بين اللاعبين خصوصا في المشاركات الخارجية، فضلا عن بعض الإصابات التي أثقلت كاهل الفريق، ناهيك عن ضغط روزنامة مسابقات الموسم وتداخلها مع بعضها البعض والتي هي الأخرى دفعنا ثمنها غاليا،حيث كنا نصارع على أربعة جبهات مختلفة مما انعكس سلبا على مردود اللاعبين واستنزفت قواهم البدنية نظير الإجهاد والإرهاق الذي حل بهم خلال الأمتار الأخيرة من الموسم، لاسيما وأن اللاعب العماني بطبيعته غير معتاد على لعب مباراة كل 3 أو 4 أيام، لذلك عانى لاعبو النهضة من ضغط المباريات المتواصل والتي ازدادت وتيرتها حدة وتسارعا تزامنا مع بدء العد التنازلي لختام مباريات الموسم مما أثر سلبا على مضمون النسق والإيقاع العام لمردود اللاعبين في تلك المباريات.

واستطرد: نحن كجهاز إداري كنا نحترم قرارات المدرب ولا نتدخل إطلاقا في الجوانب الفنية نظرا لقناعتنا التامة بأن كل ما يمت بصلة إلى الجوانب الفنية هي بمثابة خط أحمر لا يمكن اختراقه أو تجاوزه من قبل الإداريين، لذلك عمدنا إلى تهيئة الظروف الفنية الملائمة للعمل ووفرنا جل مقومات النجاح للمدرب الوطني القدير حمد العزاني من أجل العمل في بيئة صحية خصبة ذات قاعدة أرضية صلبة، ولكن النتائج وقفت عائقا دون ترجمة تلك الجهود المضنية لواقع الاستمرارية المفعمة في حصد البطولات وهذا هو حال كرة القدم فقد تبذل الغالي والنفيس وترسي كل سبل ودعائم توطيد النجاح ولكنك في النهاية تصطدم بعامل عدم التوفيق وتخسر رهان تحقيق كل البطولات برمشة عين!.

وأكال النعيمي المديح للمدرب حمد العزاني مشيدا بقدراته الخططية والتكتيكية الهائلة وفي هذا الشأن علق قائلا: بلا شك أن المدرب حمد العزاني أسهم بشكل ملموس في إعادة نادي النهضة إلى مكانته المعهودة وقاده لاعتلاء منصات التتويج مجددا عندما امتطى صهوة المجد وجمعه من جميع أطرافه بحصده ثنائية الدوري والكأس المحليتين التي توج بها موسم 2022 / 2023، وهو بطبيعة الحال مدرب فذ ومحنك يبرع في قراءة المباريات واستطاع أن يصل بنادي النهضة إلى المكانة المرموقة التي يستحقها، وأسهم بشكل مباشر في نقل الفريق إلى مستويات أعلى من التنافسية على مدار المواسم الثلاثة السابقة.

واسترسل: يجب ألا نغفل أيضا المجهودات الواضحة التي كرسها الشيخ أحمد بن ناصر النعيمي رئيس مجلس إدارة نادي النهضة والذي بذل الغالي والنفيس من أجل إحياء أمجاد النادي وإسعاد جماهيره الوفية في كل مكان، وبالفعل كان للشيخ أحمد النعيمي اليد الطولى في إرساء دعائم وقواعد النجاح في النادي، مساهما بشكل جلي وملموس في رفع سقف توقعات وتطلعات الفريق، ومؤسسا لمرحلة جديدة تستمد وتستلهم وازع تحقيق البطولات كشعار وعنوان ثابت لخطوطها العريضة، ومما لا شك فيه استطاع الشيخ رئيس النادي أن يعيد النهضة إلى الواجهة خلال حقبة زمنية قصيرة، وأسهم إيجابا في بلوغ الفريق الأول لمراحل تنافسية متقدمة بفضل رؤيته الثاقبة وبلورته للخطط قريبة وبعيدة المدى، عطفا على تقديمه الدعم المادي والمعنوي اللامحدود واللامتناهي للفريق الأول طيلة الفترات السابقة.

وأكمل النعيمي مساحة حديثه بالقول: ما يميز النهضة هو روح العائلة الواحدة التي تحيطه بنسيج أسري متناغم وفريد من نوعه، تمزجها مشاعر الود والسكينة والألفة الحميمة بين جميع مكونات المنظومة في البيت النهضاوي الشامخ.

