أثارت قرارات السلطات المصرية المتتابعة بحق السودانيين المقيمين على أراضيها، الجدل والتساؤلات، حول ما إذا كانت تلك القرارات بهدف إلزام الأشقاء السودانيين بقوانين جارتهم الشمالية، الإدارية، والتنظيمية، وتقنين الأوضاع، وتنظيم الأعمال والخدمات، أم أنها تأتي بدعوى التضييق على الجيران القادمين من الجنوب بفعل الحرب الدموية، وجباية بعض الأموال منهم، لدعم اقتصاد القاهرة المتداعي.



وأصدرت السلطات المصرية، قبل أيام قرارا، بإغلاق جميع الأعمال والأنشطة التجارية غير المقنّنة الخاصة بالسودانيين في القاهرة، اعتبارا من الأحد، 30 حزيران/ يونيو الجاري.

ونقلت بعض الصفحات السودانية عن مهاجرين سودانيين في مصر، قولهم إن حكومة القاهرة أخطرت إدارات المدارس السودانية بضرورة إغلاقها، إلى حين إبراز الأوراق والتصاديق اللازمة للعمل، فيما أوقفت بعض المدارس عملها منذ الأربعاء الماضي، وهو ما اعتبرته بعض المواقع السودانية تضييقا على السودانيين.

وفي 14 حزيران/ يونيو الجاري، رحّلت السلطات المصرية 721 سوداني إلى معبر أرقين الحدودي، بعدما دخلوا أراضيها عبر 7 حافلات بطريقة غير شرعية، وأوقفتهم السلطات الأمنية المصرية في محافظة قنا، جنوب البلاد، وفق وكالة الأنباء السودانية.

ويشكو مهاجرون سودانيون من سوء المعاملة الأمنية في مصر، ما دعا منظمة العفو الدولية في 19 حزيران/ يونيو الجاري، لمطالبة السلطات المصرية بإيقاف الاعتقالات التعسفية والإعادة القسرية للاجئين السودانيين الفارين من النزاع المسلح في السودان.

تلك القرارات أغضبت السودانيين المقيمين في مصر، واعتبروها تضييقا عليهم؛ وعلى الجانب الآخر، أعرب بعض المصريين عن ضجرهم من كثرة أعداد السودانيين في القاهرة، وخاصة بعد ضجة أحدثها تعليق محل حلاقة سوداني بمدينة السادس من أكتوبر غرب القاهرة، بها "حلايب وشلاتين" سودانية.

كذلك، إن الأعداد الكبيرة للسودانيين المتواجدين ببعض أحياء القاهرة، دفعت عدد من المصريين، في ظل معاناتهم الحياتية والاقتصادية والمالية والتضخم والغلاء بفعل سياسات رئيس النظام عبد الفتاح السيسي، لاتهام السودانيين في مصر بالتسبب في رفع أسعار السكن، والطعام، والخدمات، والمواصلات.


"من الحرب إلى الجوع"
وفي حديثهم لـ"عربي21"، قال عدد من السودانيين إن "السلطات المصرية تواصل تشديد الإجراءات بحقهم، بداية من دخول البلاد وحتى الإقامة فيها"، وذلك وفق قول 3 أسر كاملة مكونة من 25 فردا بين رجال ونساء وأطفال، يقيمون في شقة بالدور الأرضي بالمجاورة الخامسة بمدينة بدر القريبة من العاصمة الإدارية الجديدة.

وأوضحوا عبر اتصال هاتفي أن "الحكومة المصرية تطلب منّا دفع مبالغ مالية كبيرة، نعجز عن دفعها لتوفيق أوضاعنا"، مشيرين إلى أن "الأمر ليس سهلا فالمطلوب توفيق أوضاع أسر كاملة، وليس فردا أو فردين".

وأشاروا إلى أن "ما نتحمله كأسر من أموال لدفع الإيجارات المبالغ فيها كبير، بجانب مقابل خدمات الكهرباء والمياه والإنترنت والتليفون والمواصلات، وكذلك المدارس، والطعام والشراب الملابس، بينما الكل بلا دخل وبلا عمل".

وأكد أحدهم، أنه من ينفق على هذا الجمع الغفير، وأنه يمتلك مدرسة في الخرطوم يأتيه منها بعض المال، الذي "لو توقف فسيكون مصيرهم الجوع".

