قراءة اشتراكية لمداخلة فياض: الصيغة اللبنانية ليست هشة والكيان، لا الطوائف، يواجه التحديات الوجودية
تاريخ النشر: 1st, July 2024 GMT
الحلقة الأولى من سلسلة نقاشات يفتتحها "لبنان 24" في 1-6-2024، عقدت حركة "تجدد للوطن" مؤتمرها السنوي تحت عنوان "من لبنان الساحة... إلى لبنان الوطن" في البيال، ومن ضمن فعاليات هذا المؤتمر ألقى عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب علي فياض مداخلة بعنوان"موقع لبنان في النظام الاقليمي الجديد" أثارت ردود فعل استثنائية داخل المؤتمر وعلى مدى الأسابيع الماضية، بحيث جرى تداولها على نحو واسع وجذبت اهتمام الاحزاب لما تضمنته من طروحات جديدة تفتح الباب أمام مناخ حواري لبناني لمناقشة قضايا غير مسبوقة خاصة وأن فياض هو أحد مسؤولي حزب الله ونوابه البارزين.
تضمنت المداخلة الدعوة إلى التعاطي مع هواجس الطوائف كما هي حتى لو كانت تستند إلى أوهام لأن تلك الهواجس ذات أثر واقعي، واعتبر فياض أن الهاجس الاساس عند الطائفة السنية هو حماية اتفاق الطائف الذي اعطى موقعا متميزاً لرئيس الحكومة في البنية الدستورية، أما الهاجس الدرزي الاساسي، فهو حماية الدور في ظل التحولات والاضطرابات التي تخيم على لبنان والمنطقة، اما الهاجس المسيحي الأكبر فهو يتمثل بحماية الوجود واستعادة الدور والصلاحيات في ظل مشكلة التضاؤل الديمغرافي في حين أن الهاجس الشيعي هو حماية الوجود في مواجهة العدوانية الاسرائيلية، معتبراً أن الهاجسين السني والدرزي هما هاجسان سياسيان طبيعيان، أما الهاجسان المسيحي والشيعي فهما هاجسان وجوديان يستدعيان أدوات معالجة من خارج المنطق الطبيعي للدولة.
ويرى فياض أن الصيغة اللبنانية هشة جداً بحيث أنها تنتج بطرفة عين أزمة حكم ومؤسسات، وقوية جداً بحيث لا يستطيع أي من المكونات إحداث تغييرات فيها. ووفق قراءته للدستور وما ينص عليه مدخل المادة 95 بأن ما دون مرحلة الاصلاحات الجذرية هي مرحلة انتقالية، وما لم تطبق هذه الإصلاحات، جاز القول أيضاً أن الدولة أيضاً هي دولة انتقالية. ومن ناحية أخرى يرى فياض أن البيئة الاقليمية تمر في مرحلة انتقالية لولادة نظام اقليمي قيد التشدد في ظل صعود جيواستراتيجي لـ"محور المقاومة" الذي يعاني في المقابل من ضعف جيواقتصادي، في حين أن الخريطة المجتمعية على المستوى الاقليمي "الجيو مجتمعي" تعاني من انقسامات خطيرة.
وبحسب النائب فياض فإن المعالم الكبرى لهذا النظام الاقليمي هي، إسرائيل أكثر ضعفاً، والولايات المتحدة أقل قدرة على الإمساك بملفات المنطقة، ومحور المقاومة أكثر فعالية.
يشدد فياض على نجاح تجربة التكامل بين المقاومة والدولة بعيداً عن علاقة الاحتواء ، ومشدداً على ضرورة المحافظة على المسافة الفاصلة بين الدولة والمقاومة وقد خلص في مداخلته إلى الانتقال من المعالجات العائمة إلى المعالجات العميقة مؤكداً على الأهمية الحاسمة لثلاث خلاصات وهي : قيمة الدولة وقيم التفكير الدولتي. المقاومة لمواجهة التحديات الكبرى التي يواجهها لبنان. اعتماد منهجية تبادل الهواجس والضمانات بين المكونات اللبنانية.
