"فورين بوليسي": أوروبا الموحدة أو المفتتة مرتبطة بعودة ترامب للبيت الأبيض!
تاريخ النشر: 29th, June 2024 GMT
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
تساءلت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية عن مستقبل قارة أوروبا؟ هل ستظل القارة السلمية والديمقراطية والموحدة كما هي الصورة التي عليها في العقود القليلة الماضية؟ أم أوروبا المفتتة والمتقلبة والمبتلاة بالصراعات التي كانت موجودة لقرون قبل ذلك؟
وترى المجلة الأمريكية أن الإجابة على هذا التساؤل ستتكشف إذا فاز دونالد ترمب بالانتخابات الرئاسية الأمريكية المقررة في نوفمبر المقبل، حيث كان ترمب يفكر في انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي (ناتو) خلال فترة ولايته الأولى كرئيس.
ويأمل المتفاءلون أن تتمكن أوروبا من الاستمرار في الازدهار حتى لو فقدت المظلة الأمنية الأمريكية (انسحاب واشنطن من حلف الناتو)، ولكن من المرجح أن أوروبا ما بعد أمريكا سوف تناضل من أجل التعامل مع التهديدات التي تواجهها، بل وربما ترتد في نهاية المطاف إلى أنماط ماضيها الأكثر قتامة وفوضوية وغير ليبرالية.
وأوضحت المجلة الأمريكية أن أوروبا تغيرت بشكل كبير منذ الحرب العالمية الثانية، حتى أن العديد من الناس لم يعد يتذكروا كيف بدت القارة يائسة ذات يوم، حيث كانت أوروبا أرض الحروب والمتاعب التي لا نهاية لها.
وبطبيعة الحال، لم تكن ولادة أوروبا الجديدة أمرا يسيرا، حيث تضمنت مجموعة من الالتزامات المتشابكة ذات التأثيرات الثورية. وكان الأمر الأكثر أهمية هو الالتزام الأمني الأمريكي، عبر حلف شمال الأطلسي، حيث كسرت الحماية العسكرية الأمريكية حلقة العنف المميتة داخل القارة، ولم يعد الأعداء القدامى (مثل فرنسا وألمانيا) مضطرين إلى الخوف من بعضهم البعض، وبالتالي التخلي عن سباقات التسلح التي ابتليت بها المنطقة، وحمل السلاح فقط في مواجهة التهديدات المشتركة للقارة العجوز.
وأشارت "فورين بوليسي" إلى أنه لم يكن المقصود من التزام الولايات المتحدة تجاه أوروبا أن يستمر ذلك إلى الأبد. فعلى سبيل المثال، كان بول هوفمان، الذي أشرف على خطة مارشال (المشروع الاقتصادي لإعادة إعمار أوروبا)، يحب أن يقول مازحا إن هدفه كان "جعل أوروبا تقف على قدميها وإنزالها عن ظهورنا (واشنطن)". كما تساءل الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور في خمسينيات القرن الماضي، عن متى يمكن للأوروبيين أن يتقدموا إلى الأمام حتى تتمكن واشنطن من "الجلوس والاسترخاء إلى حد ما".
بلا شك، فكرت الولايات المتحدة في عدة مناسبات في خفض أو حتى إلغاء وجود قواتها في أوروبا. ولا ينبغي أن يكون ذلك مفاجئا، فقد جلب الدور الأمريكي في أوروبا فوائد غير عادية، ولكنه فرض في الوقت نفسه تكاليفا غير عادية. فمن خلال توفير المساعدات الخارجية والسماح بالوصول غير المتماثل إلى أسواقها المحلية الواسعة، أعادت الولايات المتحدة بناء قارة وساعدت دولها على النمو بشكل أسرع من الولايات المتحدة نفسها.
ونبهت "فورين بوليسي" إلى أنه مع استمرار بعض المضايقات من دول أوروبية والتحديات الجديدة التي تجذب انتباه واشنطن إلى اتجاهات أخرى، أصبحت الشكوك بشأن استمرار التزامات أمريكا تجاه أوروبا أقوى من أي وقت مضى.
