#سواليف

وثق المرصد #الأورومتوسطي لحقوق الإنسان “ #جريمة ” إسرائيلية ضد #أسرة مكونة من أم مُسنة و4 من أبنائها، منهم 3 فتيات وحفيدة رضيعة، باقتحام منزلهم وإطلاق النار والقنابل عليهم في #حي_الشجاعية شرق مدينة #غزة.

وقال المرصد إن “الجيش الإسرائيلي أخرجهم من المنزل، مساء الخميس، ثم احتجزهم وهم مصابون داخل وقرب دبابات إسرائيلية لأكثر من 3 ساعات في منطقة قتال خطيرة، واستخدمهم دروعًا بشرية”.


وتابع البيان “تم دهس الأم صفية حسن موسى الجمال (65 عامًا) وقتلها، بعد إصابتها بجنازير #دبابة إسرائيلية وهي لا تزال على قيد الحياة على مرأى من ابنها”.

مقالات ذات صلة العثور على شخصين متوفيين في منطقة صحراوية جنوب الاردن 2024/06/30

ونقل المرصد عن ابن صفية مهند الجمال (28 عامًا) قوله “كنت أنا وأمي وشقيقاتي الثلاث وابنة أختي الصغيرة داخل المنزل، حرصنا ألا نصدر صوتًا، وقبل المغرب بدأت الدبابة تطلق قذائف تجاه شقة أخي في الطابق الأرضي من منزلنا، جمعت أفراد أسرتي وجلسنا في إحدى الغرف، وبقينا ننتظر مصيرنا ونردد الشهادتين”.

وأوضح “الجنود اقتحموا المنزل بعد تفجير جدار وصعدوا إلينا، وعندما وجدونا في الغرفة بدأوا بإطلاق النار عشوائيًّا على جدران الغرفة، وألقوا قنبلة تلو القنبلة، حتى ألقوا 5 قنابل مع إطلاق نار تجاهنا في الغرفة، وكانوا يصرخون بالعبري، ولا نعلم ماذا يقولون”.

وأكد الجمال “أُصبت بشظايا في ظهري وأصيبت شقيقتي بشظايا، وكانت شقيقاتي يصرخن: إحنا مدنيين، وأصيبت والدتي بشظية كبيرة في صدرها، ثم تقدم الجنود واحدًا تلو الآخر وهم يصرخون: اصمت، ثم سحبوني وأجبروني على خلع ملابسي وأوقفوني على الجدار، ثم دخلت مجندة عند والدتي وشقيقاتي، والجنود يصوبون أسلحتهم تجاهي لمدة نصف ساعة”.

وأردف “طلبوا مني حمل أمي على ظهري وإنزالها للأسفل، ثم قال جندي آخر بأن أنزلها على حمالة حيث حملتها مع جندي آخر، وخرجنا من الفتحة التي فجّرها جيش الاحتلال إلى الأرض المجاورة وأدخلوها في الدبابة، حيث أدخلت النقالة وعليها أمي”.

واستطرد الجمال “أرجعوني للمنزل وأخذوا جواز سفري، ثم أنزلوني ووضعوا قيودًا في يدي، وكانت شقيقاتي عند باب الدبابة، وطلب منهم الجنود الانتظار، ثم جاء جندي وفك القيود ووضع مرابط في يدي وعصبة على عيني، وأوقفني على تلة رمل، وكان يضيء تجاهي بالليزر، شعرت أنهم سيعدمونني، ثم شغل الدبابة، وأمرني بالدخول فيها”.

وتابع “قدم أحد الجنود وسحبني من رقبتي، وتحركت 50 مترًا وأدخلوني دبابة أخرى من جديد. تحركت في المكان ثم أنزلوني وأدخلوني في دبابة كانت بها الحمالة التي نقلنا بها أمي وتحركت الدبابة، اعتقدت أنهم سينقلوننا إلى مكان لعلاج والدتي، ثم أنزلني، وأنزلوا والدتي وهي مصابة ووضعوها على الأرض”.

وأوضح “عرفت بعد دقائق أننا في آخر شارع النزاز دوار مشتهى، سألت: أين أنا؟ فقال: سيأتي (إسعاف) لأخذ أمك، وكانت والدتي ملقاة على الأرض، كانت هناك دبابتان على اليمين واليسار تحيطان بالدوار والثالثة التي كنت فيها، وبعد أن صعد الجنود للدبابة التي أنزلوني منها بدأت بالتحرك للخلف فدهست والدتي”.