بالاستناد إلى ذلك يستضيف "لبنان 24" تباعاً أصحاب رأي أكاديميين يعبرون عن اتجاهات سياسية مختلفة لمناقشة ما ورد في مداخلة فياض من أفكار حوارية جديدة.
الحلقة الأولى مع استاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية والقيادي في "الحزب التقدمي الاشتراكي" الدكتور وليد صافي.
من المهم، بحسب الدكتور صافي، أن نلاقي بعضنا البعض في منتصف الطريق، وذلك لإطلاق حوار جدي ومسؤول حول القضايا الشائكة التي نختلف عليها. ولبنان بتركيبته السياسية والطائفية التعددية محكوم بالحوار والتسويات، وقد أكدت التجربة اللبنانية منذ الاستقلال وحتى اليوم أن الاقتتال الداخلي ومواجهة القضايا الخلافية بمقاربات مضادة ،كانت كلفتها كبيرة على المستويات كافة ولم تؤد إلى حل مشاكلنا المستعصية. لذلك يبقى الحوار والتسوية أقل كلفة بكثير ومن شأنهما أن يفتحان الأفق على حلول مستدامة ويعززان الثقة بين الطوائف .
لكل طائفة هواجسها المختلفة، وهذا أمر ليس جديداً في لبنان. والأزمة التي يمر بها البلد على المستوى الوطني والانسداد في أفق التسوية السياسية بدءا من انتخاب الرئيس وصولاً إلى البحث في المسائل الخلافية كافة ، هي المسؤولة، بحسب صافي، عن عودة الهواجس لتتصدر المشهد السياسي.
ولا يوافق القيادي في الاشتراكي، نائب حزب الله أن هناك طوائف تواجه تحديات وجودية لا يمكن حلها من خلال منطق الدولة. بالاساس، لبنان الكيان يواجه التحديات الوجودية وليس بعض الطوائف، وأن الدولة هي المرجعية التي يمكن أن نعهد إليها بتبديد الهواجس وتقديم الضمانات للجميع. فالطوائف تستطيع من خلال مواقفها العقلانية والواقعية أن تطمئن بعضها البعض. أما الضمانات فهي مسؤولية الدولة. واحترام دستور الدولة وقوانينها والحفاظ على اللعبة الديمقراطية والحريات والتنوع السياسي، كل ذلك يشكل أهم الضمانات للطوائف كافة.
ويعتبر الدكتور صافي أن اتفاق الطائف لم يكرس هواجس الطوائف ولا يوجد في علم السياسة ما يبرر القول أننا في دولة انتقالية. ويلفت الانتباه إلى اهمية الفصل بين الدولة والنظام السياسي. عناصر الدولة هي الاقليم الجغرافي، السكان والحكومة او السلطة السياسية. الدولة اللبنانية مكتملة الشروط، ويمكن الحديث عن المرحلة الانتقالية في النظام السياسي الذي ينتظر إكمال الإصلاحات التي حددها اتفاق الطائف وهي تتناول الإصلاح السياسي والاقتصادي والقضائي وفي مقدمها إنشاء مجلس شيوخ ، وإعداد قانون انتخابي على أساس وطني وتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية واعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة . ويبقى الطائف في رأي الدكتور صافي هو العقد الاجتماعي الناظم لحياتنا السياسية والدستورية، ومن الحكمة اليوم التمسك به وعدم القفز فوق ، أو تفسيره بما يتوافق مع المصالح الضيقة، والحفاظ على روحه الميثاقية وعدم إخضاعه للعبة ميزان القوى.