وفي هذا الصدد، لطالما أعرب ترمب عن أسفه للأعباء التي تتحملها واشنطن في حلف شمال الأطلسي، وقد هدد بالسماح للروس بأن يفعلوا "ما يريدون" مع الحلفاء الأوروبيين الذين لا يشاركون (يدفعون) في تحمل هذه الأعباء. ومن الواضح –وفقا لفورين بوليسي- أن ترمب يكره الاتحاد الأوروبي، حيث لا ينظر إليه باعتباره تتويجا للوحدة القارية، بل كمنافس اقتصادي شرس. وباعتباره شعبويا غير ليبرالي، فترمب لا يبالي لمصائر الديمقراطية الليبرالية في أوروبا. لذا، عندما يروج لسياسته الخارجية "أمريكا أولا"، فإنه يعني سياسة خارجية تتخلى فيها الولايات المتحدة عن الالتزامات غير العادية التي أخذتها على عاتقها منذ الحرب العالمية الثانية.
وأكدت المجلة الأمريكية أن الوقت قد حان للنظر بشأن احتمال أن تغادر الولايات المتحدة أوروبا في يوم من الأيام، وأن يتم التفكير فيما سيحدث بعد ذلك.
ونوهت المجلة إلى أنه في سيناريو متفائل، سوف تظل أوروبا ديمقراطية، ومتماسكة، وموحدة في مواجهة أعدائها، حيث إن انسحاب الولايات المتحدة قد يجبر الاتحاد الأوروبي على دعم أوكرانيا خلال الحرب الحالية، وإعطاء كييف ضمانات أمنية ذات معنى بعد السلام، وتحويل نفسها إلى جهة فاعلة عسكريا من الطراز العالمي من أجل درء روسيا والتهديدات الأخرى التي تصدت لها الولايات المتحدة في السابق. وبالتالي، فإن أوروبا ستظهر باعتبارها ركيزة قوية ومستقلة للنظام العالمي الليبرالي، وستكون واشنطن حينها حرة في التركيز على أولويات أخرى.
ولفتت "فورين بوليسي" إلى أنه بالنسبة للمشاكل المتعلقة بهذا السيناريو، فعلى سبيل المثال، عندما يروج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للتكامل الأوروبي كبديل للقيادة الأمريكية، يبدو أنه ينسى أن أوروبا أصبحت موحدة ومتماسكة على وجه التحديد بسبب مناخ الطمأنينة الذي قدمته واشنطن، وأن الاتحاد الأوروبي كان منقسما بشدة حول كيفية التعامل مع العدوان الروسي حتى فبراير 2022، إلى أن أخذت واشنطن زمام المبادرة في وقت مبكر في إمداد أوكرانيا. والدرس المستفاد هنا هو أنه من الصعب للغاية تنسيق العمل الجماعي بين العشرات من الدول (الأوروبية) ذات المصالح المختلفة، ما لم يكن هناك من يطرق الرؤوس بلطف ويوفر القيادة المهيمنة.
وعليه، فإن الاتفاق على من ينبغي أن يقود أوروبا سيكون صعبا، حيث إن فرنسا تتطلع دائما إلى القيادة، ولكن هذا الأمر يثير انزعاجا كبيرا لدى بعض الدول، خاصة في أوروبا الشرقية، التي لا تعتقد حقا أن باريس لديها الميل أو القدرة على التعامل مع أمنها على أنه أمنها الخاص. كما أن برلين تتمتع بالموارد الاقتصادية اللازمة لقيادة القارة، ولكن الطبقة السياسية فيها تشعر بالقلق منذ فترة طويلة من أن القيام بذلك سيؤدي ببساطة إلى إحياء المخاوف من القوة الألمانية.
وتتمثل مشكلة أخرى في هذا السيناريو في أن أوروبا القادرة على التعامل مع شؤونها الأمنية سوف تكون أكثر تسليحا مما هي عليه اليوم، وأنها ستستثمر بكثافة في الأسلحة الأكثر فتكا في العالم، وأنه مع فقدان المظلة النووية الأمريكية، يمكن لدول خط المواجهة التي تأمل في ردع روسيا - وفي المقام الأول بولندا - أن تسعى إلى الحصول على أسلحة نووية خاصة بها (سباق تسلح نووي).
وبالنسبة للسيناريو الثاني، فيتلخص في أوروبا، ما بعد أمريكا، الضعيفة والمنقسمة ــأو قارة لا تتقاتل بلدانها مع بعضها البعض ولكنها لا تدعم بعضها البعض. وإن هذه النسخة من أوروبا لن تكون بمثابة عودة إلى الفوضى بقدر ما ستكون استمرارا لحالة اللامبالة تجاه القضايا الوجودية. ففي هذا السيناريو، سوف يفشل الاتحاد الأوروبي في توفير القوة العسكرية اللازمة لتحرير أوكرانيا وحماية دول خط المواجهة الشرقية، وسوف تكافح القارة من أجل التعامل مع التهديد الاقتصادي والجيوسياسي الذي تفرضه الصين. كما قد تجد أوروبا نفسها عالقة بين ما وصفته المجلة الأمريكية بـ "روسيا العدوانية، والصين المفترسة، والولايات المتحدة المعادية" في عهد ترمب. وهذا هو السيناريو الذي يقلق ماكرون وغيره من الزعماء الأوروبيين.
