لجريدة عمان:
2025-04-06@05:27:52 GMT

كيف فـقـدت البشرية السيطرة؟

تاريخ النشر: 7th, July 2024 GMT

كيف يُعقَل أن نكون أكثر ثراء بخمس عشرة مرة على الأقل من أسلافنا في العصر الزراعي ما قبل الصناعي، ومع ذلك يكتنفنا شعور غامر بالتعاسة؟ يتلخص أحد التفسيرات في أننا لسنا مهيئين لذلك: فلا شيء في تراثنا أو ماضينا التطوري أعدنا للتعامل مع مجتمع يضم أكثر من 150 شخصا. لتشغيل تكنولوجياتنا المتزايدة التعقيد وتعزيز رخائنا، يتعين علينا بطريقة أو أخرى أن ننسق بين أكثر من ثمانية مليارات إنسان.

لهذا، عملنا على بناء آلات مجتمعية ضخمة تتألف من اقتصادات السوق، والبيروقراطيات الحكومية والشركاتية، والسياسات الوطنية ودون الوطنية، والأيديولوجيات الثقافية، وغير ذلك الكثير. لكننا برغم ذلك، نجاهد في محاولة ضبط عمل هذه المؤسسات، لأننا ببساطة لا نفهمها. لقد تُرِكنا تحت رحمة شبكة تمتد عبر العالم من وحوش بالغة الغرابة تتحكم فينا وتجعلنا تعساء، حتى في حين تجعلنا أثرياء بدرجة خيالية مقارنة بالأجيال السابقة. كتب الخبير الاقتصادي دان ديفيز كتابا صغيرا رائعا عن إبداعاتنا الـمُـلـتَـبَـسة. في كتابه «آلة انعدام الـمُـساءلة: لماذا تتخذ الأنظمة الضخمة قرارات مروعة ــ وكيف فقد العالم عقله»، ينسج ديفيز حجة من خمسة خيوط منفصلة. الأول يتمثل في ملاحظته أن عالمنا عامر ببالوعات المساءلة: وهي أماكن حيث تنحرف الأمور عن الصواب بوضوح، ومع ذلك لا يوجد من يتحمل اللوم عن هذا الانحراف. بل يكون النظام بالكامل ملوما، ولا يملك أي وسيلة لرصد المشكلة أو تصحيحها. ثانيا، يشير ديفيز إلى أن كل نظام اجتماعي لا يحتاج فقط إلى متابعة مهمته بل يحتاج أيضا إلى الحفاظ على ذاته. هذا يعني في عموم الأمر أنه لا يستطيع التركيز على مقياس ضيق واحد. بل يتعين على كل نظام أن يؤدي مهام فرعية متعددة بالإضافة إلى مهمته الأساسية. وتشمل هذه المهام توفير الموارد الكافية للأشخاص الذين يقومون بالعمل؛ وتنسيق الأمور في المكان واللحظة الآنية؛ والتطلع من المكان واللحظة الآنية إلى «أماكن أبعد في المستقبل»؛ والحفاظ على تركيز المشاركين من البشر على الغرض من المنظمة (فلسفتها التوجيهية). يضرب ديفيز مثالا بفرقة موسيقية تقدم أغاني إلتون جون، حيث تؤدى هذه المهام، بشكل تقريبي، من قِبَل «الموسيقيين، وقائد الأوركسترا، ومدير الجولة، والمدير الفني، وإلتون جون». ثالثا، يشكل التفويض أهمية بالغة في الحد من التعقيدات والحفاظ على قدرة المنظمة على إدارة مهمتها. فأنت لست بحاجة إلى مراقبة درجة الحرارة داخل قفص السنجاب دقيقة بدقيقة؛ بل تحتاج فقط إلى ضبط منظم الحرارة. رابعا، من المهم بناء حلقات تغذية مرتدة قوية. هذا يعني تضخيم الإشارات الخارجية التي تحتاج إلى رؤيتها أكثر من غيرها، والحفاظ على القدر الكافي من قوة المعالجة الداخلية للتعامل مع هذه الإشارات قبل فوات الأوان.