وفي السياق، يتردد في بعض الصالونات السياسية أن الدروز يخوضون اليوم معركة البقاء، وأن مصلحتهم تكمن في الوقوف إلى جانب العروبة. ومن هذا المنطلق يقول القيادي في الحزب الاشتراكي أن الدروز يخوضون اليوم بقيادة الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط معركة وجود لبنان والحفاظ على رسالته ونظامه الديموقراطي وهم لا يشعرون البتة أن وجودهم مهدد. فالدروز يشعرون بالتحديات التي تواجه لبنان والعالم العربي والقضية الفلسطينية، لذلك هم اليوم أكثر من أي وقت مضى متمسكون بخياراتهم السياسية التي تنسجم مع تاريخهم العروبي والإسلامي. ففي الماضي لقبهم الأب يواكيم مبارك "بالأرستقراطية المحاربة"، نظراً إلى دورهم الطليعي في مواجهة كل مشاريع الإخضاع التي تتعرض لها المنطقة. أما اليوم فيمكن وصفهم "بالأرستقراطية السياسية"، التي تتميز بالحكمة في قراءة الأحداث وطرح المقاربات للحفاظ على لبنان في إطار التنوع ضمن الوحدة، وعدم الانسياق وراء الأوهام والمشاريع التي لا تتفق مع تاريخنا وانتمائنا العربي. فموقف الدروز من القضية الفلسطينية وتأييد حق الفلسطينيين بالمقاومة للاعتراف بحقوقهم وتأسيس دولتهم وعاصمتها القدس الشرقية هو موقف تاريخي ومبدئي كرسه الشهيد كمال جنبلاط وحافظ عليه النائب السابق جنبلاط رغم كل التحديات والمخاطر. وللتذكير فإن اتفاق الطائف الذي كرس نهائية الكيان اللبناني، قد أكد أيضاً دون أي لبس انتماء لبنان وهويته العربية. لذلك، فالدروز متصالحون مع أنفسهم في اعتقادهم الراسخ بعدم تناقض انتمائهم اللبناني مع انتمائهم العربي، إذ ينظرون إلى العروبة على أنها رابطة حضارية وليس قومية مغلقة. كما أنهم، بحسب الشهيد كمال جنبلاط، "وديعة الاسلام" في هذا الشرق الغني بثقافته وتقاليده وقيمه. وبالنتيجة، الدروز هم إلى جانب العروبة وحريصون على أن يستعيد العالم العربي مكانته الاقليمية والدولية، وهذا الموقف لا يتعلق بالمصالح الآنية والظرفية، إنما هو مرتبط بتاريخهم وهويتهم والتي تعرضت لتحديات كبيرة، لكنهم عرفوا كيف يدافعون عنها ويحافظون عليها.
يرى صافي أن الصيغة اللبنانية ليست صيغة هشة، معتقداً أن الممارسات السياسية التي لا تتفق مع روحية هذه الصيغة والتي تخالف أحكام الدستور، هي التي تقف وراء هشاشة المشهد السياسي الحالي وتعطل آليات اتخاذ القرار في المؤسسات الدستورية. فالصيغة اللبنانية قائمة في روحها على التوافق، وهي تحتاج إلى رجال سياسة توافقيين ويعرفون معنى الحوار والتوافق وأهميتهما.
ولذلك، ليست الصيغة السياسية بمفردها من يمنع أي حزب من السيطرة على السلطة بالكامل، يقول صافي، فهناك دور أساسي للمواطنين اللبنانيين في هذا الموضوع. فاللبناني عبر تاريخه هو مقاوم لكل أنواع الإخضاع والاحتلالات والوصايات. والفكرة الواحدة أو نظام الحزب الواحد لا يمكن أن يعيشا في لبنان لأنهما ضد طبيعة رسالة لبنان. لبنان يقوم على الحريات والمبادرة الفردية والتعددية الدينية والسياسية، هو "ملتقى الإسلام والمسيحية"، كما وصفه الشهيد كمال جنبلاط، لذلك فهو مقبرة الفكرة الواحدة، والتوجهات التوتاليتارية.