وأوضحت "فورين بوليسي" أن تحقيق التوازن بين روسيا من دون قوة الولايات المتحدة سوف يتطلب زيادات هائلة ومرهقة ماليا في النفقات العسكرية الأوروبية، الأمر الذي قد يضطر الدول الأوروبية إلى فرض زيادات ضريبية ضخمة لا تحظى بشعبية أو خفض برامج الرعاية الاجتماعية. وقد تقبل بعض الدول، مثل بولندا ودول البلطيق، بدفع هذا الثمن للحفاظ على استقلالها، فيما قد يقرر آخرون أن الاستعداد العسكري لا يستحق تمزيق العقد الاجتماعي، وأن استيعاب روسيا "العدوانية" هو المسار الأكثر حكمة.
وفي السيناريو الثالث، قد يبدو مستقبل أوروبا مشابها إلى حد كبير لماضيها. فمع انحسار نفوذ واشنطن المعزز للاستقرار، تبدأ العداوات الوطنية المكبوتة منذ فترة طويلة بين بعض دول أوروبا في الظهور من جديد. وفي هذا الوضع، تبدأ الدول الأوروبية في تسليح نفسها بشكل أكبر، ويسعى البعض إلى تحقيق الأمن الذاتي الذي لا يمكن أن توفره إلا الأسلحة النووية، وتتراجع الديمقراطية مع انتشار النزعة القومية غير الليبرالية، والتي تتسم في كثير من الأحيان بكراهية الأجانب. ومع مرور الوقت، وقد يستغرق الأمر أعواما، وربما عقودا، تصبح أوروبا ما بعد أمريكا مرتعا للتطرف والتنافس.
وخلاصة الأمر أن أوروبا ما بعد أمريكا سوف تختلف جوهريا عن أوروبا التي نعرفها، خاصة وأن أوروبا اليوم هي نتاج تشكيل فريد تاريخيا وغير مسبوق من القوة والنفوذ أنشأته الولايات المتحدة.
وقد يتوهم أنصار أمريكا أولا أن الولايات المتحدة يمكنها تحقيق كافة الامتيازات المترتبة على استقرار أوروبا من دون دفع أي من التكاليف. ولكن الواقع يشير إلى أن أوروبا الأضعف والأكثر تشرذما من شأنها أن تجعل من الصعب على العالم الديمقراطي أن يتعامل مع التحديات التي تفرضها روسيا، أو الصين، أو إيران. كما أنه إذا تحولت أوروبا إلى الظلام والشر مرة أخرى، فقد تقوم مرة أخرى بتصدير صراعاتها إلى العالم، وبالتالي تعريض ما هو أكثر بكثير من مستقبل أوروبا للخطر.
المصدر: البوابة نيوز
كلمات دلالية: أوروبا واشنطن الاتحاد الأوروبي ترمب المجلة الأمریکیة الولایات المتحدة الاتحاد الأوروبی ما بعد أمریکا فورین بولیسی التعامل مع فی أوروبا أن أوروبا إلى أنه فی هذا إلى أن
إقرأ أيضاً:
هل تهمش واشنطن أوروبا في سلام أوكرانيا؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
أثار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عن بدء محادثات سلام مباشرة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإنهاء الحرب في أوكرانيا موجة من الذهول والقلق في العواصم الأوروبية.
وبينما تسعى واشنطن وموسكو إلى التوصل إلى تسوية، وجدت أوروبا نفسها مستبعدة من هذه المحادثات، ما أثار تساؤلات حول مدى تأثيرها في صياغة مستقبل الأمن والاستقرار في القارة.
قلق أوروبي من تهميش دور القارة
استقبل القادة الأوروبيون هذا الإعلان بمزيج من الغضب والقلق، معبرين عن استيائهم من استبعاد الاتحاد الأوروبي وكييف من المفاوضات.
في ألمانيا، عبر وزير الدفاع بوريس بيستوريوس عن أسفه لأن واشنطن قدمت تنازلات لروسيا حتى قبل بدء المفاوضات مع أوكرانيا، محذرًا من أنه سيكون من "السذاجة" الاعتقاد بأن تهديد موسكو سينتهي بمجرد توقيع اتفاق السلام.