أخيرا، تتمثل الطريقة الأفضل لإصلاح المنظمات حتى لا تتحول إلى آلات تُـنـتِـج انعدام الـمُـساءلة في إحياء شبه الانضباط الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية والذي اعتمد على التحكم الآلي في الإدارة. حَـمَـلَ هذا النهج، الذي كان أول روّاده عالم الكمبيوتر نوربرت وينر وعالم السياسة هربرت سيمون، اسم مقتبس من الكلمة اليونانية kybernētikos: وتعني «بارع في توجيه القارب».

كان الـمُـعَـلِّـم الذي حقق أكبر قدر من التقدم في بناء علم التحكم الآلي في الإدارة هو مستشار الإدارة في عصر الثقافة المضادة ستافورد بير، الذي استكشف في كتابه «مُـخ الشركة» كيف يمكن إصلاح البيروقراطيات على النحو الذي يسمح بالإبقاء على توازن التدفق الداخلي للمعلومات بين أصحاب القرار والـمُـقَـرَّر بشأنهم. وبدون ذلك، لن يظل النظام قابلا للاستمرار ومفيدا للبشرية بمرور الوقت. في مراجعة لكتاب «آلة انعدام المساءلة» في صحيفة فاينانشال تايمز، يصف فيلكس مارتن نهج ديفيز بأنه «نوع من التحليل النفسي لأشكال ذكاء غير بشرية، حيث يلعب ستافورد بير دور سيجموند فرويد». لم أكن لأعبر عن ذلك بشكل أفضل. الواقع أن عالمنا الاجتماعي لم يعد محصورا في أسرنا وجيراننا وزملاء العمل وأولئك الذين نتفاعل معهم بشكل مباشر عبر شبكات المودة، والكراهية، والمقايضة والتبادل، والتخطيط على نطاق صغير، والإرغام. بل يأتي قدر متزايد من كل ما نقوم به من عمل مدفوعا بمجموعة شديدة التعقيد من الآليات الاجتماعية والتكنولوجية المتشابكة الشديدة الضخامة التي صنعناها ولكننا لا نفهمها. إذا كان التحدي الذي تفرضه الحداثة يتلخص في التوصل إلى طريقة أفضل للعمل والتفكير معا كمجتمع عالمي يضم أكثر من ثمانية مليارات إنسان، فكيف يمكننا تحسين فهمنا، وبالتالي سيطرتنا؟ من المؤسف أن ديفيز لا يقدم لنا إجابة واضحة على هذا السؤال. ويختتم كتابه بالثرثرة المألوفة في كليات إدارة الأعمال. لكنه رغم ذلك يستحق أن ننسب إليه الفضل في تحديد المهمة التي نواجهها وتوجيهنا نحو مسار فكري جديد إلى الأمام.

جيه. برادفورد ديلونج أستاذ الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وهو باحث مشارك في المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية ومؤلف كتاب «التراخي نحو المدينة الفاضلة: تاريخ اقتصادي للقرن العشرين».

عن بروجيكت سنديكيت

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: أکثر من

إقرأ أيضاً:

مؤتمر “مبادرة القدرات البشرية” يكشف عن قائمة المتحدثين

أعلن مؤتمر مبادرة القدرات البشرية الذي يقام بتنظيم من برنامج تنمية القدرات البشرية -أحد برامج تحقيق رؤية المملكة 2030- عن قائمة المتحدثين المشاركين في النسخة الثانية من المؤتمر, الذي ينعقد تحت رعاية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس لجنة برنامج تنمية القدرات البشرية تحت شعار “ما بعد الاستعداد للمستقبل” يومي 13 – 14 أبريل 2025م في مركز الملك عبدالعزيز الدولي للمؤتمرات في الرياض.

وتشمل قائمة المتحدثين في النسخة الثانية من المؤتمر 300 من أبرز القادة وصنّاع السياسات والخبراء العالميين من القطاعات الأكاديمية، والشركات، والمنظمات الدولية، والمؤسسات غير الربحية من أكثر من 38 دولة، يشاركون في أكثر من 100 جلسة حوارية تهدف إلى تبادل الخبرات ومناقشة الأفكار التي تدعم تعزيز جاهزية القدرات البشرية لمواكبة التغيرات السريعة التي يشهدها العالم.