وطالبت الأسر الثلاثة السلطات المصرية بأن تكون "رحيمة بنا"، قائلين: "لا يجب أن نهرب من الحرب إلى التضييق والجوع، خاصة في ظل عدم وجود وظائف أو أعمال"، فيما طالبوا شباب السودانيين بـ"احترام قوانين مصر، واحترام أهلها، وعدم افتعال الأزمات".

"وضع كارثي"
وتزامن قدوم المهاجرين السودانيين إلى مصر، مع تأزم أوضاع شقيقتهم الكبرى، بين اقتصاد يعاني، واستنزاف لموارد البلاد، وشح في العملات الصعبة وتغول ملف الديون الخارجية، وعجز الحكومة عن توفير السلع والخدمات، وقطع الكهرباء، ورفع أسعار الخبز، وغيره من السلع الاستراتيجية.

وفي المقابل، تشهد السودان أسوأ أزمات العصر الحديث، مع اندلاع حرب دموية بين الجيش بقيادة رئيس مجلس السيادة ،عبد الفتاح البرهان، وقوات الحشد السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو، منذ 15 نيسان/ أبريل 2023، أدت إلى هجرة أكثر من 1.7 مليون سوداني للبلدان المجاورة، ومنها مصر، بحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وفي نيسان/ أبريل الماضي، أكّد الموقع الرسمي لمنظمة الأمم المتحدة أنه منذ اندلاع حرب السودان وتضاعف عدد اللاجئين السودانيين المسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر 5 أضعاف، ليصل إلى 300 ألف سوداني، فيما ينتظر نحو 250 ألفا آخرين قرار تسجيلهم.

ووفق تقرير رسمي لمجلس الوزراء المصري، يعيش في مصر نحو 9 ملايين "مقيم ولاجئ" من 133 دولة يمثلون 8.7  في المئة من نحو 106 ملايين نسمة هم عدد سكان مصر في الداخل، فيما يمثل السودانيون حوالي 4 ملايين بين مقيم ولاجئ، بحسب تقارير المنظمة الدولية للهجرة.



ويعتقد سودانيون أن هناك حملة كراهية ممنهجة ضدهم، فيما يرى البعض أن الحكومة المصرية قبضت ثمن لجوئهم إليها من الاتحاد الأوروبي، مشيرين إلى إعلان الاتحاد الأوروبي، في آذار/ مارس الماضي، منح القاهرة تمويلا قدره 7.4 مليار يورو، بهدف منع موجات الهجرة إلى القارة العجوز.
‌‌
ويطالب المتعقلين من الجانبين على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، بوقف الاتهامات والشحن عبر مواقع التواصل، والإبقاء على روابط الأخوة بين شعبي وادي النيل، وبينهم الكاتب والباحث المصري محمد فخري، الذي دعا لوقف بث "نيران الكراهية والفتنة بين الشعبين الشقيقين المصري والسوداني".

‌‌

"عربي21"، تحدثت مع شخصيات مصرية وسودانية وازنة حول الإجراءات المصرية وهل هي بدعوى التقنين، وعلى السودانيين الالتزام بها، أم أنها للتضييق عليهم، ولجني بعض الأموال بالعملة الصعبة.

"عوائق العابرة ستزول"
وهنا، قال الكاتب الصحفي والإعلامي السوداني، عبد المطلب مكي، إن "قضية نزوح السودانيين إلى مصر معقدة جدا؛ لاعتبارات الحقوق المتبادلة بين طرفي هذه المعادلة، وبالتالي من الصعب تأطير القضية بما يحكم العلاقة بين اللاجئ أو النازح والدولة المضيفة".

الأكاديمي السوداني، أوضح لـ"عربي21"، أن "السودانيين نزحوا إلى مصر بأعداد كبيرة؛ وحتى الآن لم يُحسم توصيف هذا التواجد، بمعنى، هل هم نازحون أم لاجئون أم مهاجرون أم مجرد زوار عابرون؟".

ولفت إلى أن "منشأ التعقيد في القضية هو أن مصر من حقها التصرف كدولة ذات سيادة تجاه كل من يقيم في أراضيها؛ وبالتالي لا نتوقع ممارسة أي نشاط تجاري أو تعليمي أو صناعي دون الحصول على موافقات لازمة".

ويرى أنه "في الجانب الآخر للسودانيين حقوق تاريخية وقانونية كنازحين أو كلاجئين بالإضافة إلى حقوق العلاقات التاريخية المعروفة".