ويعتقد القيادي في الاشتراكي أننا اليوم بحاجة إلى مراجعة طريقة إدارة الصيغة أكثر من الحاجة للنظر في التعديلات المطلوبة، كما يعتقد بأهمية تطبيق الطائف في كل محاور الإصلاح الذي تطرق إليه، فهذه أفضل طريقة للكشف عن الحاجة إلى التعديلات الضرورية وجعل النظام أكثر فعالية، فنحن بحاجة لتغيير الممارسات القائمة والعودة إلى احكام الدستور لقيام حكم القانون Rule of law. ويسأل ما هي منافع أية تعديلات في الصيغة، إذا بقيت الممارسة السياسية على حالها من تقويض لسلطة القانون، وتعميم ثقافة الإفلات من الحساب. لقد آن الأوان للنظر إلى فعالية النظام التي تخدم اللبنانيين كافة، بدلاً من السعي لبعض التعديلات التي تهدف إلى تحسين موقع هذا أو ذاك الطرف في الصيغة السياسية.
ويرى صافي أن الدولة المركزية قائمة في لبنان، وهي تمارس وظائفها السيادية في العلاقات الدبلوماسية والقضاء وصك العملة والأمن الوطني. لكن الاشكالية تكمن على مستوى السياسة الدفاعية اذ تعجز الدولة حالياً عن ممارسة دورها في قرار السلم والحرب. فحزب الله يتمسك بسلاحه ويعتبره ضمانة للتحديات الوجودية التي تواجهها الطائفة الشيعية بحسب الكلام الأخير للنائب فياض. وهناك تقدم في طرح الحزب من خلال الاقتراح القاضي بالحوار على وظيفة هذا السلاح. في الواقع، إن سلاح حزب الله هو مسألة اقليمية والكلمة الفصل فيه تعود للجمهورية الإسلامية. ومن حيث المبدأ، لا يجوز للدولة أن تتنازل لأي طرف عن أي من وظائفها السيادية لاسيما الأمن الوطني والدفاع . وهذا الأمر يكتسب أهمية بالغة في بلد مثل لبنان حيث أن السلاح بأيدي أي طائفة ومهما كانت وظيفته يعطي أرجحية لها في ميزان القوى الداخلي. ولكن لا يجب أن نقلل من أهمية الدور الذي أداه هذا السلاح والتضحيات التي بذلت في تحرير الجنوب ومواجهة الاعتداءات الإسرائيلية وآخرها العدوان المستمر منذ عملية طوفان الأقصى. لذلك نحتاج إلى مقاربة واقعية لمسألة هذا السلاح والتفكير بسياسة دفاعية تعيد للدولة قرار السلم والحرب، وتتيح للجيش تحديد استراتيجية دفاعية قادرة على الاستفادة من خبرات المقاومة، لمواجهة التحديات والمخاطر الاسرائيلية القائمة، وما أكثرها مع حكومة بنيامين نتنياهو واليمين المتطرف.
وإلى أن تنضج شروط تسوية إقليمية تساعد في حل هذه المسألة، يحتاج لبنان، وفق صافي، في هذه المرحلة إلى تفعيل العمل الدبلوماسي لتطبيق القرار 1701، وتفويت الفرصة على حكومة نتنياهو من إشعال حرب واسعة لا قدرة للبنان على تحمل تداعياتها. المصدر: خاص "لبنان 24"
المصدر: لبنان ٢٤
كلمات دلالية: اتفاق الطائف حزب الله
إقرأ أيضاً:
الإعلان الدستوري.. قراءة تحليلية لفلسفة السلطة في سوريا الجديدة (1)
وقع الرئيس السوري أحمد الشرع، يوم الخميس 13 رمضان إعلانا دستوريا يؤطر المرحلة الانتقالية التي جرى تحديدها في خمس سنوات، وقد تم إعداد مشروع الإعلان الدستوري من طرف لجنة من الخبراء معينة من طرف الرئيس يوم 2 فبراير، وتشكلت لجنة الصياغة من سبع شخصيات قانونية، بينهم سيدتان.
