النيجر ومالي وبوركينا فاسو تعلن توحدها كونفدراليا وتبعد عن إيكواس
تاريخ النشر: 7th, July 2024 GMT
وقّعت النيجر ومالي وبوركينا فاسو، وهي 3 دول في غرب أفريقيا يقودها الجيش، معاهدة "اتحاد كونفدرالي" في نيامي أمس السبت، وذلك في تطور يؤكد تصميمها على رسم مسار مشترك خارج المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) التي تحثها على العودة إلى الحكم الديمقراطي.
وجرى التوقيع في القمة الأولى لتحالف دول الساحل، وهو يشير إلى تحالف أوثق بين دول متجاورة في وسط منطقة الساحل التي مزقها التمرد.
واستولت المجالس العسكرية في الدول الثلاث على السلطة بسلسلة من الانقلابات في الفترة بين عامي 2020 و2023، وقطعت العلاقات العسكرية والدبلوماسية مع الحلفاء الإقليميين والقوى الغربية.
ووصف القائد العسكري للنيجر الجنرال عبد الرحمن تياني قمة تحالف دول الساحل بأنها "تتويج لإرادتنا المشتركة الحازمة لاستعادة سيادتنا الوطنية".
ويؤكد إضفاء الطابع الرسمي على المعاهدة لإقامة "اتحاد كونفدرالي" رفض النيجر ومالي وبوركينا فاسو لمجموعة إيكواس الاقتصادية الإقليمية التي تضم 15 بلدا.
ويأتي توقيع الاتفاق قبل يوم واحد من انعقاد قمة المجموعة التي كانت تأمل في إقناع الدول الثلاث بإعادة النظر في قرارها في يناير/كانون الثاني بالانسحاب من التكتل.
التخلي عن إيكواسوأكد تياني أمام نظيريه في بوركينا فاسو النقيب إبراهيم تراوري وفي مالي العقيد أسيمي غويتا أن شعوب دولهم الثلاث أدارت ظهرها نهائيا لإيكواس.
ولم يتضح بعد كيف سينسق تحالف دول الساحل بين العلاقات السياسية والاقتصادية والدفاعية، في الوقت الذي تكافح فيه لاحتواء معركة مستمرة منذ 10 سنوات مع "الإرهاب" وتنمية الاقتصادات التي تعد من بين أفقر الاقتصادات في العالم.
وفي مارس/آذار، اتفقت الدول الثلاث على تشكيل قوة مشتركة لمواجهة التهديدات الأمنية عبر أراضيها.
وفي بيان صدر بعد القمة، قالت الدول إنها اتفقت على تنسيق الإجراءات الدبلوماسية، وإنشاء بنك استثماري وصندوق استقرار لتحالف دول الساحل وتجميع مواردها لإقامة مشاريع في القطاعات الإستراتيجية بما في ذلك التعدين والطاقة والزراعة.
وجاء في البيان أن رؤساء الدول رحبوا بانسحابهم النهائي بدون تأخير من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا.
وبذلت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا جهودا دبلوماسية لإثناء الدول الثلاث عن الانسحاب من التحالف الذي يبلغ عمره 50 عاما، وسيؤدي هذا الانقسام إلى عكس عقود من التكامل الإقليمي ويهدد بانفصال فوضوي عن تدفقات التجارة والخدمات التي تبلغ نحو 150 مليار دولار سنويا.
وسبق لدول إيكواس أن فرضت عقوبات اقتصادية قوية على الدول الثلاث ولوحت بالتدخل العسكري لاستعادة الشرعية في بعضها.
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حراك الجامعات حريات الدول الثلاث غرب أفریقیا دول الساحل
إقرأ أيضاً:
كيف تقلب قرارات واشنطن موازين التجارة العالمية؟
محمد بن علي العريمي
mahaluraimi@gmail.com
في سياق التوترات التجارية التي يشهدها العالم، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أبريل 2025 قراره بفرض تعريفات جمركية جديدة، تشمل زيادة قدرها 10% على جميع الواردات إلى الولايات المتحدة، فضلاً عن فرض تعريفات إضافية تصل إلى 34% على بعض الدول. هذا الإعلان كان له تأثير عميق على الأسواق العالمية، وخاصةً في الدول التي ترتبط بشكل وثيق بالتجارة الأمريكية.
لكن، رغم أنَّ هذا القرار يطرح تحديات كبيرة على العديد من اقتصادات العالم، إلا أنه يفتح أمام دول الخليج العربي فرصًا قد تكون مُغرية إذا تم التعامل معها بشكل استراتيجي ومدروس.
