فشل حل أزمة سد النهضة منذ 30 يونيو يضع مصر تحت تصرف إثيوبيا
تاريخ النشر: 2nd, July 2024 GMT
أحد أهم وأخطر الملفات التي فشل فيها النظام المصري منذ 2013 هو ملف المياه وأزمة سد النهضة، حيث كان يترقب المصريون من النظام العسكري الجديد أن يتمكن من إنهاء الأزمة التي كانت في بداياتها ولكن النظام الجديد انشغل بقضايا محلية تتعلق بفرض نظام أمني من حديد والقضاء على الأصوات المعارضة والتخلص من الشركاء وملاحقتهم.
تورط نظام السيسي في اتفاقيات ومفاوضات سمحت بإكمال بناء السد، ما أدى إلى تفاقم الأزمة المائية في مصر.
بدأت إثيوبيا هذا الأسبوع بالفعل عمليات الملء الخامس للخزان، محتجزة بذلك 23 مليار متر مكعب إضافية من مياه النيل، لتضاف إلى 41 مليار متر مكعب تم احتجازها في المراحل الأربع السابقة، مما أثار احتجاجات رسمية من مصر والسودان. هذه التطورات تضع مصر أمام تحديات كبيرة في إدارة مواردها المائية وتأمين احتياجاتها المستقبلية من المياه.
منذ 30 حزيران/ يونيو 2013 لم ينخرط النظام المصري الجديد في أي شيء يتعلق بأزمة سد النهضة إلا بعد عام كامل ومرت منذ ذلك الوقت بعدة محطات حتى تم الإعلان فشلها بشكل نهائي نهاية العام الماضي:
حزيران/ يونيو 2014: اتفقت مصر وإثيوبيا على استئناف المفاوضات مرة أخرى.
أيلول/ سبتمبر 2014: عقد الاجتماع الأول للجنة الثلاثية (مصر وإثيوبيا والسودان) للتباحث حول صياغة الشروط المرجعية للجنة الفنية وقواعدها الإجرائية والاتفاق على دورية عقد الاجتماعات.
تشرين الأول/ أكتوبر 2014: اتفقت الأطراف الثلاثة على اختيار مكتبين استشاريين أحدهما هولندي والثاني فرنسي لعمل الدراسات المطلوبة بشأن السد.
آذار/ مارس 2015: وقع السيسي ونظيره السوداني السابق عمر البشير ورئيس وزراء إثيوبيا السابق هايلي ديسالين في العاصمة السودانية الخرطوم وثيقة "إعلان مبادئ سد النهضة".
تموز/ يوليو 2015: عقدت في العاصمة السودانية الخرطوم الجولة السابعة لاجتماعات اللجنة الفنية التي أصدرت بيانا يتضمن قواعد وأطر عمل المكتبين الاستشاريين الدوليين.
أيلول/ سبتمبر 2015: انسحب المكتبان الاستشاريان لـ"عدم وجود ضمانات لإجراء الدراسات بحيادية".
كانون الأول/ ديسمبر 2015: وقع وزراء خارجية مصر والسودان وإثيوبيا على وثيقة الخرطوم التي تضمنت التأكيد على اتفاق إعلان المبادئ، وتضمن ذلك تكليف مكتبين فرنسيين بتنفيذ الدراسات الفنية الخاصة بالمشروع.
شباط/ فبراير 2016: إثيوبيا تؤكد أنها لن تتوقف عن بناء سد النهضة.
أيار/ مايو 2017: الانتهاء من التقرير المبدئي حول سد النهضة، واندلاع خلاف بين الدول الثلاث على التقرير.
تشرين الثاني/ نوفمبر 2017: وزير الري المصري يعلن عدم التوصل لاتفاق بعد رفض إثيوبيا والسودان للتقرير المبدئي.
تشرين الثاني/ نوفمبر 2017: الحكومة المصرية تعلن أنها ستتخذ ما يلزم لحفظ "حقوق مصر المائية".
شباط/ فبراير 2020: استضافت واشنطن، جولة مفاوضات جديدة حول سد النهضة الإثيوبي، تجمع وزراء الخارجية والري في دول مصر والسودان وإثيوبيا، بمشاركة ممثلين من وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الدولي، بوصفهم مراقبين.
نيسان/ أبريل 2021: فشل مفاوضات "الفرصة الأخيرة" بين مصر والسودان وإثيوبيا في عاصمة الكونغو كينشاسا.
آب/ أغسطس 2022: أديس أبابا تعلن الملء الرابع.