وهنا يجدر التنويه بأسلوب الشفافية المعتمد في صياغة الإعلان والطريقة التي جرى تقديمه بها، وهو مؤشر إيجابي على أن السلطة التأسيسية في المرحلة القادمة لن تخرج عن الأساليب الديمقراطية المعروفة في وضع الدساتير، وقد صرحت اللجنة بأنها اعتمدت في عملها على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني التي صدرت يوم 25 فبراير 2025 المنصرم، والتي كان من بين أهم توصياتها: الإسراع بإعلان دستوري مؤقت يتناسب مع متطلبات المرحلة الانتقالية، ويضمن سد الفراغ الدستوري، بما يسرع عمل أجهزة الدولة السورية، مع ضرورة الإسراع بتشكيل المجلس التشريعي المؤقت الذي سيضطلع بمهام السلطة التشريعية وفق معايير الكفاءة والتمثيل العادل، وتشكيل لجنة دستورية لإعداد مسودة دستور دائم للبلاد يحقق التوازن بين السلطات ويرسخ قيم العدالة والحرية والمساواة ويؤسس لدولة القانون والمؤسسات.
السياق السياسي للإعلان الدستوري
جاء هذا الإعلان الدستوري في أعقاب قرارات سياسية مهمة أبرزها إعلان الإدارة السورية في 29 يناير 2025 السيد أحمد الشرع رئيسا للبلاد بالمرحلة الانتقالية، بالإضافة إلى إلغاء العمل بدستور 2012 الذي تم في عهد النظام السابق، كما اتخذت الإدارة السورية الجديدة قرارا بحل جميع الأجهزة الأمنية التابعة لنظام الرئيس السابق بشار الأسد "بفروعها وتسمياتها المختلفة"، وتشكيل "مؤسسة أمنية جديدة تحفظ أمن المواطنين"، واتخذت قرارا بحل جميع الفصائل العسكرية والأجسام الثورية السياسية والمدنية، على أن "تدمج في مؤسسات الدولة"، كما تقرر حل مجلس الشعب المشكل في عهد الأسد، واللجان المنبثقة عنه، مع حل حزب البعث العربي الاشتراكي، وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وما يتبع لها من منظمات ومؤسسات ولجان، مع حظر إعادة تشكيلها تحت أي اسم آخر، وتم أيضا اتخاذ قرار بضم جميع أصول الأحزاب المذكورة التي تم حلها إلى الدولة السورية، كما تم الإعلان عن تفويض الشرع، بصفته رئيسا للبلاد، بـ"تشكيل مجلس تشريعي مؤقت للمرحلة الانتقائية، يتولى مهامه إلى حين إقرار دستور دائم للبلاد ودخوله حيز التنفيذ"، وهو الاختصاص الذي جرى تكريسه في الإعلان الدستوري الجديد.
الملامح العامة للإعلان الدستوري الجديد..
تجدر الإشارة إلى أن الإعلان الدستوري يختلف عن الدستور الدائم، فالإعلان الدستوري هو وثيقة مؤقتة تطبعها المرونة، وتهدف إلى تنظيم مرحلة انتقالية، في الغالب ترتبط بتغير النظام إما بفعل ثورة شعبية أو بواسطة انقلاب عسكري أو لأي سبب آخر، بينما الدستور الدائم هو ثابت وطويل الأمد. ويهدف الإعلان الدستوري الجديد إلى تهيئة الأرضية لعملية دستورية شاملة، تهدف إلى صياغة دستور دائم يعرض على الشعب السوري من أجل الاستفتاء عليه.
