فى عام 1945 كانت أسرة الكاتب والمفكر الراحل أحمد أمين فى طريقها للمصيف فى رأس البر–تبعد عن القاهرة–190 كم تقريباَ شمالاَ )–حيث يتحرك القطار فى التاسعة صباحًا من محطة القاهرة.
تجلس الأسرة مع الأمتعة فى عربة ويجلس هو–أى أحمد أمين–فى عربة أخرى حيث يكون فى يده–مثلا–رواية لتوفيق الحكيم أو ديوان شعر لحافظ إبراهيم أو أحمد شوقى أو غيرهم ويبدأ القراءة حتى يصل القطار إلى محطته الأخيرة.
فى العربة الأخرى يجلس الأبناء–كانوا ثمانية وأمهم–يضحكون، ويتسامرون، يتحدثون عن أيام وليالى المصيف.
الآن يجلس الابن حسين–صار دبلوماسياَ فيما بعد–بجوار والدته. أمامهما تجلس سيدة متوسطة العمر وابنتها فتاة فى الخامسة عشرة من عمرها. شقراء الشعر.. زرقاء العينين.. وجهها بيضاوى.. جسدها نحيل.. وتسعل على فترات.
قالت والدة الفتاة لزوجة أحمد أمين: «يبدو أن الحقيبتين اللتين وضعتموهما (فوق الرف) بهما أشياء ثمينة–كان بهما كتب جاء بها أحمد أمين للمصيف–لأنكم وضعتموهم بعد عناء، ومشقة، وحرص شديد حتى إنى تخيلت–من شدة اهتمام الابن بهما–تقصد حسين–انهما يحويان ذهبا»؟!
- ردت الزوجة ساخرة:
«ذهب..؟! قال ذهب قال؟ وحياتك دى كتب»!
- مش معقول (قالتها والدة الفتاة بدهشة)!
- ردت الزوجة:»وحياتك زى ما بقولك كده»! ثم قالت:
«الشنطتين دول عند صاحبهم–تقصد زوجها أحمد أمين–أغلى من الذهب، لكن عندى أنا لا تعادل الواحدة فيهم (الفطير المشلتت اللى جنبك دى)!
—قالت:» مش معقول الكلام ده»؟!
— ردت:»برضه هتقول لى مش معقول»!ثم أكملت الزوجة:» عارفة لو تخديهم وتدينى مكانهم (الفطير المشلتت)أكون شاكرة ليكى جداَ...والا أقولك خديهم من غير فطير..وريحيني»!.
فى هذه اللحظة انتبهت الفتاة بعدما فرغت من نوبة سعالها الحادة وسألتها:
—»هو زوجك كاتب»؟
— ردت بإستفهام:»هكذا يقول!( أحمد أمين فى ذلك الوقت لا يقل حضورًا وتألقاَ عن المازنى والمنفلوطى والعقاد وطه حسين )!
— ثم سألت الفتاة:»هل يكتب القصص»؟
— ردت باستغراب:»والله يا بنتى ما قرأت له حرفاَ، فلا تسألينى عن ماذا يكتب»!
— قالت الفتاة:» اسمه أيه»؟
— ردت:» أحمد أمين»!
— قالت الفتاة بدهشة:
«غريبة..مسمعتش عنه قبل كده»!!
— صاحت الزوجة بسعادة قائلة:
«بذمتك سمعت عنه قبل كده»؟
—ردت بحرج:» الصراحة.. لا»!
— قالت الزوجة وهى تنظر للابن حسين الجالس بجوارها:
«مع أنه متخيل أن الناس تسبح باسمه ليل ونهار»
ثم قالت بشماتة:
«واخد بالك يا حسين»!! يبتسم ولا يعلق.
ثم قالت بتحدٍ:»والله لما نروح هقوله الكلام ده»!
— رد حسين:» هتقولى أيه يا ماما»؟
— «هقوله قابلت بنت فى القطار لم تسمع عنه أبداَ»!
— ابتسمت الفتاة وقالت:
«ألا يسرّك أن تكونى زوجة لأديب مشهور؟
—ردت:» سرور أيه؟ ده طول الوقت مشغول عن أولاده وبيته، بكتبه وقلمه. ثم قالت:
« أتظنينه يوماَ لاحظ لى فستانًا جديدًا اشتريته أو (حلق لبسته)؟ أبداَ ولا هذه الأشياء تشغل باله خالص!
وبعد فترة صمت اكملت الزوجة:
«كنت عندما آتيه بفستان جديد أجده إما قارئاَ أو كاتبا..
فأقول له:
أحمد.. شوف كده وقولى رأيك؟
— يرد:»رأى فى أيه»؟
— فى الفستان يا راجل!
— ماله؟ ما هو حلو أهو !
يقولها دون أن يدرى أنه فستان جديد»!
تضحك الفتاة حتى يعاودها السعال بصورة عنيفة مرة أخرى ويكون القطار قد وصل إلى محطة الوصول وقبل أن تودع أسرة أحمد أمين أسرة الفتاة التى مازالت تسعل تقف أمها على الرصيف فى وداعها قائلة للزوجة:
« تحبى نبدل (الكتب) بالفطير (المشلتت)؟
— ترد ضاحكة بطريقة ساخرة:
«ياريت ياختى...هو حد يطول المشلتت»؟!