حزيران/ يونيو 2023 اتفق السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، على البدء بمفاوضات "عاجلة" للاتفاق على ملء سد النهضة وقواعد تشغيله.
كانون الأول/ ديسمبر 2023: مصر تعلن فشل المفاوضات مجددا.
تموز/ يوليو 2024: إثيوبيا تعلن بدء الملء الخامس.
"مصر تهب إثيوبيا النيل"
كشف خبير المياه والسدود الدولي، الدكتور محمد حافظ، أن مصر "منحت إثيوبيا نهر النيل على طبق من ذهب منذ دخولها في صراع كبير على السلطة عام 2013، وانحراف القوات المسلحة عن دورها في الدفاع عن أمن مصر القومي في البحر والنهر والبر، ومذ ذلك الوقت كانت تسعى لعدم الدخول في أي صدام مع إثيوبيا بسبب الاضطرابات السياسية الداخلية ولكن الأخيرة استعملتها لصالحها تماما".
وأوضح في تصريحات لـ"عربي21" أنه "بضعف مصر اقتصاديا ودبلوماسيا وسياسيا واعتمادها على الآخرين، وهم حلفاء النظام الجديد في دول الخليج، جعلها غير قادرة على مقاومة أطماع الآخرين في مياه النيل، وهي ما أعتبره أخطر أطماع تهدد أكثر من 110 ملايين مصري، لأن نقص المياه هو معناه خراب كبير سوف يحل على الزراعة والصناعة ومياه الشرب".
وأكد حافظ، أن "النظام الجديد منح إثيوبيا كل شيء لحجز مياه النيل وحرمان مصر من حقها التاريخي في المياه، من اتفاق إعلان المبادئ في الخرطوم عام 2015، وعدم الانتباه لمخططات أديس أبابا والسير في مفاوضات غير مجدية وعقيمة منذ ذلك الحين دون أخذ الحيطة والاعتبار بسلسلة الفشل الذريعة، بما فيها فشل كل جهود الوساطة بما فيها الوساطة الأمريكية والأفريقية... الخ".
واعتبر أن "يوم اكتمال الملء الخامس ستكون إثيوبيا قد خزنت خلال عامي 2023 و2024 قرابة 70.0 مليار متر مكعب، وهذا يعني أن الدولة المصرية سوف تحتاج لاستيراد كمية من الغذاء سنويا تعادل إنتاج (7.0 مليون فدان)".
وأشار خبير المياه إلى أن "مصر تستورد حوالي 50 مليار متر مكعب مياه افتراضية على هيئة سلع مثل القمح والذرة وباقي المنتجات الزراعية، والمشكلة هي في أن إثيوبيا تسعى لخصم حصة كبيرة من حصة مصر في مياه النيل".
وسبق لوزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم أن أعلن أن موارد بلاده المائية تقدر بنحو 59.60 مليار متر مكعب سنويا، في حين تبلغ احتياجاتها نحو 114 مليار متر مكعب سنويا، وفي حال استمرت إثيوبيا بخططها المتعلقة بالسدود على مجرى النيل، ستجد مصر نفسها في وضع خطير للغاية.
وتأتي مصر على رأس قائمة الدول القاحلة والتي تواجه ندرة حادة في المياه، فهي الأقل في معدل هطول الأمطار بين دول العالم، وتعاني من عجز مائي يزيد على الـ50% من احتياجاتها المائية؛ ما يفرض عليها إعادة استخدام المياه المحدودة المتاحة لعدة مرات، واستيراد مياه افتراضية في صورة واردات غذائية بقيمة تقترب من 15 مليار دولار سنويا.
مآلات الضعف والخلافات المصرية السودانية
على الجانب السوداني، قال المحلل السياسي والكاتب الصحفي الدكتور ياسر محجوب الحسين، إن "الخلافات الداخلية في مصر والصراع على السلطة منذ عام 2013، من جهة، والخلافات الخارجية مع السودان، من جهة أخرى، منح إثيوبيا فرصة تاريخية لبناء سد النهضة".
وأضاف لـ"عربي21": "للأسف لا يبدو أن هناك أفقا للحل من غير فرض الإرادة الإثيوبية على البلدين حيث تتعزز حقيقة أن السد أضحى أمراً واقعاً مع مرور الوقت، وفي ظل ضعف البلدين الشديد مصر والسودان؛ فالأول يعصف به وضع اقتصادي متدهور والثاني تعصف به حرب مدمرة إقليمية دولية بأدوات داخلية. ولذا سيمضى الملء الخامس دون ضجة أو أي تحرك لا من جانب مصر ولا بالضرورة من جانب السودان".