مكي، يعتقد أن "سبب المشكلة متعلق بغياب الدور الحكومي لانشغال الحكومة السودانية بالحرب مما حرم السودانيين من التمتع بعلاقة منظمة بين الطرفين تحكمها لوائح وقواعد محددة".

وأكد أنه "لكل حرب إفرازات سالبة، مثل تفلت بعض الشباب، وهذا قد يؤدي إلى حالة كراهية حدثت لكثير من اللاجئين في بلدان أخرى".

وقال إن "السودانيين والسوريين واليمنيين وبحكم أوضاع الحروب في بلدانهم؛ هم ضيوف، وعليهم الالتزام بقوانين البلدان التي يعيشون فيها، وإلا واجهتهم تيارات من دعاة الكراهية".

وضرب المثل بما حدث لـ"الأتراك في ألمانيا، وبعض السوريين في تركيا، وللمهاجرين الأوائل مثل الأرمن والغجر والأكراد؛ فقد تعرضوا لحالات من التنميط والحط من القدر في بلدان النزوح".

وأوضح الأكاديمي والإعلامي السوداني، أن "هذا هو الخطر الذي يحيق بالسودانيين حاليا؛ ليس في مصر وحدها، بل في الخليج، وأوروبا، والدول الأفريقية المجاورة".

وخلص للقول إن "العلاقات السودانية المصرية لن تتأثر بالأحداث العابرة، خاصة وأن المصريين أقاموا في السودان قبل مئات السنين، وكذلك السودانيون أقاموا في مصر، ولم تعكر صفو العلاقة بين الشعبين أي خلافات جذرية".

وأنهى حديثه معربا عن تفاؤله بأن "العوائق العابرة ستزول، والواقع يقول إن المصريين والسودانيين شعب واحد في بلدين، وستبقى العلاقة كذلك".


"إجراءات جبائية"
وفي رؤيته، قال الكاتب الصحفي المصري، محمد فخري: "للأسف فما يحدث هو تضييق على الإخوة السودانيين، وباقي الأشقاء القاطنين في مصر، وكل الإجراءات التي يبتدعها النظام تحت مسمى التقنين وتصحيح الأوضاع هى إجراءات تعسفية، وهدفها الأول هو الجباية ومحاولة الحصول على النقد الأجنبي".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد فخري، أنه "أمر يتنافى تماما مع دور مصر وتاريخها تجاه أشقائها، ولقد ظلت طوال عمرها تفتح ذراعيها وتحتضن ليس الأشقاء في الدين والعروبة فقط، بل لكل من يلجأ إليها من أنحاء العالم".

ويعتقد أن "تلك الإجراءات الجبائية؛ تأتي في إطار سياسة عامة للنظام تعتمد على مص دماء المواطنين وابتلاع خيراتهم، في صورة ضرائب جائرة، وخدمات باهظة، وسلع غالية ترتفع أسعارها باستمرار".

وختم بالقول: "وما يفعله النظام من استخدام الذباب الإلكتروني في بث روح التفرقة والفتنة وإذكاء الكراهية بين شعبي وادي النيل هو أمر في منتهى الخسة ولا يمكن أن يقوم به نظام وطني".

"كراهية ممنهجة بدعم أمني"
من جانبه، أكد الباحث السوداني، وائل نصر الدين، أنه "لا يمكن لأحد منع مصر من تطبيق قوانينها على الداخلين إلى أراضيها؛ ولكن أعتقد أن هناك محاولة لتحميل السودانيين دون بقية الجنسيات المقيمة في مصر بأنهم سبب أزمة انقطاع الكهرباء، وأزمة العملة الصعبة".

أضاف نصر الدين في حديثه لـ"عربي21"، أن "هناك محاولة لصناعة حالة من الكراهية الممنهجة بحق السودانيين، وأعتقد أن هناك جهات أمنية مصرية تدعم بعض نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي لتكريس تلك الحالة تحت مسمى القومية المصرية وغيرها من وسائل التحريض على السودانيين".

"لا أقتنع تماما أن هذه العمليات بريئة"، يؤكد الباحث السوداني، مشيرا إلى أنه "عندما تطاول المغني محمد فؤاد على السودان عام 2010 في عهد الرئيس مبارك، اعتذر شخصيا للخرطوم، وتم وقف البرنامج التليفزيوني الذي أذاع تصريحات فؤاد".

