جامع حِسْلْ بمحافظة إب.. منارة تاريخية في بلد غني بالمآثر والآثار
تاريخ النشر: 5th, July 2024 GMT
يمانيون – متابعات
في بلد غني بالمآثر والآثار التي تحمل سمات وعناوين حضارات موغلة في القدم، من الطبيعي أن نكتشف كل يوم معلماً جديداً يفتح من خلاله نافذة ضوء تكشف لنا تفاصيل الحضارة التي شيدها الأجداد في هذه الأرض.
اليوم نسلط الضوء على جوهرة حقيقية ماتزال شامخة حتى اليوم في مديرية السبرة بمحافظة إب، وبالتحديد في قرية حسل وسط عزلة مطاية، ويعد من أقدم المساجد في العالم، ومن أوائل الجوامع في اليمن بعد الجامع الكبير بصنعاء وجامع الجند، غير أنه لم يسلط عليه الضوء خلال القرون الماضية ربما لصغر مساحته.
وحتى اليوم لا يزال جامع حسل يحمل رائحة، ونفس عصر النبوة، وجلال صحابة النبي محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حيث يعود بناؤه إلى السنة السادسة عشر للهجرة النبوية، كما توضحه المخطوطات التي عُثر عليها في جدران الجامع، وتم الاحتفاظ بها حتى الآن.
وينسب جامع حٍسْلْ ، بكسر الحاء، وسكون السين واللام، إلى الصحابي الجليل الذي سميت القرية باسمه، ولكن المصادر لم تحدد أيهما صاحب الجامع هل الصحابي حسل بن خارجة، أم حسل العامري، خاصة وأن هناك قرية أخرى في منطقة الصلول وصاب العالي محافظة ذمار تحمل نفس الاسم.
وهنا من المهم الإشارة إلى تاريخ القرية قبل الإسلام، حيث كان يطلق عليها مدينة مكارد نسبة الى الملك الحميري مكارد الذي أقام مملكته في تلك المنطقة التي ماتزال تحتفظ بالكثير من الآثار، وأسماء الأماكن، والجبال التي تدل على تلك المملكة.
وبحسب النقوش والآثار التي ماتزال المنطقة زاخرة بها، كان يشار إلى تلك القرية بـ “مدينة مكارد برأس وادي النار”، حيث يرى المؤخرون أن وصف الوادي بهذا الاسم جاء نتيجة لانفتاحه على الشرق والغرب، ما يجعله يشهد دورة حياة الشمس اليومية كاملة منذ لحظة ولادتها صباح كل يوم وحتى احتضارها في لحظات الغروب الأخيرة.
بناء على النمط النبوي الشريف
ورغم احتفاظ الجامع بالنمط الإسلامي القديم الا أن بناءه في أرض شهدت حضارة كبيرة أضافت عليه مكونات وتفاصيل مكنته من الصمود لقرون من الزمن، كاستخدام الحجر الأحمر والأسود في بناء جدرانه ووضع مادة القضاض على الجدران من الداخل والخارج لتزيده تماسكاً وصلابة.
وتقع مساحة الجامع الداخلية على ٩٫٢٠ متراً × ١١٫٧٠ متراً، عرضاً وطولاً، تنتصب داخله ٨ أسطوانات حجرية ( دعامات) شامخة منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام، لم تنل منها التغيرات المناخية ولا عوامل التعرية ولا امتداد الزمن .. صامدة وأمينة تؤدي مهمتها في حمل سقف الجامع المكون من أخشاب متنوعة.
أما السقف فيتكون من مربعات خشبية كبيرة، تصل بين دعامات الجامع الحجرية، فيما يحتوي المربع الواحد على خشب أقل سماكة وخشب صغير يربط فيما بينها، وألوح خشبية تغطي تلك المربعات، وجميعها تكون السقف الذي يحمل القضاض المكون منه سطح الجامع.
حكمة وفرادة في التفاصيل الداخلية
يمتلك جامع حسل بابين، أحدهما جنوبي، وهو الباب الكبير، والآخر شرقي وهو الباب الصغير، ويقع في ثلث الجدار إلى جهة اليسار، وما يميز هذا الباب هو وجود نافذة صغيرة بجانبه، كان الأهالي يعرفون من خلالها تعاقب فصول السنة ومواسم الزراعة والحصاد عبر أشعة الشمس التي تدخل من النافذة، وتتحرك بين برجين، وما بينهما يسمى المقر، وهنا تتجسد حكمة اليمني التي جاءت خلاصة لحضارات متعاقبة شهدتها اليمن.
وأما الباب الجنوبي فقد كان يتميز بعقد داخلي ومردم حجري ، وعلى يساره نافذتين محكمتين بألواح خشبية نقش على مردم إحداهن تاريخ ترميم الجامع.
وتحتوي جدران الجامع على عدد من النوافذ الخشبية القديمة وخزانات للمصاحف ووضع السراج، ويتوسط الجامع محراب يتكون من عقدين وليس فيه مقدمة بارزة إلى خارج الجدار، وعلى يمينه كان المنبر المكون من ٣ درجات من الحجر والطين المطلي بمادة النورة.