بالعودة إلى الخلافات بين القاهرة والخرطوم، يوضح المحجوب: "خلال أزمة سد النهضة منذ 2013 اتخذت الحكومة السودانية مواقف داعمة لإثيوبيا في مشروع سد النهضة، ومع أن الخرطوم حينها نظرت لبعض الفوائد التي ستعود عليها من قيام السد إلا أنها كانت قاصرة بالبعد الاستراتيجي، فاعتزلت التنسيق مع مصر بسبب اضطراب علاقاتها مع القاهرة. وربما تنبهت الخرطوم متأخراً لهذا الخطأ وعمدت إلى قيادة وساطة أسفرت عن اتفاق بين الدول الثلاث لكنه لم يصمد بسبب التعنت الإثيوبي، فإثيوبيا كانت قد قطعت شوطاً كبيراً في إنجاز مشروع السد الأمر الذي مكنها من التعويل على أن المشروع أصبح أمراً واقعاً رضي من رضي وأبى من أبى".
وختم حديثه بالقول: "في تقديري أن الخلافات السياسية بين النظامين السوداني والمصري على مر العقود الماضية طغت على ما هو استراتيجي ومستقبلي فيما يخص علاقات البلدين و شعبيهما. وبعيدا عن التفاعلات والأسباب الداخلية والتاريخية التي أدت إلى مآل الانفصال، نستطيع القول أن انفصال جنوب السودان كان نتيجة حتمية لخلل هيكلي في الأمن القومي المصري والنظرة القاصرة لدى كلا النظامين في البلدين لأهمية علاقاتهما الاستراتيجية".
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة مقابلات سياسة دولية المصري سد النهضة النيل مصر سد النهضة 30 يونيو النيل المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة ملیار متر مکعب الملء الخامس مصر والسودان میاه النیل سد النهضة
إقرأ أيضاً:
سد النهضة ومستقبل السودان: مخاطر تتزايد في ظل الحرب
سد النهضة ومستقبل السودان: مخاطر تتزايد في ظل الحرب
لابد من كشف المخطط قبل وقوع الكارثة …
بقلم: حاتم أبوسن
في غياب فهم منطقي للأسباب الحقيقية و دوافع القوي الخفية التي تدير هذه الحرب التي تستهدف السودان أرضا و شعبا تتفجر استفهامات حول ما إذا كان واحد من أغراض هذه الحرب تفريغ المدن السودانية علي الشريط النيلي، مما يثير تساؤلات خطيرة حول الأهداف الاستراتيجية وراء كل ما يحدث الآن من تآمر! هل يريدونها أرض بلا سكان؟ يثير ذلك مخاوف حقيقية حول إستهداف سد النهضة و إستخدام الحرب كغطاء مما سيؤدي حتما إلي كارثة مائية غير مسبوقة حيث أن السودان هو المتضرر الأول من أي انهيار محتمل. إن هذه التطورات تفرض علي الحكومة السودانية التعامل بحذر و جدية تامة مع التهديدات المحتملة، وأن تتحرك بسرعة لضمان ألا يتحول سد النهضة إلى سلاح مدمر يستخدم ضد السودان وشعبه و هنا يجب أن نذكر أن أي استهداف لهذا السد ليس مما ستقوم به مليشيا الدعم السريع و لكن سيكون إكتمال لأركان جريمة عالمية تم التخطيط لها مسبقا و ينبغي أن تتحمل إثيوبيا و قوي الشر العالمي التي خططت لهذا الدمار مسئولية و تبعات ذلك.
رغم كل التحديات الأخري فإن سد النهضة الإثيوبي يمثل خطرًا يفوق الحرب الحالية في حجمه وتأثيره. الحرب مهما بلغت شدتها، تبقى محصورة في مناطق معينة، ولكن انهيار سد النهضة أو استخدامه كسلاح سياسي قد يؤدي إلى محو أجزاء واسعة من السودان بالكامل، في كارثة تفوق كل ما شهده تاريخنا من دمار. هذا ليس تهويلًا ولا مبالغة، بل حقيقة علمية واستراتيجية يجب أن تتعامل معها الحكومة بجدية تامة. إن التقليل من شأن هذا التهديد، أو الاستمرار في التعامل معه بحسن نية، هو رهان خاسر ستكون عواقبه كارثية. السودان في موقف لا يسمح له بالتهاون، ولا مجال فيه للمجاملة أو التجاهل. على القيادة السودانية، رغم الظروف الصعبة، أن تضع ملف سد النهضة على رأس أولوياتها، وأن تتحرك بجدية وحزم لضمان أمن البلاد قبل فوات الأوان
هذه فرصة أخري للتذكير بفداحة هذا الأمر و التنبيه إلي أن سد النهضة الإثيوبي خطرًا استراتيجيًا لم يُعطَ حقه من التقدير. الآن أصبح السد أداة يمكن استخدامها كسلاح سياسي وأمني في أي لحظة. ومع تصاعد النزاعات في السودان، يصبح أمن السد و التحكم فيه قضية أمن قومي للسودان.