في البداية، من المهم أن نفهم حجم التأثير الذي قد تسببه هذه التعريفات الجمركية. بعد الإعلان عنها، سجلت الأسواق المالية انخفاضًا حادًا في قيم الأسهم، حيث تراجع مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" بنسبة 2.62%، وهبط مؤشر "داو جونز" بأكثر من 1000 نقطة، مما يعكس القلق الكبير الذي يعيشه المستثمرون. منظمة التجارة العالمية (WTO) حذرت من أنَّ هذه التعريفات قد تؤدي إلى انكماش في حجم التجارة العالمية بنسبة 1% خلال عام 2025، وهو ما يعني تأثيرًا سلبيًا مباشرًا على جميع دول العالم.
وتبعًا لهذا الزخم المتسارع، تشير بيانات وزارة النقل العُمانية إلى أن حركة الشحن البحري ارتفعت بالفعل بنسبة تصل إلى 7.5% في الربع الأول من عام 2025، وهو ما يعكس بداية تحول فعلي في اتجاهات التجارة. هذه الزيادة لا يمكن فصلها عن التوترات الجمركية التي دفعت بالعديد من خطوط الشحن إلى إعادة رسم خرائطها نحو موانئ أقل تكلفة وأكثر استقرارًا. وفي الوقت ذاته، تُراهن السلطنة على قدرتها اللوجستية المتنامية لتصبح مركزًا إقليميًا للشحن والتفريغ وإعادة التصدير، خاصة في ظل بنية تحتية حديثة واستثمارات ضخمة ضُخت في السنوات الأخيرة لتعزيز كفاءة الموانئ والمناطق الحرة.
أما على صعيد العلاقات التجارية الدولية، فإنَّ سلطنة عُمان تملك شبكة علاقات متوازنة مع دول شرق آسيا والهند والدول الأفريقية، وهي أسواق واعدة تُعد أقل تأثرًا بالتوجهات الحمائية الأمريكية. وبالتالي، فإن المنتجات العُمانية، وعلى رأسها المعادن والأسماك والبتروكيماويات، تملك فرصًا كبيرة في هذه الأسواق، خاصة وأن جزءًا كبيرًا منها لا يخضع أصلًا لتعريفات مرتفعة، ما يمنح السلطنة ميزة تنافسية واضحة. ويأتي هذا التوجّه في إطار سياسة تنويع الأسواق التي تتبعها السلطنة منذ سنوات، لتقليل الاعتماد على الشركاء التقليديين والبحث عن شركاء جدد في بيئة عالمية تتغيّر بسرعة غير مسبوقة.
ولعلّ أحد أكثر العناصر التي تُعزّز من جاذبية سلطنة عُمان في هذا المشهد المتقلّب هو ذلك الاستقرار السياسي الذي تتمتع به؛ إذ إنَّ الكثير من الاستثمارات الأجنبية باتت تبحث عن ملاذات آمنة تُجنّبها تقلبات الجغرافيا السياسية، وعُمان تقدم نفسها بهذا الشكل. ومع تأكيد هيئة الاستثمار العُمانية ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 13% في الربع الأول من عام 2025 مقارنة بالعام الماضي، فإنَّ هذا الرقم يُعد دليلًا حيًّا على أن السلطنة باتت بالفعل خيارًا استراتيجيًا للعديد من الشركات والمستثمرين الذين يبحثون عن قاعدة إقليمية متينة.
ولم تكن هذه التحولات العالمية بعيدة عن رؤية "عُمان 2040"، تلك الخطة الوطنية الطموحة التي تهدف إلى تحويل الاقتصاد العُماني من اقتصاد يعتمد على النفط إلى اقتصاد متنوع قائم على الابتكار والتقنية والصناعة والسياحة والتعليم. وبينما تفرض التطورات الدولية تسريع التحوّل، فإنَّ السلطنة باتت اليوم تمتلك حافزًا إضافيًا للمضي قدمًا وبثقة أكبر في تنفيذ تلك الرؤية، مستفيدة من نافذة الفرص التي فتحتها القرارات الجمركية الأمريكية.
إنَّ كل هذه المؤشرات تؤكد أن سلطنة عُمان، وإن لم تكن طرفًا في النزاع التجاري العالمي، إلا أنها اليوم واحدة من أبرز المستفيدين منه إذا ما استثمرت هذه اللحظة التاريخية بالشكل الأمثل. ذلك أن الأحداث الكبرى، كما تُولد أزمات للبعض، فإنها تمنح فرصًا ذهبية لآخرين. وهنا، يصبح السؤال المطروح اليوم: كيف يمكن لعُمان أن تُحوّل هذه الفرصة إلى انطلاقة اقتصادية حقيقية، لا تقتصر على الربح الآني فقط، بل تؤسس لمرحلة اقتصادية مستدامة وطويلة الأمد؟
ومع ذلك، ورغم هذه التحديات، يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي أن تجد في هذا التحدي فرصة لتوسيع آفاقها التجارية. ففي الوقت الذي تتعرض فيه بعض الاقتصادات الكبرى لضغوط كبيرة بسبب هذه التعريفات، هناك دول في الخليج تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي، وبنية تحتية متطورة، قادرة على لعب دور محوري في إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية.