واسترسل الجمال “رأيت المشهد وشعرت كأنني فقدت عقلي وبدأت بالبكاء والصراخ. الدبابة على اليمين اقتربت مني وأرادت أن تدهسني، فهربت وظننت أنني سأُقتل، لكنَّ الدبابتين اتجهتا إلى شارع آخر، والدبابة التي كانت في جهة اليسار كانت ستدهس أمي مرة أخرى ولكن لم يحصل ذلك”.

وأشار “في الواحدة من فجر الجمعة، اختبأت وبدأت أصرخ ولا أسمع إلا صوت الرصاص، وانتبهت لاقتراب كلاب من جثة والدتي تريد نهش لحمها، فأبعدتها عنها”.

وأكد الجمال “الجندي في الدبابة كان يعلم أين قام بإنزالها، وكان قادرًا على أن يتفاداها ولكنه تعمَّد دهسها”.

وقال “لم أستطع تحمُّل الموقف مع إطلاق النار، ولم أستطع حمل أمي بعد أن قامت الدبابة بدهسها. ومع صدمتي بما حدث، بصعوبة استطعت تغطية أمي وهرعت أركض من المكان للبحث عن شقيقاتي اللاتي لا أعلم ما مصيرهن، وبقيت أمشي وأنا أبكي وأسمع في الشوارع أصوات إطلاق النار”.

واختتم الجمال “بقيت أمشي حتى وجدت شخصًا في بلكونة، أعطاني زجاجة ماء وأخبرني بطريق آمن لأسير فيه حتى وصلت إلى منطقة الدرج عند أصحابي. حاولت التواصل مع أي أحد للوصول إلى شقيقاتي، ولاحقًا عرفت أنهن في المستشفى المعمداني لعلاج الإصابات، وسألوني عن أمي فأخبرتهن”.

وأكد المرصد الأورومتوسطي أنه وثق العديد من حوادث قتل الجيش الإسرائيلي مدنيين فلسطينيين دهسًا تحت جنازير الدبابات بشكل متعمَّد وهم أحياء.

المصدر: سواليف

كلمات دلالية: سواليف الأورومتوسطي جريمة أسرة حي الشجاعية غزة دبابة

إقرأ أيضاً:

الحالة السردية للوردة المسحورة ألف ليلة وليلة من البستنة والإبداعية

لا شك أننا التفتنا، أو انتبهنا، على نحو أو آخر، لكثير من باقات الورد التي تلقاها أبطال الأعمال السردية أو تهادوها فيما بينهم، وربما في أفلام سينمائية عديدة. أو نقشت في وجداننا أغنيات جعلت من الورود معادلا للحب الصافي، أو ضُلّلنا بـ «اسم الوردة» على غلاف الرواية الشهيرة لأمبرتو إيكو لنتبين أن العنوان لا علاقة له بموضوع الرواية. لكني لا أذكر أني قرأت كتابا عربيا متخصصا في محاولة رصد عالم الورود والزهور في كافة الفنون ومحاولة تأويل مدلولاتها السردية قبل أن أقرأ كتاب «الحالة السردية للوردة المسحورة» للكاتبة منى أبو النصر، والصادر حديثا عن دار الشروق بالقاهرة.

تتناول فصول الكتاب الأربعة عشر، واستنادا إلى ما يزيد على نحو 100 عمل أدبي وفني، حالات سردية في الأدب، ومشاهد من أفلام السينما، وقصائد شعرية، وكتب نقدية، وأغنيات وملاحم أدبية وجدت في الورد والزهور بأنواعها معادلا رمزيا أو جماليا ما، وأحيانا علاقات بعض الكتاب والشعراء بنوع معين من الورد وأثره عليها في الكتابة.

الوردة أنثى تفسر العالم

تبدأ أولى فصول الكتاب مع الأساطير والميثولوجيا اليونانية القديمة لتبين البذور الأولى لارتباط علاقة الأنوثة بالورد، حيث منحت الأسطورة للورد معادلا بشريا إذ منحت التأملات الميثولوجية قصة خلق للفكرة، وفق المؤلفة؛ أثمرت «أفروديت» ربَّة الجمال، منذ خُلقت الزهرة البيضاء لحظة امتزاج دموعها الأولى بالأرض، فالأسطورة اليونانية القديمة لم تدع شيئًا إلا ومسته بعصاها السحرية، في سعيها لتفسير العالم ومفرداته بطريقتها.