وهنا يعتقد الأهالي بأنه ليس المنبر القديم؛ لأن الأجزاء القديمة من الجامع كانت مدعمة بمادة القضاض وليس النورة، كما أن الأجزاء الداخلية التي أعيد ترميمها عام ١٣٢٨ه تم استخدام الطين والنورة، ما يعزز احتمالية خضوعه للتجديد بعد انهدام سقف الجامع وبعض الجدران التي خضعت للترميم.
المسجد من الخارج
لا تختلف تفاصيل الجامع من الخارج عنه في الداخل من حيث كثر التفاصيل واللمسات الإبداعية، بالإضافة الى المرافق التي تحيط بالجامع من جميع الجهات.
فهناك عند الجهة الجنوبية ما يسمى بـ “السحايا” والتي تستقبل مياه الأمطار القادمة من سطح الجامع، ثم يصب منها إلى البركة الصغيرة.. وبالقرب منها في الجهة الجنوبية الغربية من ساحة الجامع كان هناك مبنى مكون من دورين مخصص لتعليم الأطفال يسمى المعلامة.
لكن مع الأسف طالت يد الإهمال مبنى المعلامة حتى تهدمت بشكل كلي، وتم الاستفادة من أحجارها في عملية ترميم الجامع، بعد أن مرت بمرحلة إعادة بناء على شكل غرفة واحدة فقط، كانت مخصصة لاستقبال عابري السبيل القادمين من خارج القرية بدلاً عن استقبال الأطفال لتعليمهم القراءة والكتابة والقرآن والنحو.
كما كان يحتوي الجامع على المساحات المقضضة والشواهد التي تشبه شواهد القبور والميازيب الحجرية، وأيضاً سلم حجري عبارة عن أحجار بارزة على جدار الجامع، بالإضافة إلى درج من جهة القبلة يصعد إليه المؤذن، ليؤذن للصلاة ويسمى “الزابور”، وقديماً كان للجامع أربعة رواقات يتوسطها شماسي يدخل من خلاله الضوء ويمتد منه أرضية الشماسي ممر صغير لتصريف مياه الأمطار، لكنه تم ردم الشماسي وتغطيته لاستغلال المساحة بعد زيادة عدد رواد الجامع.
بركتان وساقية وسرداب
انعكاس البُعد الحضاري اليمني على البناء الإسلامي كان واضحاً من خلال نمط البناء والمرافق المصاحبة للمساجد مثل برك الماء والسواقي والسراديب المبنية بإتقان، وذلك كله لخدمة المساجد وروادها.
وباعتبار جامع حسل واحداً من أقدم الجوامع في اليمن، وبُني في منطقة متميزة بالتراكم الحضاري نتيجة الممالك التي نشأت فيها، فقد حرص أحفاد ملوك حمير من أبناء حسل بأن يوفروا لجامعهم جميع المرافق التي تسهل على الناس إقامة صلواتهم، كما أمرهم دينهم الإسلامي.
ولذا فقد بنى أحفاد الملك مكارد بركتين على نظام الصهاريج لاستقبال المياه وحفظها، بحيث تصب البركة الصغيرة في البركة الكبيرة.
ولم يكتف الأهالي بمياه الأمطار لتوفير مياه الوضوء، بل استغلوا خبرتهم وعصارة الحكمة اليمانية وبنوا سرداباً وساقية ودعموها بمادة القضاض لجلب المياه من عين ماء، تم حفرها في جبل مجاور وبالتحديد من مكان يسمى جعفر.
وحين تمتلئ البركة الصغيرة بالمياه ينتقل الماء عبر عين منقورة على حجر إلى البركة الكبيرة التي تقع أسفل البركة الصغيرة، وتحتوي البركة الكبيرة على سلم وفتحة أسفلها تستخدم لتصريف المياه، ثم يتم سدها بقطعة خشبية، وقد تم تصميم هذه الفتحة بطريقة فنية، بحيث لا يستطيع أحد فتحها من الخارج؛ لأنه تم نحتها بشكل ملتوي.
وفي القرب من ركن البركة ما يسمى (بالمسفح)، وهو المكان الذي يفيض منه الماء إلى حوض في الأسفل، كان يستخدم الحوض لسقي الأبقار والجمال والخيول والبغال والحمير، وعندما يفيض الماء منه يمر عبر ساقية حتى يصل إلى قرية القرانة المربوطة بقرية حسل، والتي كانت تحتوي على قبة وبركتين.
لكن مع الأسف، لقد طالت يد الإهمال هاتين البركتين، ولم يبقَ منهن سوى ثلث جدار واحدة من البرك، وبنى أحد الأهالي منزلاً في ذلك المكان الذي يسمى القبة.
مطالبة بالتدخل الرسمي للحفاظ على الجامع
لقد حرص الأجداد على احاطة جامع حسل بسور حجري ومساحة مقضضة لتوفير أكبر قدر من الحماية للجامع خاصة من السيول والحيوانات، لكن هذه الأسوار والمساحات مهما كان قوتها لا تستطيع أن تصمد أمام تعاقب القرون خاصة في ظل إهمال المجتمع والمؤسسات المعنية بحماية آثارنا والحفاظ عليها.