وعلى سبيل المثال، يمكن لدول الخليج أن تستغل موقعها كحلقة وصل بين الأسواق الآسيوية والأوروبية، مما يجعلها نقطة مُهمة لإعادة تصدير المنتجات إلى الولايات المتحدة أو دول أخرى قد تتضرر من الرسوم الجمركية الأمريكية. الإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، تتمتع بقدرة كبيرة على إعادة تصدير السلع من خلال موانئها الحديثة، مثل ميناء جبل علي في دبي، والذي يعد واحدًا من أكبر الموانئ في العالم. وهذا يعني أن دول الخليج، وباستخدام بنيتها التحتية المتطورة، يمكن أن تصبح محوريًا في تجارة السلع حول العالم.
من جهة أخرى، تعكس الإحصائيات التجارية الأخيرة أن حجم التبادل التجاري بين دول الخليج والولايات المتحدة شهد تراجعًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة؛ ففي 2023، بلغ حجم التجارة بين الجانبين حوالي 170 مليار دولار أمريكي، في حين أن الصين كانت الشريك التجاري الأكبر لدول الخليج؛ حيث وصل حجم التبادل التجاري بين الصين ودول الخليج إلى 297.9 مليار دولار في نفس العام. هذا يفتح المجال أمام دول الخليج لتعزيز علاقاتها التجارية مع الصين، التي تعد بدورها أحد أكبر المتضررين من التعريفات الجمركية الأمريكية.
في السياق ذاته، هناك العديد من القطاعات التي قد تستفيد من هذه التغيرات، مثل صناعة المواد الخام والتصنيع؛ حيث يمكن لدول الخليج أن تصبح مركزًا رئيسيًا لإعادة تصدير المواد الخام والمنتجات الصناعية إلى أسواق جديدة، خصوصًا تلك التي تتجنب التعريفات الأمريكية. إذا استطاعت دول الخليج أن تؤدي دورًا محوريًا في سلاسل الإمداد العالمية، فقد يصبح القطاع اللوجستي في المنطقة هو المستفيد الأكبر من هذه التحولات.
لكن من الضروري أن تظل دول الخليج على أهبة الاستعداد لمواكبة التغيرات السريعة في السوق العالمية. من خلال تحسين السياسات الاقتصادية، وتعزيز التعاون مع الدول المتضررة من الرسوم الجمركية الأمريكية، وتوسيع شبكة التجارة مع الاقتصادات الناشئة، يمكن لدول الخليج تحويل هذا التحدي إلى فرصة للنمو المستدام.
في سياق متصل، هناك فرصة كبيرة لدول الخليج لتعزيز استثماراتها في القطاعات غير النفطية، وهو ما يشكل جزءًا من استراتيجية التنويع الاقتصادي التي تتبناها بعض دول المنطقة. على سبيل المثال، تسعى المملكة العربية السعودية من خلال رؤية "المملكة 2030" إلى تحفيز القطاعات غير النفطية مثل السياحة، التكنولوجيا، والصناعات الحديثة. هذه السياسات يمكن أن تسهم في تقليل تأثير هذه التعريفات على اقتصاد المنطقة بشكل عام، من خلال زيادة استثماراتها في قطاعات جديدة قد تحقق نموًا اقتصاديًا طويل المدى.
من ناحية أخرى، فإن أحد الحلول التي قد تنجح في تقليل التأثيرات السلبية لهذه التعريفات هو توسيع التعاون التجاري بين دول الخليج وبعض الدول التي قد تتأثر بشكل كبير من السياسة الأمريكية، مثل الاتحاد الأوروبي. في عام 2023، بلغ حجم التبادل التجاري بين دول الخليج والاتحاد الأوروبي حوالي 215 مليار دولار، مما يشير إلى الإمكانيات الهائلة لتعميق العلاقات بين الطرفين، خاصةً إذا ما قررت دول الخليج تقديم حوافز إضافية للشركات الأوروبية للاستثمار في المنطقة.
في الختام.. يمكن القول إن القرار الأمريكي بفرض التعريفات الجمركية قد لا يشكل نهاية للعلاقات التجارية بين دول الخليج والولايات المتحدة؛ بل من الممكن أن يكون بداية لإعادة تشكيل هذه العلاقات بشكل يتيح لدول الخليج المزيد من الفرص في الأسواق العالمية. ومع استراتيجيات مرنة واستثمار مناسب في القطاعات غير النفطية، يمكن لدول الخليج أن تتحول إلى محاور تجارية مُهمة؛ بل ومراكز لوجستية دولية؛ مما يُعزز من مكانتها الاقتصادية على الساحة العالمية.