وأشار إلى أن "ما نشاهده الآن عملية واضحة لصناعة عدو، وتصوير السودانيين كأعداء للمصريين وبث الكراهية، وذلك بعيدا عن هدف جمع الرسوم، التي أعتقد أنها غير قانونية، حيث أنه بين السودان ومصر اتفاقية الحريات الأربعة، وكان عليها قبل أن تقرر جمع الرسوم مراجعة تلك الاتفاقيات أو الغائها"، ملمحا إلى اتفاقية العام 2004، بحرية "التنقل والإقامة والعمل والتملك".

وعاد نصر الدين، للتأكيد على أن "من حق مصر جمع الرسوم والتقنين، وهو ما لا ينكره السودانيون، وليس لديهم أي مانع للدفع وتقنين أوضاعهم"، ملمّحا إلى أن "هناك أعداد كبيرة من السودانيين يحاولون الحصول على تأشيرة الدخول بشكل رسمي، ولا يدخل بالتهريب إلا عدد بسيط، ولكن هناك تضخيم لموضوع التهريب".

ولفت إلى أنه "بكل مجتمع هناك نسبة سيئة؛ لكن السودانيين والمصريين معا منذ فجر التاريخ، والمؤسف أنه الآن يتهم البعض السودانيين بأنهم مجرمون في إطار حملة الكراهية العجيبة".


وشدد على أهمية "الالتزام بتقنين الأوضاع، للجالية السودانية والمحلات والمدارس وغيرها؛ لكن دون شيطنة السودانيين"، مؤكدا أنها "خطوة غير حكيمة، وللأسف مصر استخدمت هذا الخطاب عام 1995 عند محاولة اغتيال مبارك في أديس أبابا، وسبّبت جرحا بين الشعبين، وحتى العام 2019، كانت الفضائيات المصرية تقول إن السودان يؤوي الإرهابيين".

وأكد أن "ما يتم صناعته الآن، يمثل جُرحا في النسيج المصري السوداني، بخلق الكراهية والتمييز العرقي والخطاب الفاشي الذي يقابله في السودان خطاب فاشي مضاد، أيضا، يخلق فجوة كبيرة بين الشعبين".

وفي نهاية حديثه، يعتقد نصر الدين، أن "هناك محاولة للضغط على الجالية السودانية بالمخالفة لاتفاقية الحريات الأربعة، وإذا أرادت مصر أن تعالج الأمر، فليكن بصورة شفافة ويتم التعامل مع السودانيين مثل باقي الشعوب، فهناك اعتقاد أن هذه الاجراءات استهدفت السودانيين فقط، فهناك مدارس سورية ويمنية وفلسطينية وليبية ومحلات سورية لا يقتربون منها".

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة مقابلات سياسة دولية المصرية السودانيين البرهان مصر السودان اللجوء البرهان المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة السلطات المصریة بین الشعبین على السودان نصر الدین فی مصر إلى أن

إقرأ أيضاً:

هل تغلق أوروبا باب اللجوء أمام الأتراك؟

أنقرة- في خطوة جديدة ضمن مساعيها لإصلاح سياسة اللجوء، طرحت المفوضية الأوروبية مقترحا لإقرار قائمة موحدة للدول الأصلية الآمنة التي يفترض أن مواطنيها لا يواجهون خطرا جديا يبرر منحهم حق اللجوء.

ويهدف هذا التوجه إلى تسريع البت في الطلبات، وترحيل من تُرفض ملفاتهم بسرعة، في محاولة لتخفيف الضغط المتزايد على أنظمة اللجوء في دول الاتحاد التي تواجه تكدسا في الملفات وتناميا في الطلبات المصنفة على أنها "غير مستحقة".

وتتضمن القائمة الأولية 7 دول هي كوسوفو، ومصر، وتونس، والمغرب، والهند، وبنغلاديش، وكولومبيا. ويُفترض أن يتم التعامل مع طلبات مواطنيها عبر إجراءات معجّلة، وبافتراض مبدئي بعدم وجود حاجة للحماية، ما لم يُثبت مقدم الطلب العكس.

تركيا مرشحة

في خضم هذا النقاش، حجزت تركيا لنفسها مكانا مركزيا في الجدل باعتبارها دولة مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي منذ سنوات.

ووفقا لما أعلنته المفوضية، فإن الدول المرشحة تُعتبر من حيث المبدأ بلدانا آمنة لكونها ملزمة باحترام معايير الديمقراطية، وسيادة القانون، وحقوق الإنسان ضمن إطار مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد.