تقول منى أبو النصر: «تعددت مرويات تلك القصة الدرامية بشكل لافت، فيُروى أن كلوريس أو «فلورا» آلهة الحدائق لدى الإغريق، كانت تسير ذات يوم في الغابة، فتعثرت بجثة إحدى حورياتها الجميلات، فحزنت عليها حزنا شديدًا، وقررت أن تزيل عنها أثر الموت وتبعث الحياة في جسدها من جديد، فنادت إله الرياح «زافير» وطلبت منه أن ينفخ في غيوم السماء؛ حتى يبعث «أبوللو» أشعة شمسه على وجه الحورية، ثم نادت «أفروديت»؛ آلهة الجمال فمسحت على وجهها مسحة جمال أبدية، وأضفى «ديونيسيس» إله النبيذ، عليها رحيقا مسكرًا، فمنحتها السحر والجمال والرائحة، والحياة، وبعثتها أبدية الحسن، فأطلقت عليها أفروديت «الوردة»، ومنحتها لابنها «إيروس»؛ إله الحب».

سلطت الكاتبة الضوء على بعض الأساطير القصص القديمة التي جمعت بين الجمال والزهور والآلهة، في إشارة للكيفية التي مثلت بها الورود رمزا للجمال والحب والإلهام. بمعنى أدق كيف استنطقت الميثولوجيا القديمة الورود بحثا عن إيحاءات فلسفية وشفرات وجدانية أو حتى إيماءات سرية مضمرة من خلال باقات ورد كانت تعلق في أسقف الحجرات في بعض قصور العصور الوسطى. وسأعود لمسألة الشفرات السرية لاحقا.

لكن الرحلة في عالم الزهور لا تكتفي بالجانب الرومانسي الشائع عن ارتباط الورود بالرومانسية والعاطفية، إذ تكشف أيضا، من جهة أخرى، كيف امتزجت السمات التي ارتبطت ببعض الورود بالفعل الدرامي، من خلال بعض الورود التي عرفت بأنها تحتوي على عناصر سامة، ودورها في مشاهد قتل درامية كما في «هاملت» شكسبير، أو ارتباط لون الورود بعواطف وسلوكيات بشرية، مثل الغيرة، والحب، وجنون العشق، والوفاء، أو كمعادل لغوي وشفرة تواصل سرية في بعض الأحيان.

الشفرة لغة الزهور

أما بالنسبة لشفرة الورود السرية، تحيل الكاتبة القارئ إلى فيلم «إينولا هولمز» (إنتاج 2020) ممهدة له بالقول إن عالم السرية والتشفير الذي اتخذ الشفرة من الورود، لم يظل حبيس الأديرة وقصور الملوك، فقد طور العصر الفيكتوري للزهور لغة مشفرة قائمة بذاتها، والتقط الفيلم المذكور هذه التيمة.

«تقرر إينولا كتابة رسائل مشفرة لأمها في الصحف، باستخدام لغة الزهور ونظل طيلة الفيلم لا نعلم مصير تلك الرسائل. وعندما تلتقيان مع نهاية الفيلم تهمس يودوريا» (الأم) في أذن اينولا : «وصلتني الأيريس، (وزهرة الأيريس) تشير في قاموس الزهور إلى معنى الرسائل، أي وصلتني رسائلك»، وتُعرف زهرة الايريس في اللغة العربية بزهرة السوسن المعروفة بحسنها البالغ». ووظف الفيلم الورود کخیط درامی مُشوّق صنع بها لغة صامتة بديلة للتواصل المباشر.

فالورود، وفقا للكاتبة منى أبو النصر، طالما ارتبطت باللغة، لاسيما اللغة العاطفية والرومانسية «فبدت لنا الزهور وكأنها تغوي اللغة، ولنا في الذاكرة الغنائية نماذج لا حصر لها في ربط الورود بدورة الحب المؤرقة: وبعد الغيم ربيع وزهور، وكرس لها محمد فوزي استعراضا غنائيًا أطلق عليه استعراض الزهور؛ حيث «لكل لون معنى ومغنٍ»، فالزهور عند فوزي تشبه «الستات»؛ فللبنفسج لغة، وللقرنفل لغة، وكذلك للورد البلدي لغة، لغة أنثوية خالصة».

