دلالات تصويت أقصى اليمين الفرنسي
تاريخ النشر: 8th, July 2024 GMT
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
نشر الدكتور عبد الرحيم علي رئيس مجلس إدارة مؤسسة "البوابة نيوز" «بوست» على «فيس بوك» بتاريخ اليوم، ولأول مرة يقوم بعمل «منشن» لـ «بوست» يكتبه، وكنت واحدا من هؤلاء الذين قام بعمل «منشن» لهم في «البوست»، واعتبرتها رسالة موجهة لي كما هي موجهة لغيري لقراءة المشهد، ومحاولة فهمه، أو دعوة كريمة من الدكتور عبد الرحيم علي لمناقشة الموضوع في إطار من شاركهم ما كتب على صفحته الشخصية.
كتب يقول: "عندما يصوت أقصى اليمين العربي (الإخوان والإسلاميون) لأقصى اليسار في فرنسا، ويصفق أعداء اليسار العربي ومحاربوه لنجاح اقصى اليسار الفرنسي.. هنا الأمر لا علاقة له بالأيديولوجية ولكنها المصالح والانتهازية.. فلا تصدعونا بعد ذلك بقيم وإخلاقيات.. فقط اعترفوا بأنها مصالحكم أينما كانت فسوف تحطون"، بوست مختصر كعادته ولكنه يُفجِّر عددًا من القضايا المُلحَّة؛ حيث إن هناك مجموعة من الدلالات التي يفجرها موقف اليمين العربي، وبدايتها أن هذا التصويت يعكس تحالفًا تكتيكيًا ضد عدو مشترك، أقصى اليمين العربي وأقصى اليسار الفرنسي قد يتشاركان في مُعارَضة سياسات معينة مثل التدخلات العسكرية الغربية في الدول العربية أو السياسات الاقتصادية النيوليبرالية، وهذا هو أحسن الفروض جدلا، ولكن الواقع يقول: إن اليسار الفرنسي غالبًا ما يتبنى مواقف أكثر تسامحًا تجاه الإسلاميين في فرنسا، ويصدق ما يدَّعونه من مظلومية، وأنهم معرضون لنظم الحكم في بلدانهم وليسوا إرهابيين، مما يجعل الإسلاميين يرون فيهم حلفاء في مواجهة حكوماتهم ومعارضيهم في الأوطان البديلة.
ويرى الإسلاميون أن أقصى اليسار الفرنسي أقل تشددًا تجاه سياسات الهجرة والاندماج، مما يسهل حياتهم في فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية، ويسمح لهم بالتمدد والانتشار.
ونجاح أقصى اليسار الفرنسي قد يعني لهؤلاء الإسلاميين وغيرهم من أعداء اليسار العربي ضعف القوى الوسطية أو الليبرالية التي قد تكون أكثر تعاطفًا مع الأنظمة العربية التقليدية أو العلمانية. هذا الضعف قد يُفسح المجال أمام القوى الإسلامية لتحقيق أهدافها. وأن نجاح أقصى اليسار قد يُفسَّر على أنه ضربة للنظم السياسية الغربية التقليدية التي غالبًا ما تدعم الأنظمة العربية العلمانية.
يمكن أن تكون هناك تناقضات داخلية بين التيارات المختلفة داخل العالم العربي، فعندما ينجح تيار يُعارض النفوذ الغربي، حتى لو كان أقصى اليسار الفرنسي، يمكن أن يعتبره بعض الإسلاميين نصرًا لقضيتهم ضد القوى الغربية، هذا ما يعكسه أو يقوله «البوست» الذي كتبه الدكتور عبد الرحيم علي ما يؤكد ما ذهب إليه بأن الأمر لا علاقة له بالأيديولوجية، ولكنها المصالح والانتهازية الإسلاموية، سواء في معاملاتهم مع الغرب أو مع الداخل العربي.
المصدر: البوابة نيوز
كلمات دلالية: الإخوان المسلمين الإسلاميين الدكتور عبد الرحيم علي السياسات الاقتصادية
إقرأ أيضاً:
من المتحف القومي إلى مكتبة الترابي: كيف يُعاد تشكيل السودان بممحاة الإسلاميين؟
التاريخ ليس ما حدث، بل ما يُقال إنه حدث. هو ذلك النص الذي يُعاد كتابته في كل مرة تستولي فيها سلطة جديدة على مكامن القوة. وحين يخشى الطغاة ماضي الأمة، لا يواجهونه بالنقاش، بل بالمحو، بالحرق، بالطمس، بالسرقة.
فالأمم التي يُراد لها أن تكون قطيعًا لا تحتاج إلى ذاكرة، لا تحتاج إلى شواهد على أنها وُجدت قبل أن يُعاد تعريفها من جديد. وهذا ما فعلته الجبهة الإسلامية بالسودان؛ لم تكتفِ بإعادة صياغة المناهج، ولا بتزييف الروايات، بل قررت أن تسدل الستار على كل ما سبقها، كي يُولد السودان من جديد على صورتها، لا كما كان، بل كما ينبغي له أن يكون في خطابها المُعلّب.