نحن إذن، أمام وثيقة من شأنها أن ترسم الملامح الأولية للمرحلة المقبلة مع ضمان إدارة شؤون الدولة خلال المرحلة الانتقالية على أسس الشرعية الدستورية، وبطبيعة الحال فهي ليست بديلا عن الدستور الدائم الذي من المتوقع أن يتم إقراره قبل انقضاء خمس سنوات، وتنظيم الانتخابات العامة على أساسه، لإفراز المؤسسات الدستورية التي تغطي المرحلة العادية وإعلان الخروج من المرحلة الانتقالية التي تم تحديدها في خمس سنوات.
الإعلان الدستوري يختلف عن الدستور الدائم، فالإعلان الدستوري هو وثيقة مؤقتة تطبعها المرونة، وتهدف إلى تنظيم مرحلة انتقالية، في الغالب ترتبط بتغير النظام إما بفعل ثورة شعبية أو بواسطة انقلاب عسكري أو لأي سبب آخر، بينما الدستور الدائم هو ثابت وطويل الأمد. ويهدف الإعلان الدستوري الجديد إلى تهيئة الأرضية لعملية دستورية شاملة، تهدف إلى صياغة دستور دائم يعرض على الشعب السوري من أجل الاستفتاء عليه.الإعلان الدستوري الذي بين أيدينا لا يكشف عن ملامح النظام السياسي القادم بشكل صريح، لكن القراءة السريعة لمقتضياته تكشف على أننا أمام نظام رئاسي بخصائصه الدستورية المعروفة. والنظام الرئاسي كما هو معلوم، يتميز بمجموعة من الخصائص، أبرزها خاصيتين أساسيتين: الأولى تتعلق بأحادية السلطة التنفيذية بكل ما ينتج عنها من امتلاك رئيس الدولة لصلاحيات واسعة تبرز أكثر في لحظات الأزمات السياسية، أما الخاصية الثانية، فتهم الفصل الحاسم بين السلطات، حيث كان إدراك واضعي الدستور الأمريكي على سبيل المثال الذي يعتبر من أعرق الأنظمة الرئاسية في العالم واعون بخطورة حصر السلطات في يد جهة واحدة، وهو ما كان حافزا لهم لتوزيعها على مستوى الكونغريس الذي يحتكر السلطة التشريعية والمحكمة العليا التي تعتبر سلطة قضائية مستقلة، علما أن ذلك لم يمنع من وجود استثناءات تجعل من الممكن قيام بعض آليات التأثير المتبادل، خاصة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
وتعني أحادية السلطة التنفيذية ببساطة أن رئيس الدولة هو نفسه رئيس الحكومة، حيث لا يتطلب الأمر، كما هو الأمر في النظام البرلماني وشبه الرئاسي، وجود سلطة تنفيذية برأسين. وهذا الأمر يجعل من رئيس الدولة المالك الوحيد للسلطة التنفيذية، وبالتالي الرجل الأقوى في الدولة، حيث إن رئيس الدولة لا يكون قويا فقط من خلال انتخابه عن طريق الشعب، بل أيضا من خلال سلطاته واختصاصاته الدستورية.
وفي حالة الرئيس الشرع، فإن مشروعيته ليست مكتسبة عن طريق الانتخاب، ولكن باعتباره قائد القوى الجديدة التي أطاحت بالنظام السابق.
الإعلان الدستوري الجديد للجمهورية العربية السورية جاء في أربعة أبواب موزعة على 53 مادة، كما تم التقديم له بديباجة تحمل عنوان مقدمة وهي جزء لا يتجزأ من الإعلان الدستوري تضمنت تذكيرا بالاستبداد الذي جثم على صدور السوريين طيلة ستة عقود وبجرائمه الوحشية المرتكبة في حق الشعب السوري، وبالثورة العظيمة للشعب السوري "التي استمرت قرابة أربعة عشر عاما قدم فيها أبناء سورية الأحرار دماءهم وتضحياتهم" "حتى بزغ فجر جديد، وسطعت شمس التحرير على دمشق في 8 كانون الأول 2024" كما جرى التذكير بالبيان الذي وصف ب" التاريخي" الذي أعلن انتصار الثورة السورية الصادر بتاريخ 29 يناير 2025، كما تم التذكير بالحوارات المكثفة بين مختلف مكونات المجتمع السوري، التي تُوجت بانعقاد مؤتمر الحوار الوطني، الذي توافق حول مجموعة من القضايا الكبرى، وفي مقدمتها:
ـ الحفاظ على وحدة وسلامة سورية، أرضًا وشعبا.