ورغم أن القائمة الأولية التي اقترحتها لم تذكر تركيا صراحة، فإن الوثيقة أوضحت أن استبعاد دولة مرشحة قد يتم فقط في حالات استثنائية، مثل وجود نزاع مسلح على أراضيها، أو خضوعها لعقوبات أوروبية، أو تجاوز نسبة قبول طلبات لجوء مواطنيها في الاتحاد عتبة الـ20%، وهي جميعها شروط لا تنطبق على أنقرة في الوقت الحالي.

إعلان

من جهتها، لم تُصدر تركيا أي اعتراض رسمي على المقترح الأوروبي الأخير، بل تظهر مؤشرات على ترحيب ضمني بإدراجها كبلد آمن، كونه يعزز موقعها السياسي في سياق مساعي الانضمام إلى الاتحاد. وتشدد على أنها تكفل الحماية القانونية لمواطنيها، وترفض ما تصفه بـ"التسييس الأوروبي" لملف اللجوء.

وقد دأبت السلطات التركية على انتقاد منح بعض دول الاتحاد اللجوء لمواطنين أتراك تعتبرهم مطلوبين لديها، حيث وصفت وزارة الخارجية التركية قرار اليونان منح اللجوء لعسكريين أتراك متورطين في محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016 بأنه قرار ذو دوافع سياسية، واتهمت أثينا بـ"حماية الانقلابيين".

طلبات مرتفعة

تعكس البيانات الرسمية الصادرة عن وكالة اللجوء الأوروبية والمكتب الإحصائي للاتحاد الأوروبي مسارا متصاعدا في عدد طلبات اللجوء المقدمة من المواطنين الأتراك إلى دول الاتحاد خلال السنوات الأخيرة، تخلله تراجع طفيف في عام 2024.

ففي عام 2019، سُجلت قرابة 25 ألفا و885 طلب لجوء من مواطنين أتراك، ما وضع أنقرة حينها في المرتبة السادسة بين أكبر الجنسيات المقدمة للجوء في أوروبا. ومع تفشي جائحة كورونا في العام التالي، انخفض العدد إلى نحو 15 ألفا و834 طلبا، متأثرا بقيود السفر وإغلاق الحدود.

لكن المنحنى عاد إلى الصعود اعتبارا من 2021، إذ سُجل نحو 23 ألفا و764 طلبا، ليتضاعف الرقم تقريبا في 2022 ويبلغ 55 ألفا و446 طلبا، مسجلا أعلى مستوى منذ سنوات.

وفي 2023، وصلت طلبات اللجوء من تركيا إلى ذروتها، حيث بلغت قرابة 101 ألف طلب، بزيادة تفوق 82% عن العام السابق، ما جعلها في الرتبة الثالثة ضمن أكبر الدول المصنفة مصدرا لطالبي اللجوء بعد سوريا وأفغانستان.

في المقابل، شهد عام 2024 تراجعا حادا في الطلبات، إذ بلغ عددها نحو 56 ألفا فقط، أي ما يقارب نصف ما سُجل في 2023، بحسب أحدث بيانات وكالة اللجوء الأوروبية. وقد أعادت هذه الانخفاضات أنقرة إلى المرتبة الرابعة بين الدول الأكثر تصديرا لطالبي اللجوء في أوروبا.

إعلان

إلى جانب تزايد الطلبات، تشير الإحصاءات إلى مسار عكسي في معدلات القبول، فبينما كانت نسبة الاعتراف بطلبات اللجوء التركية عام 2019 تقارب 54%، بدأت هذه المعدلات بالانخفاض عاما بعد آخر. ففي 2020، بلغ معدل القبول 45%، ثم 41% في 2021، وانخفض إلى 37% فقط في 2022.

وفي 2023، وصلت نسبة القبول إلى أدنى مستوياتها، حيث لم تمنح صفة لاجئ إلا لحوالي 23% من المتقدمين، بينما حصل 1% فقط على حماية فرعية، وتم رفض نحو 75% من الطلبات المقدّمة. أما في النصف الأول من 2024، فقد تراجع معدل القبول مجددا إلى 17% فقط، بحسب وكالة اللجوء الأوروبية، ما يعكس استمرار تشدد العواصم الأوروبية في التعامل مع الطلبات التركية.