لسنوات، تعامل السودان مع سد النهضة بتهاون كامل مفترضًا أن إثيوبيا ستراعي مصالحه المائية والأمنية. لكن الواقع يكشف أن إثيوبيا، رغم وعودها، مضت قدمًا في بناء وتشغيل السد بشكل أحادي، متجاهلة المخاوف المشروعة للسودان ومصر. ومع غياب حكومة سودانية مستقرة، أصبحت الخرطوم في موقف ضعيف تفاوضيًا، مما يفتح الباب أمام كل الإحتمالات.
إن الوضع الحالي في السودان يجعل السيناريو الأسوأ أكثر احتمالًا: انهيار السد بسبب خطأ فني، أو استهدافه عسكريًا في ، أو حتى استخدامه كورقة ضغط. في كل هذه الحالات، السودان هو المتضرر الأكبر، نظرًا لقربه الجغرافي واعتماده المباشر على مياه النيل الأزرق. ومع غياب خطط طوارئ واضحة، فإن أي خلل في السد يمكن أن يؤدي إلى كارثة إنسانية واقتصادية غير مسبوقة.
في ظل الأوضاع الإقليمية المتوترة، لا يمكن استبعاد أي احتمال. إذا قررت إثيوبيا، لسبب أو لآخر، تقليل تدفق المياه أو حجزها لفترات طويلة، فسيعاني السودان من موجات جفاف خطيرة تؤثر على الزراعة وإمدادات المياه والكهرباء. و لكن يبقي الخطر الأعظم إذا تم إطلاق كميات هائلة من المياه بشكل مفاجئ، فقد تحدث فيضانات مدمرة تجرف قرى ومدنًا بأكملها.
أما على الصعيد العسكري، فإن احتمال استهداف السد في أي مواجهة إحتمال لا يمكن تجاهله. وإذا حدث ذلك سيكون السودان بالضرورة في قلب الكارثة، حيث ستجتاحه موجات مائية هائلة تدمر و تغرق آلاف الكيلومترات من أراضيه مما سيقود لكارثة إنسانية ستكون الأعظم في هذا العصر.
في ظل هذه المخاطر، لا بد من إعادة النظر في استراتيجية السودان تجاه سد النهضة و التعامل بصرامة مع إثيوبيا، المطلوب الآن ليس مجرد تصريحات أو بيانات، بل خطوات فعلية تشمل إعادة تقييم الموقف الرسمي بحيث يتبنى السودان موقفًا حازمًا يراعي تأمين البلاد و السكان أولا دون أي تنازلات . كما يجب المطالبة بآليات واضحة لإدارة السد، والضغط من خلال القنوات الدبلوماسية والقانونية لضمان شفافية تشغيله، وتحديد قواعد ملزمة تمنع أي استغلال سياسي له. السودان أيضًا بحاجة إلى تنسيق فعال مع الأطراف الدولية، واستغلال التغيرات السياسية الحالية لمطالبة الوسطاء الدوليين، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الإفريقي، بضمانات واضحة حول سلامة السد وحماية السودان من أي تبعات محتملة. لابد من إطلاق صافرة الإنذار مبكرا لفضح أي مخطط يدور في الخفاء.
إلى جانب ذلك، يجب تطوير خطط طوارئ وطنية للتعامل مع أي طارئ متعلق بالسد و التركيز علي حماية السكان أولا إضافة إلي حماية مرافق الدولة الإستراتيجية من أي أحتمال سواء كان فيضانًا مفاجئًا، أو انقطاعًا طويلًا في تدفق المياه، أو انهيارًا كارثيًا. إن استمرار تجاهل هذا الملف، أو التعامل معه بسياسة الانتظار، قد يكلف السودان ثمنًا باهظًا في المستقبل القريب. الحل ليس في التصعيد غير المدروس، بل في تبني نهج ذكي ومتوازن يحمي مصالح السودان ويمنع أي إستخدام للمياه كسلاح..و تحميل إثيوبيا و من يقف خلفها المسئولية مقدما و التحذير الصارم من عواقب الإغراق المتعمد للسودان.
habusin@yahoo.com