من جانبها، وصفت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك الإعلان بأنه "مفاجئ"، مشيرة إلى أن أوروبا بحاجة إلى التحدث مع الولايات المتحدة لتوضيح أهمية التعاون الأمني عبر الأطلسي.
أما في بروكسل، فقد شددت مفوضة الأمن في الاتحاد الأوروبي، هينا فيركونين، على ضرورة أن تلعب أوروبا وأوكرانيا دورًا محوريًا في أي مفاوضات سلام، مؤكدة أن الولايات المتحدة حليف أساسي لكن لا يمكنها تقرير مستقبل الأمن الأوروبي بشكل منفرد.
في السياق ذاته، حذر المتحدث باسم المفوضية الأوروبية من أن روسيا "لا يجب أن تُكافأ على عدوانها"، مشيرًا إلى أن أي اتفاق سلام غير مستدام لن يؤدي إلا إلى مزيد من الحرب وعدم الاستقرار.
الناتو والمخاوف الأمنية الأوروبية
لم تكن الاستجابة الأوروبية مقتصرة على الاتحاد الأوروبي فقط، بل امتدت إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حيث أكد الأمين العام للحلف، مارك روته، أن أوكرانيا يجب أن تكون جزءًا أساسيًا في جميع المحادثات المتعلقة بها، محذرًا من أن أي اتفاق يتم فرضه من الخارج قد لا يكون مستدامًا على المدى الطويل.
كما عبرت بريطانيا عن قلقها، حيث أكد وزير الدفاع جون هيلي أن موسكو لا تزال تشكل تهديدًا أوسع من مجرد أوكرانيا، مشددًا على أن أي مفاوضات يجب أن تضع كييف في مركزها.
في فرنسا، اعتبر وزير الدفاع سيباستيان ليكورنو أن أي محاولة لتحقيق "السلام من خلال الضعف" ستكون نهجًا خاطئًا، محذرًا من أن مثل هذا الاتفاق قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الأمنية بدلًا من تهدئتها. وفي دول البلطيق، وصف وزير الدفاع الليتواني دوفيلي شاكاليني التطورات الأخيرة بأنها "الأكثر ظلمة منذ الحرب العالمية الثانية"، معتبرًا أن غياب التعاون بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار العالمي.
التداعيات المحتملة لمستقبل أوروبا وأوكرانيا
مع تصاعد المخاوف من استبعاد أوروبا من المحادثات، أعربت عدة دول عن قلقها بشأن الدور الذي ستُجبر على لعبه بعد التوصل إلى اتفاق سلام. في بولندا، أكد رئيس الوزراء دونالد توسك أن تحقيق "سلام عادل" يتطلب تعاونًا وثيقًا بين أوكرانيا، أوروبا، والولايات المتحدة.
أما في هولندا، فقد شدد وزير الدفاع روبن بريكلمانز على ضرورة تقديم "ضمانات أمنية قوية" لضمان عدم اندلاع صراع جديد في المستقبل.
من جهتها، أكدت إسبانيا على ضرورة أن يكون لدى الأوروبيين "فهم مشترك لما يجري"، حيث شدد وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس على أنه لا يمكن اتخاذ أي قرارات بشأن الأمن الأوروبي دون مشاركة أوروبا وأوكرانيا.
وفي إيطاليا، اعتبر وزير الخارجية أنطونيو تاجاني أن عودة الولايات المتحدة وروسيا إلى المحادثات أمر إيجابي، لكنه شدد على أن أي اتفاق يجب أن يكون قائمًا على أساس "سلام عادل ودائم"، وليس مجرد هدنة مؤقتة قد تؤدي إلى تصعيد مستقبلي.
بينما تتجه الولايات المتحدة وروسيا نحو التفاوض، تجد أوروبا نفسها في موقف حرج، حيث تخشى أن تتحمل العبء الأكبر لإعادة إعمار أوكرانيا وضمان استقرارها دون أن يكون لها أي تأثير على شروط الاتفاق.
ومع غموض موقف إدارة ترامب من التعاون مع الحلفاء التقليديين، يبقى السؤال المطروح: هل ستقبل أوروبا بدور الممول فقط، أم أنها ستتمكن من فرض نفسها على طاولة المفاوضات؟ في ظل هذه التطورات، يبدو أن القارة العجوز تواجه اختبارًا حقيقيًا لوحدتها وقدرتها على الدفاع عن مصالحها في عالم متغير.