أسباب متعددة

أوضح الباحث في دراسات الهجرة حيدر هالوك جيلان، للجزيرة نت، أن طلبات اللجوء تُقبل أو تُرفض بناء على معايير دقيقة نصت عليها اتفاقية جنيف لعام 1951 وبروتوكولها الإضافي عام 1967، والتي تشترط:

أن يكون مقدم الطلب خارج بلده الأصلي. أن يُثبت وجود خطر حقيقي يُهدد حياته بسبب انتمائه العرقي أو الديني أو السياسي أو الاجتماعي.

وأضاف أن هذه الشروط لا تقيّم بحسب الدولة فقط، بل تُدرس وفقا لكل حالة على حدة. ويرى أن بعض التحولات السياسية التي شهدتها تركيا، مثل احتجاجات "غزي بارك"، ومحاولة انقلاب 2016، والجدل حول نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة، دفعت شريحة من المواطنين إلى التفكير في مغادرتها.

لكنه استدرك بالقول إن مسألة اعتبار تركيا "دولة منشأ آمنة" لا تُحسم جماعيا، بل تقيّم على مستوى كل طلب فردي، مستشهدا بحالات "الدولدونغ" في ألمانيا، وهو وضع قانوني مؤقت يُمنح لمن رُفضت طلباتهم ولكن لم ينفذ ترحيلهم، والذي يستخدم على نطاق واسع بين المتقدمين الأتراك.

وأشار جيلان إلى أن دوافع التقدم بطلبات اللجوء لم تقتصر على الأسباب السياسية، بل شملت أيضا عوامل اقتصادية لا سيما في ظل موجات "هجرة العقول" من تركيا، وهو ما ينعكس في الطلبات التي ترفض غالبا لأن الدوافع الاقتصادية لا تعد مبررا قانونيا للحماية الدولية.

إعلان

وحول الجدل بشأن احتمال إدراج أنقرة رسميا ضمن قائمة الدول الآمنة، قال الباحث إن هذا الاحتمال وارد في ضوء تفعيل مقترح المفوضية الأوروبية الأخير، خاصة مع تصاعد النزعات الشعبوية واليمينية في عدد من الدول الأوروبية، والتي باتت تضغط باتجاه مزيد من السياسات التقييدية على المهاجرين.

من جانبه، يرى المحلل السياسي جنك سراج أوغلو أن إثارة مسألة تصنيف تركيا كدولة آمنة لا يمكن فصلها عن السياق السياسي الأوسع الذي يحكم العلاقات بينها وبروكسل، معتبرا أن الملف يتجاوز البعد القانوني ويتصل مباشرة بموازين التفاوض بين الطرفين.

وقال للجزيرة نت إن الاتحاد الأوروبي يبقي هذا التصنيف في مستوى الغموض المتعمد، لا سيما أن استخدامه كورقة ضغط قابل للتفعيل في ملفات شائكة مثل اتفاقية الاتحاد الجمركي أو ترتيبات إعادة اللاجئين، مضيفا أن هذا التوظيف السياسي يظهر كيف أصبحت قضايا الهجرة مرتبطة مباشرة بتوازنات المصالح لا بالمبادئ فقط.

مقالات مشابهة

  • أبرز الأرقام المتعلقة بعودة السودانيين من مصر إلى السودان
  • نقابة الصحفيين السودانيين تدين اعتقال الصحيفة امتثال عبد الفضيل من السلطات العسكرية بمدينة كسلا
  • هل تغلق أوروبا باب اللجوء أمام الأتراك؟
  • عاجل - رئيس الوزراء يقرر مد فترة تقديم طلبات التصالح في مخالفات البناء لمدة 6 أشهر إضافية
  • تسهيلات جديدة لعودة السودانيين من مصر
  • شاهد بالفيديو.. على إيقاع “الطبلة” المصرية.. الفنانة السودانية وجدان الملازمين تدخل في وصلة رقص مثيرة مع شاب مصري والجمهور: (فيفي عبده السودان)
  • خالد سلك: “أنتم جبناء، سنعود إلى السودان، ولن نجدكم!”
  • مظاهرة للمعلمين في تعز تطالب بتحسين أوضاعهم المعيشية ومكتب التربية يطالب بتأجيل امتحانات الثانوية العامة
  • محافظ الفيوم يتابع معدلات الأداء بملف تقنين أراضي أملاك الدولة.. صور
  • محافظ الفيوم يتابع معدلات الآداء بملف تقنين أراضي أملاك الدولة