وردة الأسطورة والفلسفة

ويتوقف الكتاب عند البعد الفلسفي للوردة، أو الكيفية التي تناولت بها الفلسفة، في مرحلتها المبكرة، الورود في سعيها لفهم المثل العليا، أو بالأدق؛ «لفهم العلاقة بين الجمال وعالم المثل كذلك التأويل الشعري المنسوب لأفلاطون الذي ذهب إلى أن الإنسان كلما يرى شيئا جميلا، تسري في جسده رجفة، كأنما أصابته حمى، فتفتح مسام جسده، وينبت منها ريش وجناحان، يحلّق بهما في عالم المثالية».

ومن هذا المثال تحيلنا إلى الأسطورة وعلاقتها التخييلية بعالم الورود. «وقبل أطروحات الفلسفة، نسجت الأسطورة اليونانية القديمة صلة بين ربة الجمال أفروديت وبين الوردة التي تعددت مرويات قصة خلقها وظهورها السحري، تشير إحداها، كما سبقت الإشارة إلى أن الدمعة الأولى التي طفرت من عين أفروديت حزنًا اختلطت بالتراب فنبتت منها وردة بيضاء، فصارت الوردة مخلوقة من أثر جمال محض».

كما استخدم هيجل الوردة كرمز في كتابه البارز «ظاهريات الروح» أو«فينومينولوجيا الروح»، ليشير إلى أن الشيء يصبح ما هو عليه حتى لو لم يعه في مراحله الأولى فبرعم الوردة يختفي حالما تتفتح بتلاتها وأوراقها، وقد تتخيل أن ثمة تعارضا بين بتلات الوردة والبرعم، ولكن ما يحدث هو أن الحقيقة انتقلت إلى حقيقة أخرى ويصبح كل طور منها ضروريا لبلوغ الحقيقة الأكبر، وهو ما يشبه مراحل الفكر فكل فكرة تتضمن داخلها فكرة أخرى، وكذلك يمكن فهم التاريخ نفسه، فلو الوردة الضئيلة تحمل في جوهرها شجرة، وانشقاق البتلات من قلب الوردة طور جديد في دورتها ووحدتها وقصتها.

تنتقل منى أبو النصر بين المعاني التي يولدها استخدام الزهور في حقول الأدب والفن السينمائي واللوحة التشكيلية والشعر والأغنية، كما تتنقل نحلة رشيقة بين حقول ورد، أو كما يفعل البستاني وهو يعتني بزهوره ويتأمل أحوالها ويضع لمساته المطلوبة لكل منها.

وهي تصف الكتاب كله كحالة من البستنة، وتحيل إلى حوار أجرته مع الكاتبة منصورة عز الدين وصفت فيه الأخيرة ارتباط علاقتها بالكتابة بعلاقاتها بالنباتات والزراعة. وكيف تعلمت منها الصبر والعناية بالتفاصيل والانتباه إلى البيئة المحيطة وبذل أقصى ما تستطيع من جهد على أمل أن يثمر إذا كانت الظروف مواتية، فما أجملها من ثمرة تسقط فوق مائدة الكتابة.

وقد تبدو الجولة الواسعة في حقول المعرفة التي اتخذت من عالم الزهور موضوعا دلاليا عشوائية أو أنها تخضع لمنطق التداعي الحر، لكن الكتاب في الحقيقة مقسم إلى فصول وفق موضوعات محددة، وبالتالي فقد تظهر أمثلة من شكسبير في أحد الفصول لأنها تتناول موضوع الورود السامة، ثم يعاود شكسبير الظهور لاحقا في فصل يتناول حروب الورود لدى شكسبير.

كما أن موضوعا مثل «استعراض الزهور» قد يجمع بين مثال من «أليس في بلاد العجائب»، يجاوره مثال لأغنية من أغنيات محمد فوزي. وقد تنتقل من قصائد عن الورد لدرويش ومنها إلى عقد الياسمين الذي يظهر في ختام قصة «زعبلاوي» لنجيب محفوظ، ثم تعرج إلى رائحة الليلك في «قمر على سمرقند» للمنسي قنديل، و«خزامى» سنان أنطون.

وأما ما قد يتشابه في دلالات استخدام الورود سواء في ملحمة سردية مثلا مع مشهد من فيلم أو حتى من فكرة فيلم كاملة فسوف يتتاليان في فقرات الكتاب الذي لا يتوقف عند السرد الأدبي فقط، كما سبقت الإشارة، بل في كافة أنواع الفنون البصرية وفنون الأداء وصولا إلى فن الباليه والفن التشكيلي.