وسيشهد المؤتمر عقد اجتماع طاولة مستديرة وزارية بمشاركة 20 وزيرًا من مختلف دول العالم، إضافة إلى نخبة من الخبراء الدوليين المتخصصين في مجالات التعليم والتقنية، وسيسلط الضوء من خلال “منصة النجاح”، على أكثر من 35 متحدثًا سعوديًا لاستعراض قصص نجاحهم الملهمة.

ويستهدف المؤتمر توحيد الجهود الدولية وإثراء الحوار العالمي بما يُسهم في رسم مستقبل القدرات البشرية وبناء اقتصاد عالمي مزدهر في ضوء التحولات المستقبلية لسوق العمل خلال السنوات الخمس القادمة، من خلال تسخير أحدث الوسائل لخلق بيئة تعليمية محفزة للإبداع والابتكار، ولبناء مجتمعات مترابطة، يشعر فيها كل فرد بالانتماء والمسؤولية تجاه الآخرين، لضمان نمو المجتمع، ولتمكين الأفراد والمجتمعات لبناء مستقبل أفضل، من خلال صناعة حلول مستدامة وأثر مستمر.

اقرأ أيضاًالمملكة“اغاثي الملك سلمان” يوزّع 1.500 سلة غذائية في السودان

وأوضحت نائب الرئيس التنفيذي لبرنامج تنمية القدرات البشرية الدكتورة بدور الريّس، أن المؤتمر يستضيف نخبة من الخبراء المحليين والدوليين للعمل على صياغة الحلول والإستراتيجيات الداعمة للتحضير لتنمية القدرات البشرية لما بعد المستقبل، بما يتماشى مع التحولات السريعة في سوق العمل خلال السنوات الخمس المقبلة، في ظل التقدم التقني المتسارع، مع توجيه النقاشات نحو تنمية القدرات البشرية وتعزيز جاهزيتها لمواجهة التحديات المستقبلية.

ويتزامن الإعلان عن أسماء المتحدثين لبرنامج المؤتمر مع التقرير الصادر من المنتدى الاقتصادي العالمي الشهر الماضي، الذي كشف أن نحو 59% من القوى العاملة العالمية ستحتاج إلى إعادة تأهيل بحلول عام 2030 لمواكبة التحولات في سوق العمل العالمي، وتضمن التقدرير الإشارة إلى أن الفجوة في المهارات تمثل تحديًا كبيرًا أمام التحولات الاقتصادية، وتعيق التقدم في مختلف القطاعات وتفرض ضغوطًا جديدة على العاملين وأصحاب العمل.

وينعقد مؤتمر مبادرة القدرات البشرية بالشراكة مع وزارة التعليم, وستنظم الوزارة المعرض الدولي للتعليم “EDGEx” للفترة 13 – 16 أبريل 2025م في فندق الريتزكارلتون بمدينة الرياض, ليشكل ذلك أسبوع القدرات البشرية والتعليم، كمنصة لإطلاق الإمكانات الكاملة للقدرات البشرية.

مقالات مشابهة

  • تحذير بريطاني| مخاوف عالمية من وباء يهدد البشرية..ماذا سيحدث؟
  • ما الذي يحاول ترامب تحقيقه من خلال فرض الرسوم الجمركية؟
  • مشاركة 300 من قادة الفكر العالميين بمؤتمر "القدرات البشرية" بالرياض
  • مؤتمر “مبادرة القدرات البشرية” يكشف عن قائمة المتحدثين
  • البيوضي يحذر: انخفاض أسعار النفط يهدد المرتبات.. والسلطة فقدت شرعيتها
  • حالات إعادة التحقيق بقانون الإجراءات الجنائية
  • فقدت مدني أحد أبطال القوات المسلحة ونادي النجوم
  • الناتو يكشف خسائر روسيا البشرية في أوكرانيا
  • فقدت عينها في قطار أشمون.. 16 صورة من الفحوصات الطبية لطفلة المنوفية
  • الأمم المتحدة قلقة إزاء الخسائر البشرية في غزة