غياب التوفيق

أشار منصور بن غميل النعيمي المدير الجديد للفريق الكروي الأول بنادي النهضة إلى أن عامل عدم التوفيق حال دون تتويج فريقه بألقاب الموسم الكروي المنصرم 2023 / 2024، لافتا إلى أن الجهاز الفني والإداري واللاعبين بذلوا أقصى جهد ممكن من أجل التتويج بالألقاب ولكن قدر الله وما شاء فعل على حد قوله.

واعتبر النعيمي أن الأمتار الأخيرة من الموسم كانت شاقة بدنيا على اللاعبين وأفقدتهم تركيزهم الذهني داخل أرضية الملعب، بحيث استنزفت طاقاتهم وتسببت بكومة من الإجهاد البدني المضاعف الذي أرهق اللاعبين حرفيا نتيجة تداخل المسابقات وضغط روزنامة مباريات الموسم الناتجة عن المنافسة على أربع جبهات مختلفة متمثلة في دوري عمانتل وكأس جلالة السلطان لكرة القدم، فضلا عن كأس السوبر ومسابقة كأس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم.

وفي هذا السياق أردف النعيمي قائلا: خاض لاعبو نادي النهضة 66 مباراة في كل البطولات على مدار الموسم الكروي المنصرم 2023 / 2024، وهو بلا شك رقم هائل لم يعتد عليه اللاعبين على الإطلاق، وبطبيعة الحال لا يمكن للاعب العماني أن يتحمل كل هذا العبء والضغط من عدد المباريات، ولكن هذه هي ضريبة المنافسة على أربع جبهات مختلفة.

وقلل النعيمي من تأثير ظروف تأخر الرحلة الجوية للفريق أثناء مغادرتها إلى مدينة كربلاء العراقية لخوض مباراة ذهاب نهائي منطقة غرب آسيا لمسابقة كأس الاتحاد الآسيوي وفي هذا الشأن علق قائلا: نعم نقر أنه حدث تأخير في رحلتنا الجوية إلى مدينة كربلاء العراقية ولكن لا يمكن أن نعلق هذا الأمر شماعة على خسارتنا لنتيجة المباراة، لأنه ببساطة كان بمثابة ظرف خارج عن إرادتنا، ونحن كبعثة يتوجب علينا أن نضع كل الاحتمالات ونحتاط لأي إجراء احترازي ممكن.

وأكمل النعيمي: أشكر مجلس إدارة النادي برئاسة الشيخ أحمد بن ناصر النعيمي وأخواني أعضاء مجلس الإدارة والجهازين الفني والإداري بالفريق الأول واللاعبين على الجهود المخلصة والمقدرة التي بذلوها طوال الموسم الكروي المنصرم الذي كنا فيه على قلب رجل واحد، ونتطلع للعمل معا بالوتيرة نفسها والشغف خلال الموسم القادم الذي نصبوا من خلاله لاعتلاء منصات التتويج مجددا.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: کأس الاتحاد الآسیوی العهد اللبنانی منطقة غرب آسیا المنافسة على الجهاز الفنی نهائی منطقة دوری عمانتل نادی النهضة مجلس إدارة لکرة القدم النهضة إلى بموسم صفری من الموسم وفی هذا بحثا عن بید أن إلى أن

إقرأ أيضاً:

بينَ أمجادِ الماضي ومآسي الحاضر / لمى أيمن صندوقة

بينَ #أمجاد_الماضي و #مآسي_الحاضر

#لمى_ايمن_صندوقة

هِيَ الحضارةُ الإسلاميةُ، قصةُ المجدِ التي خُطَّتْ بحروفٍ مِنْ نورٍ على صَفحاتِ التاريخِ، هي التي كانت ولا زالتْ منارةً اضاءتْ سُبلَ الجهلِ والظلامِ، هِيَ الحضارةُ التي لم تكنْ مجردَ حِقبةٍ زمنيةٍ طارئة على التاريخ؛ فكانَ لها الأثرُ العظيم في الحضارات التي سبقتها والتي تلتها.
تعاقب على هذهِ الأرض العديدُ مِنَ الحضاراتِ مِنها؛ الحضارةُ المصريةُ، الرومانيةُ، الإغريقيةُ، البابليةُ والحضارة الكنفوشوسية لآسيا البعيدة ، وكانَ لهذهِ الحضارات التي تقادمت واحدةً تلوَ الأخرى؛ بصمةً خاصةً بينَ صفحاتِ التاريخ ولكنْ بالرغمِ من امتدادِ أمدِ هذهِ الحضاراتِ إلّا أنّهُ كانَ مصيرُها الاضمحلال والاندثار والزوال.
وَهُنا بزغَ فجرُ الحضارةِ الإسلاميةِ التي جَعلت هذهِ الحضاراتِ تنهض من سباتها حين تلاشتْ ولم يبقَ منها سوى الرماد، كذلكَ ولم تبقَ حضارةٌ تلتِ الحضارةَ الإسلاميةَ إلّا وكانت تحملُ وسمًا من آثارها، أو شذًى من عبيرها.
نشأت وترعرعتِ الحضارة الإسلامية في الرقعةِ الوسطى من القارات الثلاث التي تشكل منها العالمُ القديمُ : آسيا، إفريقيا وأوروبا .فبعدَ أنْ كانت هذه الأرض بمثابةِ حاجزٍ من طودٍ عظيم بين حضاراتِ المشرق والمغرب؛ إلّا أنّها سرعانَ ما سرت في أوصالها الحياة؛ لتصبح شبكة متلاحمةً تنقل الفكر والثقافة بين أطرافها. آنذاك، لم يكن الغرب يمتلك ما يقدمه، بل نهل واسترقَ من علوم المشرق ومعارفه، واستفاد منها بما يتواءم ويتلاءم مع احتياجاته وظروفهِ، بعد ذلك زخرت الحضارةُ الاسلاميةُ بالعلومِ الإنسانيةِ جميعِها؛ فلمْ يبقَ ضربٌ من ضروب من تلكَ العلوم إلّا وكان قد انتشر بينَ أبنائِها كاشتعال النار في الهشيم؛ فتميّز العرب بأبحاثهم العلميةِ ،فهم – من باب الإنصاف – الذين ابتدعوا طريقةَ البحثِ العلميِّ، فعندهم فقط بدأَ البحثُ السديد الذي يمكُن الاعتمادُ عليه.
وعلى هذا الأساس وبذات وتيرة النهج قطعوا في العلوم أشواطًا بعيدةً وكبيرة ؛ أثّرت فيما بعد بطريقةٍ غيرِ مباشرةٍ على مفكري الغربِ وعلمائِه.
والعربُ المسلمونَ همْ سادةُ السبل والوسائل التجريبيةِ في الكيمياءِ والطبيعةِ والحسابِ والجبرِ والمثلثاتِ وعلمِ الاجتماعِ، علاوةً على ذلك؛ الكم الهائل الذي لا يُحصى ولا يعد من الاكتشافاتِ والاختراعاتِ في مختلفِ فروعِ وأقسامِ العلوم التي سُرقت وسُلب أكثرُها ونُسبَ لآخرين ليسوا نحن ولا يشبهوننا !.
فبينما كانَ الغربُ في أوحال الجهلِ والظلامِ والرُعونةِ ؛كانتْ الحضارةُ الإسلاميةُ تعيشُ في إوج ازدهارها وجمالها، ولكن عندما بدأت دول الغربِ بالنهوضِ والاستيقاظِ والقيامِ من ذلك الظلامِ ،تحديدًا منذ عهد الاستعمار ؛بدأت بدخولِ البلدان العربيةِ المسلمةِ وبدأَ علماءُ الغربِ ومفكروهم بعد ان وطأوا بلادَ الإسلامِ ؛العملَ بجدٍّ بسبر أعماق الحضارة الاسلامية والاقتباس منها وترجمتها وفكِّ معالمِها وشيفراتها ذات الروح العربية؛ لدرجةِ أنَّ الترجمةَ كانَت دارجةً في الغرب وانتشرَ تعلُّم اللغة العربية آنذاك ليصبحَ منْ نشاطاتِ الغربِ الاعتيادية، حيثُ أنَّ اللغةَ العالميةَ السائدةَ والطاغية في علومِ العربِ وأبحاثهم واكتشافاتهم في شتى الاصقاعِ هي اللغةُ العربية الفصحى التي تعلّمها المسلمونَ حُباً وشغفًا واتباعًا وامتثالاً لعقيدتِهم.