وتوسع منى أبو النصر دائرة بحثها وصولا إلى بعض النماذج البلاغية في الكتاب المقدس، وفي القرآن الكريم. تقول:

«يبدو الانتقال من تأمل الزهور كوحدة مادية إلى تأملها كحالة وجودية لها منطقها الجمالي الخاص، والحزين أيضا جعلها مادة طيّعة أمام المبدعين بوصفها سردية كاملة عن الحياة والموت، الجمال الخالص والذبول المؤرق، ولا لتلقيها بمنطق رومانسي أو فانتازي عند مقاربة مواصفاتها الشكلية مع البشر، والأمر هنا متسع باتساع المخيلة ذاتها. فعندما التقط القمر الصناعي صورة مُقرَّبة لخسوف قمر مايو عام ٢٠٢٢، علقت الصحف أنه يبدو كزهرة حمراء، القمر هو وجهها الأحمر، بذيل طويل يتبعه كساق الزهرة، فأطلقوا عليه «زهرة القمر الحمراء العظيمة»، وإن بدا كزهرة غاضبة وحشية في ليلة منزوعة الرومانسية؛ لا قمر صافٍ فيها. ويمكن هنا استدعاء التعبير القرآني (فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ (الرحمن: آية ٣٧)، في وصفٍ مشهدي مهيب للسماء لحظة انشقاقها وتصدعها يوم الساعة».

منهج شهرزاد

لكن اللافت في هذه الرحلة الطويلة هو المنهج السردي الذي يربط هذه الأمثلة ببعضها البعض، ويتوالى سردها، ثم تحليلها، في نسيج سردي رشيق وبليغ وممتع، يذكرنا بحكايات شهرزاد في تدفقها وسلاستها. فهي قد تلقي الضوء على بعض تجارب المعاجم المتخصصة في الزهور مثلا «أما (قاموس الزهور Le language des Fleurs الفيكتوري)، فقد كان باكورة إبداعية تُنسب تاريخيا لسيدة تُدعى (شارلوت دي لاتور)، ويقال إن شارلوت كان اسما مستعارًا، ويُقال إن كتابها راق لكثير من الناشرين في أوروبا، فطبعوا منه مئات الطبعات خلال القرن التاسع عشر.

وتعرج على نماذج من الأفلام السينمائية التي اشتهرت ببطولة رمزية الورد بها، موضحة أن الفن السينمائي استعان بالورود في محاولة لفهم العلاقة بين الجمال والمثالية، فظهرت ورود «الروز» الحمراء في فيلم «جمال أمريكي» كرمز للجمال المثالي، وخلق الفيلم معادلا بشريًا لهذا الجمال بظهور (أنجيلا) الشقراء؛ الفتاة المراهقة بالغة الجاذبية التي تمثل صورة الجمال الشاهق، الذي سيبدل حال البطل ويخرج من داخله تمردا لم يعِ وجوده داخله من قبل وهو يسعى للاقتراب من هذا الجمال».

وفي فيلم «اقتباس» يجد البطل «شارلي كوفمان» نفسه في أوج شعوره بالتورط بعد تكليف شركة الإنتاج له بكتابة فيلم مقتبس عن كتاب سارق الأوركيد، وما زاد من ورطة الكاتب، بالإضافة إلى معاناته وقتها من قفلة الكتابة، هو أن الكتاب المراد تحويله لسيناريو بتوليفة هوليودية، هو كتاب غير أدبي ومحوره «زهرة». فيخوض الكاتب رحلة ذهنية شاقة، يتبعها بمحاولة الاقتراب من عالم الأوركيد، فيصل إلى معرض مُخصص لزهور الأوركيد، بدا كاستعراض مثير.

كما ستحيلنا بطبيعة الحال إلى رواية مثل «العطر» لباتريك زوسكند والفيلم المقتبس عنها لبيان دور الزهور في موضوع مذهل بموضوعه المتمثل في رغبة الإنسان بتمثل الطبيعة في الكائن البشري. ولن تنسى أن تقدم تحليلا لواحد من أجمل أفلام كلاسيكيات السينما الصامتة للفنان العظيم تشارلي شابلن، وهو فيلم أضواء المدينة مسلطة الضوء على الدور الرمزي للورد في الفيلم، وغيرها الكثير من المشاهد من أفلام عالمية ومصرية.