ـ تحقيق العدالة الانتقالية وإنصاف الضحايا.
ـ بناء دولة المواطنة والحرية والكرامة وسيادة القانون.
ـ تنظيم شؤون البلاد خلال المرحلة الانتقالية وفق مبادئ الحكم الرشيد.
وفيما يلي تحليل سريع لأهم المقتضيات الواردة بالبابين الأول والثاني المتعلقين بالأحكام العامة والحقوق والحريات، على أن نخصص الحلقة القادمة لتحليل الباب الثالث والرابع.
قراءة تحليلية عامة لأهم مقتضيات الإعلان الدستوري الجديد ..
تضمن الباب الأول أحكاما عامة همت بالخصوص التأكيد على الوحدة الجغرافية والسياسية للجمهورية العربية السورية، وهو ما يعني أن النظام الجديد عازم على تكريس نموذج الدولة البسيطة الموحدة، مما يعني تجنب خيار الدولة المركبة القائمة على النموذج الفيدرالي أو جهات الحكم الذاتي، كما التزمت الدولة ب"مكافحة جميع أنواع وأشكال التطرف العنيف مع احترام الحقوق والحريات" وهي إشارة واضحة إلى المسافة التي يحاول قادة المرحلة الجديدة وضعها مع كافة أنواع المجموعات المسلحة الغير المنضبطة ، خصوصا وأن الإعلان الجديد شدد على أن "الدولة وحدها هي التي تنشئ الجيش ويحظر على أي فرد أو هيئة أو جهة أو جماعة إنشاء تشكيلات أو فرق أو تنظيمات عسكرية أو شبه عسكرية، ويُحصر السلاح بيد الدولة"، فمن الواضح أن العنوان الأساسي المؤطر للباب الأول هو ضمان وحدة البلاد بالتلازم مع تحقيق الاستقرار الأمني والعسكري، مع ترسيخ فكرة المساواة أمام القانون بين جميع المواطنين من دون تمييز بينهم في العرق أو الدين أو الجنس أو النسب.
وقد كان من الملفت أن يختتم هذا الباب ببعض المبادئ المؤطرة للاقتصاد الوطني والتي اختار لها واضعو الإعلان عناوين تنتمي إلى المدرسة الليبرالية في الاقتصاد من قبيل "المنافسة الحرة" مع إضافة وصف "العادلة " لتمييزها -ربما-عن أشكال أخرى من المنافسة أو ما يعرف في بعض الأدبيات الاقتصادية بالليبرالية المتوحشة. كما التزمت الدولة ب"تشجيع الاستثمار وحماية المستثمرين في بيئة قانونية جاذبة".