نهب المتحف القومي في أبريل 2023 لم يكن مجرد حدثٍ عابرٍ في فوضى الحرب، بل كان امتدادًا طبيعيًا لمشروع بدأ منذ أن قررت الجبهة الإسلامية أن السودان يبدأ بها، وينتهي عندها.
حين اقتحمت قوات الدعم السريع قاعات المتحف، لم تكن تبحث عن الذهب وحده، بل عن فرصة أخرى لمحو الشواهد، لدفن الماضي تحت ركام الخراب. كانوا يدركون أن كوش وعلوة والمغرة ليست مجرد أسماء في كتب التاريخ، بل هويات قد تصطدم بالسردية التي تريد السلطة فرضها.
وكما قال هاينريش هاينه: “حين يحرقون الكتب، فإنهم في الواقع يخشون الفكرة التي تحملها.” وحين ينهبون المتاحف، فإنهم في الحقيقة يحاولون سرقة التاريخ قبل أن يستعيده الناس.
لكن القصة لم تتوقف عند السرقة. العبث يبلغ ذروته حين يتحول التخريب إلى معجزة، وحين يصبح النهب إعادة تعريفٍ للهوية الوطنية.
أحد ضباط الجيش، في نوبة من الانتشاء الأيديولوجي، خرج علينا ليعلن أن الله قد عوّض السودانيين عن فقدان المتحف القومي بـ**“حفظ مكتبة الشيخ الترابي”**! وكأن هذا البلد محكومٌ بمقايضةٍ أبدية؛ كلما سقط جزء من ماضيه، عُوِّض عنه بترسيخ سردية الإسلاميين.
وكأن هذا القدر اللعين لا يريد لنا أن نرى ترهاقا وبعنخي وأبادماك، بل أن ننحني أمام كتب الترابي وعصارة فكره، التي لم تنتج سوى دولة بلا ذاكرة، وشعب بلا ماضٍ، وسودانٍ يُعاد تصميمه في قوالب لا تشبه أهله.
لم يكن هذا الضابط يعبّر عن رأيه الشخصي، بل كان يُعيد إنتاج العقيدة الرسمية التي ترى أن كل ما سبق “دولة الشريعة” لا يستحق سوى النسيان، وأن السودان لم يكن شيئًا قبل أن تضع الجبهة الإسلامية يدها عليه.
هذه ليست مجرد محاولة للسيطرة على الحاضر، بل كما قال جورج أورويل: “من يتحكم في الماضي، يتحكم في المستقبل. ومن يتحكم في الحاضر، يتحكم في الماضي.”
الجبهة الإسلامية لم تكن تسرق الذهب فحسب، بل كانت تصوغ سردية جديدة: السودان ليس كوشيًا، ولا نوبياً، ولا مسيحيًا، ولا أفريقيًا، بل كيانًا وُلد يوم أن قررت هي ذلك. تاريخ هذا البلد يبدأ حيث تبدأ هي، وكل ما سبقها مجرد تمهيدٍ لا يستحق الذكر.
هذا ليس سلوكًا خاصًا بالإسلاميين وحدهم، بل هو منطق كل أنظمة الطغيان؛ من النازية التي أعادت كتابة التاريخ الألماني لتصنع سردية التفوق العرقي، إلى السوفييت الذين أزالوا رفاق ستالين من الصور الرسمية بعد أن أزالوهم من الحياة، إلى داعش التي هدمت آثار نينوى وبابل، لأن وجودها يهدد تصورها الضيق عن العالم.
كل هؤلاء أدركوا أن السيطرة الكاملة لا تتحقق فقط بالسلاح، بل بالذاكرة، وأن الشعوب التي تعرف ماضيها قد ترفض مستقبل الطغاة.
لكن التاريخ ليس بيتًا يُمكن إحراقه بالكامل، ولا كتابًا يُمكن تمزيقه ثم إملاء نسخة جديدة منه دون مقاومة. فالشعوب التي يُفرض عليها النسيان تُعيد اكتشاف نفسها بطرق لا يتوقعها الطغاة.
الذاكرة ليست مجرد صناديق زجاجية في المتاحف، بل هي الحكايات التي تنتقل من جيل إلى آخر، هي الشعر الذي ينجو من مقص الرقابة، هي الفن الذي يعيد رسم الوجوه المحذوفة من التاريخ، هي الأسئلة التي لا تموت مهما حاولت السلطة إسكاتها.
وكما قال والتر بنيامين: “حتى الموتى لن يكونوا في أمان إذا انتصر العدو.”
لكن العدو لا ينتصر إلى الأبد.
قد ينهبون المتاحف، وقد يحرقون التماثيل، وقد يمحون الأسماء من الكتب، لكن ذاكرة السودان ليست شيئًا يمكن محوه بقرارٍ إداري أو بنهبٍ مسلح.
هذه البلاد أقدم من السلطة، وأعمق من أن تختصرها حقبة، وأقوى من أن تُمحى بسردية ملفقة. والسؤال الذي يبقى: هل يستطيع السودانيون استعادة تاريخهم قبل أن يُعاد فرض تاريخٍ جديدٍ عليهم؟
Sent from Yahoo Mail for iPhone
zoolsaay@yahoo.com