وهنا يوجه شيخ قرية حسل الشيخ عادل حمود الشايف رسالة مطالبة للجهات المختصة مثل الهيئة العامة للآثار، ووزارة الإرشاد بتشكيل لجنة وتنفيذ نزول ميداني إلى جامع حسل، وعمل دراسة شاملة على وضع الجامع، ورفع تقريراً بالاحتياجات والتدخلات الضرورية للحفاظ عليه.
ويشدد الشيخ الشايف وهو رئيس لجنة الشؤون الاجتماعية بالمجلس المحلي بمديرية السبرة، ورئيس اللجنة التنموية بالمديرية، على ضرورة الإسراع في اتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على هذا المعلم التاريخي الإسلامي الهام.
إن مثل هذا المعلم، وما يحتويه من تفاصيل إبداعية من حيث التصميم والمرافق والتاريخ، لو أنه في بلد آخر، لأصبح مزاراً يستقبل الزوار من داخل البلد وخارجها، خاصة وقد بُني في صدر الإسلام، وعلى أرض الملوك، حيث النقوش، والآثار، والأسماء ماتزال شاهدة على ملوك، وممالك صنعوا تاريخاً لم ولن ينسى حتى لحظة غروب آخر شمس عن مدينة مكارد برأس وادي النار.
– المسيرة نت: إسكندر المريسي
المصدر: يمانيون
إقرأ أيضاً:
الجزائر بشأن شعب فلسطين: علمنا التاريخ أنه لا يمكن لأي قوة أن تقتلع شعبا من أرضه
نيويورك – أكد ممثل الجزائر الدائم لدى الأمم المتحدة عمار بن جامع، على ضرورة أن يتحمل مجلس الأمن مسؤوليته تجاه الشعب الفلسطيني، قائلا”علمنا التاريخ أنه لا يمكن لأي قوة أن تقتلع شعبا من أرضه”.
وفي كلمته، أمام مجلس الأمن، خلال الاجتماع الطارئ الذي دعت إليه الجزائر بشأن الوضع في فلسطين، أشار بن جامع إلى أنه على مجلس الأمن أن يتحدث بـ”وضوح وقوة وأن يضمن تنفيذ قراراته كاملة لوضع حد للمجازر التي يرتكبها الاحتلال الصهيوني بحق المدنيين الفلسطينيين”، مشددا على أن “عدم القيام بذلك سيؤدي إلى فقدان أي سلطة متبقية له ولن يحترم العالم هذا المجلس بعد الآن”.
ولفت إلى أن “الفلسطينيين في قطاع غزة يواجهون معاناة لا تطاق في ظل حرب الإبادة التي يقترفها الكيان الصهيوني الذي لم يكتف بإعدام المدنيين، بل جعل هذا العدوان أكثر دموية باستهداف عمال الإغاثة والطواقم الطبية والصحفيين والأطفال”.
وأشار إلى أن “عدوان الاحتلال على القطاع منذ 7 أكتوبر 2023 خلف مقتل 400 شخصا من عمال الإغاثة و209 من الصحفيين و1060 عاملا صحيا، إضافة إلى إعدام 17 ألف طفل”، مشددا على أن “هؤلاء الناس يستحقون العدالة”.
وأوضح أن “القتل أصبح روتينا يوميا لسكان غزة، بينما يشاهد المجتمع الدولي هذه الإبادة الجماعية على الهواء مباشرة ويبقى صامتا”.
كما لفت إلى “منع الاحتلال دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع لأكثر من شهر كما لو أن القتل لم يكن كافيا”، مؤكدا أن “ما يحدث في غزة رعب مطلق ويجب ألا يمر هذا السلوك الإجرامي دون رد”.
وأكد في هذا الصدد أنه “يجب تنفيذ القرار الأممي 2735 بالكامل ودون تأخير، لإنقاذ الأرواح ووضع حد فوري للعدوان المتواصل”.
وحول “الوضع في الضفة الغربية المحتلة”، أوضح الدبلوماسي الجزائري أن “أرقام الدمار والضم والاعتقال والتهجير القسري والاغتيالات لا تزال في ازدياد مستمر، في محاولة للسيطرة الكاملة على هذه الأراضي الفلسطينية”. مؤكدا أن “سياسة الاستيطان تستمر بلا هوادة، حيث أنه خلال العام الماضي فقط، استولى الاحتلال على 46 كيلومترا مربعا من أراضي الضفة الغربية، فيما يواصل مسؤولون صهاينة الاعتداء على المسجد الأقصى، متحدين الوضع التاريخي والقانوني الراهن”.
وذكر بن جامع أن الجزائر “تدين بشدة جميع هذه الأعمال”، مضيفا قوله: “علمنا التاريخ أنه لا يمكن لأي قوة أن تقتلع شعبا من أرضه، لن يشرد الشعب الفلسطيني، سيبقى على أرضه وبدعم كل من يحب الحرية والسلام، سيقيم دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف”.
المصدر: “الخبر” الجزائرية