....وهكذا دائماَ فى كل عصر–وفى كل حين–تجد زوجات الصحفيين، والكتاب، والأدباء، والمبدعين–أو معظمهن–إذا ما سألتها:
« هل تحبين تبديل كتب زوجك (بالفطير المشلتت)؟
ترد بكل ثقة، ورغبة، وفرح، وسرور..قائلة:
«ياريت...هو حد يطول»!!
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: مصر الحلوة أحمد أمين أحمد أمین
إقرأ أيضاً:
أفضل ما تتقرب به إلى الله.. اغتنم هذا العمل البسيط افعله يوميًا مع زوجتك
ثبت في السنة النبوية فضل الإحسان إلى الزوجة والأولاد، وأنه من أفضل الأعمال التي يتقرب بها الإنسان إلى الله -عز وجل- ويعد تأسيًا بسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم.
الإحسان إلى الزوجة والأولادإن من أفضل ما يتقرب به المرء إلى ربه جلَّ وتعالى، إحسانُه إلى زوجته وعياله؛ تأسيًّا بهدي سيدنا رسول الله ﷺ الذي قال: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». [أخرجه الترمذي]
شيخ الأزهر والإحسان إلى الزوجةقال الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، إن التوصية بإحسان العشرة من ألزم ما يلتزم به الزوج تجاه زوجته وتجاه الأسرة معا، قال تعالى: «وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا» (سورة النساء: 19).
وأوضح خلال حديث سابق له، أن الله تعالى أمر الأزواج بحسن معاملة زوجاتهن؛ لأن الزوجة لا ذنب لها إن كرهها الزوج، بل الذنب ذنبه؛ لأنه رجل متقلب المزاج، ضعيف الإرادة، ومثل هذه الأمزجة المتأرجحة لا يصلحها إلا علاج القناعة والاقتناع بهذه الآية الكريمة، ووَعْد الله لمن يقدم مصلحة الأسرة على رغبته وشهوته المتقلبة أن يجعل الله في هذا الأمر خيرًا كثيرًا، وألفاظ التمني والترجي مثل: عسى ولعل في القرآن الكريم محققة الوقوع، وتنكير (خيرًا) للتعميم، فقد يكون بركة في المال، وقد يكون بركة في الأولاد، وقد يكون بركة في الصحة.
وأضاف أن قوله تعالى: «وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ» يدل على ضرورة الإحسان إلى الزوجة، والرسول –صلى الله عليه وسلم- قال: "خِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ" ولم يقل–صلى الله عليه وسلم: خياركم لمجتمعه أو خياركم لأمته، ونص على النساء بالذات، لأنه يعلم أن المسلم يجب عليه أن يلتزم بأدب معين حتى تسير الأسرة وتؤدي رسالتها على النحو الذي يجب، وقال أيضا- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ": خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي" ليقرر أن خير الرجال هم الذين يكونون مصدر خير لنسائهم ولأهلهم ويؤكد ذلك بقوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي" لِأَهْلِي، ليقتدي به كل الرجال في الإحسان إلى زوجاتهن.
وأكد أن تقديم مصلحة الأسرة على المصلحة الشخصية يدخل في نطاق الواجبات الشرعية، وليس إحسان العشرة أمرا اختياريا للزوج، حين يكرهها يؤذيها وحين يحبها يحسن إليها، فالأمر ليس كذلك، لأن البيوت لا تبنى على الرغبات والنزوات المتقلبة، فالإسلام لم يكن في يوم من الأيام يربط الأسر بالأمزجة المتقلبة أبدا، بل ينحيها جانبا ويأمر بتحمل المسؤولية؛ لأنه مسؤول عنها أمام الله عز وجل يوم القيامة عما استرعاه حفظ أم ضيع، منوهًا إلى أن هناك توجيهات صارمة في حسن معاملة الزوجة، إن أحبها أكرمها وإن كرهها لم يظلمها، لا كما هو الحال الآن إذا كرهها ظلمها وعاملها معاملة غير إنسانية، فهذا حرام.
ثواب الإحسان إلى الزوجة
وقال الشيخ محمد السيد، عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، إن الإحسان إلى الناس عبادة أمرنا الله تعالى بها، ولا شك أن أولى الناس بالإحسان إليهم، هم الزوجات والأهل والأقارب.
وأضاف في تصريح له، أن النبي يقول: «استوصوا بالنساء خيرًا» وكان فعل النبي هكذا مع زوجاته أمهات المؤمنين، كما قال النبي ﷺ: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»، والنبي الكريم من خيره لأهله أنه كان يحسن إلى زوجاته أمهات المؤمنين حتى بعد وفاتهن، فمن ذلك بعد وفاة زودجته السيدة خديجة ومن شدة حبه لها، كان إذا ذبح شاة قال "اذهبوا بها إلى فلانة صديقة خديجة".
وأشار إلى أن بعض الناس يظن أن الإحسان يتأتي من طرف واحد فقط، فالزوج مأمور بالإحسان إلى الزوجة، والزوجة كذلك مأمورة بالإحسان إلى زوجها، فالإحسان واجب على الطرفين ولا تقوم الحياة الزوجية إلا به.