وعلماءُ الغربِ عملوا بكل ما يمتلكون من جديّةٍ وبقوَّةٍ في نقلِ العلومِ ومتابعةِ أفكارِ كلِّ عالمٍ ومفكرٍ وحاذقٍ عربيٍّ مسلم حتى عرفوا ما نَقصَ وتضاءلَ من بحوثِ بعضِ العلماءِ المسلمينَ ليقوموا بتطويرها، ناهيك عن ذلك أن السبب وراء ضياعِ بعضِ البحوثِ والكتبِ والنظرياتِ التي دُرست وكتبت بأيديٍ عربيةٍ مسلمةٍ كانت الهجماتِ البربريةِ والهمجيةِ التي اجتاحت البلاد الإسلامية؛ من الغزو الصليبي من جهة الغرب ، والغزو المغولي الغجري الرعوي من الشرق .
بل وإن الحضارةُ الإسلاميةُ لم تقوّضِ أركان ما كان قائمًا عند بزوغ فجرها المبارك ؛بل عملتْ على إعادةِ بناءِ ما تهدم وتداعى، ثم أضافت عليه بما يعزز بنيانه ويدعم أركانه .
ولو أنعمنا النظرَ في هذهِ الحضارةِ العظيمة لوجدنا أنّهُ لم تدّركِ الحضارة الإسلاميةُ أمةً إلّا وتركت عبيرًا أو أثرًا في عادتها وتقاليدها وأطوارها.
يبقى في الذات ذاك السؤال الجوهريّ لماذا كانتْ هذهِ الغلبةُ للأمةِ الإسلاميةِ؟
كانَ سرُّ هذه الغلبة للأمةِ الاسلامية أّنّها تنفردُ وتتميّزُ بعقبدةٍ لم تمتلكها أمة غيرها؛ فهي عقيدة شاملة تأخذ الإنسان كلّه ولا تجتزىء منه بضعًا تسميه الجانب الروحي.
فالحضارةُ الإسلامية هي تلك القاعدةُ المؤثّلةُ المؤصلةُ الممجدةُ التي يشتاقُ كلُّ مسلمٍ لإعادةِ بناءها ورؤيتها شامخةً عزيزةً باسقةً كما كانتْ، فالحضارةُ الإسلاميةُ بعلومِها وثقافتِها ومعالمِها هي القاعدةُ التي بُنيَ عليها علوم الغربِ وتطورهِ الذي نشهدهُ الآن؛ فلا يزال الغرب حتى هذه اللحظة يستفيدون ويرجعون الى علومنا وركائزنا التي وضعناها نحنُ لا هم ولكن هل كلّ مسلمٍ يعرف ويدرك هذا الأمر؟ فلعلي استغرب أنّ الكثير ممن هو في جيلي لا يدركون أهمية الحضارة الإسلامية ولا يعلمون أنّ تلك العلوم التي يدعي الغرب أنها له وأنّه هو من اكتشفها نحنُ من وضعناها ودرسناها وكتبناها وكنا سبباً في أساسها؛ فلعلَّ المشكلة ليست بالحضارة التي ضاعت وسلبت بل بجهلنا وعدم معرفتنا وثقافتنا بذلك، ولعل حالي قائلةً:
“انا إنْ بَكيتُ فإنَما أبْكي عَلى
مِلْيارنا لَما غدو قطعاناً
أبْكي على هذا الشتاتِ لأمتي
أبكي الفراقَ المرَّ والأْضغانا
أبكي وَلي أملٌ كبيرٌ بأنْ أَرى
مِنْ أُمَتي مَن يَكسرُ الأوثانا”

مقالات ذات صلة تهديدات جوفاء ، ام غطاء تمويهي ؟ 2025/02/27

مقالات مشابهة

  • شاهندة محمد علي: الموسم السينمائي سيواجه صعوبة خلال موسم رمضان
  • ليفربول يسجل خسائر ضخمة بسبب دوري أبطال أوروبا
  • ليفربول يخسر 72 مليون دولار !
  • يصارع من أجل البقاء.. تخفيض النفقات يضرب سموحة في موسم ملئ بالتقلبات
  • بينَ أمجادِ الماضي ومآسي الحاضر / لمى أيمن صندوقة
  • إيقاف رئيس نادي مرسيليا 15 مباراة
  • ليفربول نحو التتويج بالدوري الإنجليزي بفوز جديد وتعادل مخيب لأرسنال
  • الدخول مجاناً.. نادي الميناء يدعو جماهيره لدعم الفريق أمام الزوراء
  • المتحدة: موسم درامي استثنائي في رمضان 2025 بـ 21 عملاً متنوعًا
  • ترتيب هدافي الدوري الإنجليزي قبل مواجهة ليفربول ونيوكاسل يونايتد