سوريا الجديدة عازمة على الانخراط في منظومة حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، مما سيطرح على الإدارة الجديدة تحدي التوفيق بين سؤال الكونية والخصوصية في مجال حقوق الإنسان، خصوصا بالنسبة لبعض الاتفاقيات الدولية التي تتضمن مقتضيات قد تتعارض مع الشريعة الإسلامية، وتحدي القدرة على التكيف السريع مع الآليات الدولية في مجال حقوق الإنسان وتغيير الصورة التي ارتسمت في العالم حول واقع حقوق الإنسان في سوريا.أما الباب الثاني الذي جاء تحت عنوان الحقوق والحريات، فقد تضمن مجموعة من المقتضيات التي ارتقت ببعض التزامات الدولة إلى المكانة الدستورية من أجل إضفاء طابع السمو عليها وجعلها محصنة دستوريا، وهو ما من شأنه أن يبدد العديد من التخوفات المتعلقة بالتعدد الثقافي واللغوي، فالدولة "تكفل التنوع الثقافي للمجتمع السوري بجميع مكوناته، والحقوق الثقافية واللغوية لجميع السوريين" كما اختار الإعلان الالتزام بـ"جميع الحقوق والحريات المنصوص عليها في المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها الجمهورية العربية السورية" واعتبرها " جزءًا لا يتجزأ من هذا الإعلان الدستوري" وهو ما يرمز إلى أن سوريا الجديدة عازمة على الانخراط في منظومة حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، مما سيطرح على الإدارة الجديدة تحدي التوفيق بين سؤال الكونية والخصوصية في مجال حقوق الإنسان، خصوصا بالنسبة لبعض الاتفاقيات الدولية التي تتضمن مقتضيات قد تتعارض مع الشريعة الإسلامية، وتحدي القدرة على التكيف السريع مع الآليات الدولية في مجال حقوق الإنسان وتغيير الصورة التي ارتسمت في العالم حول واقع حقوق الإنسان في سوريا.
كما رتب الإعلان الدستوري مجموعة من الالتزامات على الدولة فيما يتعلق بحماية "حرية الرأي والتعبير والإعلام والنشر والصحافة" وصيانة " حرمة الحياة الخاصة وتجريم الاعتداء عليها" وصيانة الدولة ل"حق المشاركة السياسية وتشكيل الأحزاب على أسس وطنية وفقاً لقانون جديد"، كما "تضمن الدولة عمل الجمعيات والنقابات" وتحمي "الملكية الخاصة" كما "تلتزم الدولة بحفظ المكانة الاجتماعية للمرأة" و"كفالة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لها" وب"حماية الأسرة باعتبارها نواة المجتمع" و"حماية الأطفال من الاستغلال وسوء المعاملة"، وهي ضمانات أساسية بالنسبة للمدافعين عن حقوق المرأة والأسرة والطفل والمتخوفين من الإدارة الجديدة.
كما سطر الإعلان الدستوري مجموعة من المبادئ المؤطرة للعدالة من قبيل شرعية العقوبة وقاعدة البراءة هي الأصل ومنع الاختفاء القسري والتعذيب المادي والمعنوي، وعدم جواز إيقاف أي شخص أو الاحتفاظ به أو تقييد حريته إلا بقرار قضائي باستثناء حالة الجرم المشهود، وصيانة المساكن وعدم جواز دخولها أو تفتيشها إلا في الأحوال المبينة في القانون. وهي كلها مقتضيات تبعث بإشارات واضحة على التزامات الدولة بحماية الحقوق الأساسية للأفراد والفئات، بما ينشر الإحساس بالطمأنينة والأمن بعد عقود من الانتهاكات والتجاوزات الماسة بحقوق الإنسان.
أما الباب الثالث فقد جاء تحت عنوان نظام الحكم خلال المرحلة الانتقالية، وهو الترجمة العملية لمبدأ الفصل بين السلطات كما رآه واضعو الإعلان الجديد، ويمكن اعتبار هذا الباب هو العمود الفقري لهندسة السلطة في المرحلة الجديدة، ليس فقط خلال المرحلة الانتقالية، ولكن الرأي عندي، أن الفلسفة التي وضع بها هي التي ستطبع الملامح الرئيسية للدستور الدائم. وهو ما سنخصص الحديث عنه في الحلقة الثانية، مع اقتراح بعض الخطوات التي من شأن اعتمادها الإسهام في تعزيز الثقة في الإعلان الدستوري الجديد، وضمان تحول ديمقراطي حقيقي في سوريا.
*أستاذ القانون الدستوري بجامعة محمد الخامس