وبيّن ما يتناوله الكتاب أثر الزهور النفسي على كتاب وفنانين، وعلاقات مدهشة أسفرت عن فنون رفيعة مثل لوحات فنية شهيرة كثيرة للفنان العبقري فان جوخ مثلا الذي كانت تربطه علاقة افتتان بزهور عباد الشمس مثلا. ولن يفوتها الإشارة إلى كتاب قاسم حداد الجميل «أيها الفحم يا سيدي» الذي تناول فيه سيرة فنية لفان جوخ تضمنت بين ما تضمنت وصف اللون الأصفر من ذهنية الفنان المهووس به.

كما تحيلنا أيضا إلى أثر الزهور الصفراء على كاتب كبير مثل الكولومبي ماركيز، وهو ما قد نراه مثلا في مشهد هطول المطر المكون من الورود في أحد مشاهد مائة عام من العزلة «فصارت كغطاء كثيف للحيوانات التي تنام في عراء الليلة، وافترشت كل البلدة، فكان لزاما عليهم إزالتها بالمجارف حتى يتمكن المارة من العبور، فكان ستار الورود الذي غمر الأرض تشييعا لمؤسس ماكوندو الخيالية».

جنازة الورود الصفراء الأسطورية

ثم تستطرد لتشرح أثر الورود نفسها على ماركيز الذي تجلى في الرواية وفي حياته أيضا إذ يقال إنه لم يكن يمكنه الكتابة إذا لم تكن أمامه في المزهرية الزهور الصفراء التي يحبها.

«وكما أحيط مؤسس ماكوندو بجنازة أسطورية، فقد أمطرت الورود الصفراء كذلك في جنازة جابرييل ماركيز إبريل (۲۰۱٤)؛ حيث حمل الكولومبيون إلى مرقده الورود الصفراء التي طالما أحبها جابو لتشيعه، في مشهد طالما رآه جابو واستحضره قبل سنوات طويلة وهو يكتب مائة عام من العزلة».

فالناس الذين يشيعون جابو كانوا يعرفون مدى تعلقه بالروز الأصفر تحديدا، ليس فقط في أدبه، ولكن في حياته ويومياته، فقد كان يظهر واضعًا وردة صفراء في عروة سترته، وينهي إمضاء اسمه بخط ملتو وكأنه ساق تنفرج منه وردة. وكما حكى لصديقه الصحفي الكولومبي بلينيو أبوليو ميندوزا، أنه كان ينزعج إذا ما وجد مزهرية مكتبه خالية من وردة صفراء، فقد رأى فيها تميمة لحسن الحظ، وتفاءل بها. وربما رأى جابو في الوردة الصفراء رمزا لخلوده.

من خلال كتابها هذا، تقدم لنا منى أبو النصر عملا نوعيا متميزا يجمع بين السرد والمعرفة والتحليل والجمال. يعكس الكتاب حب الكاتبة للزهور واهتمامها بالرموز الجمالية في الأدب والفن ، بما يجعل من الكتاب دعوة للقارئ لاكتشاف جماليات الزهور ودلالاتها العميقة ولغتها وشخصيتها في الأعمال السردية والفنية.

إبراهيم فرغلي كاتب وروائي مصري

مقالات مشابهة

  • بحل مشاكلي بنفسي.. نهى عابدين: والدتي مش موجودة معايا وحياتنا مختلفة عن بعض| فيديو
  • الصين تكشف عن دبابة بمواصفات نوعية.. ما ميزاتها؟
  • العاصمة التي كانت وسرديات الاستحقاق- تفكيك أسطورة الترف والامتياز
  • الحالة السردية للوردة المسحورة ألف ليلة وليلة من البستنة والإبداعية
  • مبعوث ترامب للمهام الخاصة: الأسلحة النووية التي تخلت عنها كييف كانت ملكا لروسيا
  • أثناء رفع الآذان.. درون إسرائيلية تلقي قنبلة أمام مسجد في الجنوب
  • هذه كمبالا التي تشرق منها شمس “التحول المدني الديمقراطي” لتغمر ظلام السودان????
  • عماد السالمي عن العيوب الفردية للاعبي المحور التي يجب تلافيها أمام اليابان
  • شاهد.. صور جديدة غاية في الجمال من الحرم المكي خلال ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان
  • الجيش الإسرائيلي،يقر بإطلاقه النار على مبنى للصليب الأحمر في مدينة رفح