سننتصر لنكتب التاريخ، تاريخ جيش زلزلت القوى الاستعمارية الأرض تحته لكنه انتصر بشعبه
تاريخ النشر: 1st, July 2024 GMT
هذه الحرب خطيرة وعميقة المعنى وليست مجرد صراع عسكري بين جيشين، يمكن تفسيرها بالكثير من المناهج وربما تصيب هنا أو تخطئ هناك، طبقيا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا وتاريخيا ولكن طالما نحن نعايش الحدث ونعاصره فإن جزءً من الحقيقة محجوب عنا، فالمعاصرة حجاب وربما يكتب التاريخ عنا عصر نهضة وإرهاصات مستقبل أو يكتب عنا بطولة في عصر الانحطاط أو لا يكتب شيئا بالمرة.
دعونا نقاوم بذكاء.
نعم ما يجب أن نفعله هو أن نقاوم بذكاء وبحس تاريخي. كنت اقرأ قبل أيام عن هزيمة ١٩٦٧ للجيش المصري أمام العدو الإسرائيلي فيما عرف بالنكسة، كان الجيش في ذهن المصري شيئا خياليا ومثاليا، قوات الصاعقة التي لا تقهر والقوات الجوية التي قيل عنها أقوى سلاح طيران في الشرق الأوسط، المشاة والدبابات وفوق ذلك الزعيم عبد الناصر الذي كان يقول للمصريين: أين كنا قبل الثورة وأين نحن الآن بعد الثورة المظفرة. أحلام عظيمة في زمن هيمنة راديو الترانستور وأدب الخمسينات والستينات الثوري العظيم. كيف انتهى كل ذلك؟ انتهى بهزيمة جيش مصر ونكسة ٦٧ التي أثرت على الفكر والفلسفة والأدب والآيدلوجيا وكانت نقطة في بحر تاريخ الانحطاط.
أين نحن؟
نحن نقاوم بذكاء وبتمسك وبصبر، حتى التاريخ ربما يسأم منا. ويتساءل؟ لماذا لم ترفع الطبقة الوسطى الراية البيضاء؟ لماذا لم تختفي تحت هجمات البرابرة؟ يتساءل مالذي وحد الزغاوة والفور والنوبة والبجا والشايقية والجعلية والشكرية والبني عامر والمساليت والمحس وغيرهم وغيرهم؟ مالذي وحدهم؟ مالذي دفع البرجوازية السودانية للانتحار الطبقي لتقف مع الجيش؟
التاريخ يتساءل ونحن نكتب صفحاته بهدوء يتجاوز تعليم ١٩٦٧، فقائدنا جاء فلتة ويختلف عن عبد الناصر كثيرا، وشعبنا فقير مسكين لكن بينه طلائع مجاهدين ومستنفرين تقودهم منارات مضيئة من الشهداء.
المسألة كلها حول القدرة لا الخيانة، قدرة طبقة مدينية وسطى فارقت القتال منذ مئة سنة، ومعها ريف زراعي مسالم يعيش في نمط رأسمالي بغيض يصنع المحرومين والطبقة الرثة التي يوظفها العدو، وهو كما تعلمون يملك الأقمار الصناعية والمال والسلاح، العدو هناك في أوروبا وفي دويلة الشر التافهة التي تسمى الإمارات وهم عبيد الأمريكان الصهاينة كما تعلمون.
في وضع كهذا وحرب كهذه فإن المسألة كلها حول القدرة والاستعداد وليس الخيانة، والوسيط ليس الراديو بل أدوات العولمة الخطيرة، لذا أصبروا ورابطوا وتوحدوا بذكاء وسننتصر لنكتب التاريخ، تاريخ جيش زلزلت القوى الاستعمارية الأرض تحته لكنه انتصر بشعبه.
والله أكبر والعزة للسودان
هشام عثمان الشواني
إنضم لقناة النيلين على واتسابالمصدر: موقع النيلين
إقرأ أيضاً:
د. عبدالله الغذامي يكتب: أن تسافر عنك إليك
من صيغ التعامل مع المكان أن تسافر منك إليك، ففي فترة «كورونا»، ومع منع السفر الخارجي، تعلم الناس في العالم كله أن يتحولوا عن مفهوم السياحة بوصفها سفراً إلى الخارج إلى مفهوم ٍ جديد حدث قسراً وغصباً وهو السياحة الداخلية، ليتعرفوا بذلك على كنوز بلادهم التي ظلوا ينؤون عنها للبحث عن البعيد، وفي هذا كشوفات لافتةٌ ظل أهلُ كل بلدٍ في العالم يتحدثون عنها باندهاش عجيب، لدرجة أنهم أصبحوا يتكلمون عن جهلهم ببلادهم وكنوز بلادهم.
وهذه مسألة شديدة الوضوح، وهي أيضاً شديدة العبرة، فإن كنا نجهل وجه الأرض فماذا عن جهلنا بباطن النفوس، وما ذا لو جرّبنا السياحة الروحية في نفوسنا لكي نكشف ما نجهله عنا وعن كنوزنا الروحية والنفسية، تلك الكنوز التي نظل نسافر بعيداً عنها ونمعن في الانفصال عنها لدرجة أن البشر صاروا يبذلون الوقت والمال لكي يستعينوا بخبير نفساني لكي يساعدهم للتعرف على نفوسهم، ولو قارنا ما نعرفه عن كل ما هو خارجٌ عنا وبعيدٌ عنا مكاناً ومعنى مقابل جهلنا بنا، لهالنا ما نكشف عن المجهول منا فينا، وكأننا نقيم أسواراً تتزايد كلما كبرت أعمارنا وكلما كبرت خبراتنا التي نضعها بمقامٍ أعلى من كنوز أرواحنا، وكثيراً ما تكون الخبرات كما نسميها تتحول لتصبح اغترابات روحيةً تأخذنا بعيداً عنا، وكأن الحياة هي مشروع للانفصال عن الذات والانتماء للخارج.
وتظل الذات جغرافيةً مهجورةً مما يؤدي بإحساس عنيف بالغربة والاغتراب مهما اغتنينا مادياً وسمعةً وشهادات ومكانةً اجتماعية، لكن حال الحس بالغربة يتزايد ويحوجنا للاستعانة بغيرنا لكي يخفف عنا غربتنا مع أن من نستعين بهم مصابون أيضاً بحالٍ مماثلة في حس الاغتراب فيهم، كحال الفيروسات التي تصيب المريض والطبيب معاً، وقد يتسبب المريض بنقل العدوى لطبيبه والجليس لجليسه مما يحول التفاعل البشري نفسه لحالة اغتراب ذاتي مستمر. والذوات مع الذوات بدل أن تخلق حساً بالأمان تتحول لتكون مصحةً كبرى يقطنها غرباء يشتكي كل واحدٍ همه، ويشهد على ذلك خطاب الأغاني والأشعار والموسيقى والحكايات، وكلما زادت جرعات الحزن في نص ما زادت معه الرغبة في التماهي مع النص، وكأننا نبحث عن مزيد اغتراب ذاتي، وكل نص حزين يقترب منا ويلامسنا لأنه يلامس غربتنا ويعبر عنها لنا.
كاتب ومفكر سعودي
أستاذ النقد والنظرية/ جامعة الملك سعود - الرياض