ضغوط اعلامية وسياسية وديبلوماسية.. لا حرب واسعة
تاريخ النشر: 28th, June 2024 GMT
يستمر التهويل الذي يتعرض له لبنان منذ عدّة ايام بالتوازي مع التهديدات الاسرائيلية بتوجيه ضربة كبيرة ضدّ "حزب الله" في لبنان وسوريا بعد انتهاء معركة رفح التي تحتاج اسابيع قليلة جداً بحسب التقديرات لدى الحكومة الاسرائيلية، اذ شهدت المرحلة الاخيرة وساطات وتواصلا غربيا كبيرا مع بيروت ومع حارة حريك من اجل الوصول الى ما يسميه هؤلاء الوسطاء ضبط الجبهة ومنع توسعها وصولاً الى وقف اطلاق النار في لبنان بالتوازي مع انتقال الجيش الاسرائيلي الى المرحلة الثالثة من الحرب في غزة.
وبحسب مصادر مطلعة فإن الهدف الفعلي من كل ما يحصل هو الوصول الى اجبار الجبهة اللبنانية على ايقاف دعمها العسكري لغزة مع بدء المرحلة الثالثة التي ستشمل وقف الحرب البرية وانسحاب الجيش الاسرائيلي من المدن الكبرى في القطاع مع ابقاء قوات كبيرة فيه، من اجل القيام بعمليات اغتيال او اقتحام عندما تقتضي الحاجة، لكن عمليا ستكون الحرب بمفهومها المرتبط بالكثافة النارية وبالعمليات البرية قد توقفت، من دون اعلان ذلك بشكل واضح، ومع الاستمرار بإحتلال غزة والسيطرة عليها وعدم تسليمها لاي سلطة محلية حتى لو لم تكن حماس.
وترى المصادر أن واشنطن تعتقد أنها قادرة على اقناع "حزب الله" بإيقاف الجبهة في لبنان، وهذا يتطلب ضغوطاً من انواع عدة، لكي تكون المفاوضات والتسوية مع الحزب رابحة اميركياً وتالياً إسرائيلياً، وعليه فإن إلزام الحزب او اقناعه بوقف اطلاق النار ليس كافياً بل ان المطلوب هو تسوية مرضية ومناسبة لا تكسر موازين القوى الى الأبد بين الحزب وإسرائيل لصالح الاول، وقد تكون الضغوط التي تحصل اليوم مجرد محاولة لإيهام حارة حريك ان الحرب واقعة لا محالة في حال لم تقدم تنازلات.
وتشير المصادر الى أن التهديدات الاسرائيلية تترافق بشكل جدي مع حشود عسكرية اسرائيلية برية وتقنية بإتجاه الحدود مع لبنان وهذا ما يعطي "صدقية" اكبر للحكومة الاسرائيلية التي دمرت "صدقيتها" بسبب التهديدات المتكررة الفارغة منذ بداية "طوفان الاقصى". وعليه فإن المرحلة المقبلة ستشهد اجراءات اسرائيلية تظهر المزيد من الجدية في البدء بعملية التصعيد خلال الاتي من الايام، علما ان واشنطن لا تعطي عبر تصريحاتها اي ضوء أخضر للاسرائيليين لكي يبدأوا تصعيداً ممنهجاً في الجنوب.
وتعتبر المصادر ان التسريبات التي حصلت بشأن مطار بيروت لا تخرج ابداً من سياق الضغوط التي يراد فرضها على الدولة اللبنانية والمجتمع اللبناني لكي يزيد الضغط بدوره على "حزب الله"، كما ان التحذيرات الديبلوماسية التي تنقل الى لبنان والتي تحسم امكانية قيام الجيش الاسرائيلي بحرب واسعة ضدّ الحزب في حال فشلت الوساطات، تخدم الهدف نفسه وكذلك البيانات الصادرة عن السفارات الغربية التي تدعو مواطنيها الى الحذر ولا تشجعهم على زيارة لبنان.
كل ما تقدم يرجح فرضية ان يكون التصعيد والضغوط الحاصلة اليوم دليل قطعي على ان الحرب الشاملة لن تحصل وكل التحذيرات هي محاولة للتعويض عن عدم وجود امكانية لخوض المعركة العسكرية ضد الحزب، وعليه فإن التهويل سيستمر خلاف الاسابيع المقبلة، وان اي تصعيد سيحصل لن يرتقي ليصبح حربا شاملة، بل سيبقي تصعيدا محدودا.. المصدر: خاص "لبنان 24"
المصدر: لبنان ٢٤
إقرأ أيضاً:
خطاب قاسم: مشروع سياسي للمرحلة المقبلة
في خطابٍ مختلف، ظهر فيه، الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، بشخصية ثابتة وقوية وكخطيب بارع، بدأ قاسم بسردية سياسية تشكل المشروع السياسي الكامل للحزب في المرحلة المقبلة، معتمدًا خطابا يميل إلى تعزيز الهيبة السياسية والعسكرية للحزب، ورسم ملامح ما يمكن اعتباره بـ"الولادة الثانية" للحزب مستندا الى الحشد الكبير الذي رافق الخطاب وتشييع الامين العام السابق السيد حسن نصرالله. بدا قاسم واثقًا خلال الخطاب، مستخدمًا لغةً تعكس محاولةً لربط الحزب بشرعيةٍ شعبيةٍ موسَّعة، فالحشد الكبير الذي قد يكون الاكبر في تاريخ لبنان من دون منازع يعني ان هناك استحالة في تهميش الدور المركزي للحزب.
ركَّز الخطاب على فكرة "استمرار المقاومة" كأحد الركائز الثابتة في أيديولوجيا الحزب، ما يوحي أن الحزب تمكَّن من "ترميم جزءٍ من قدراته" بعد التحديات الأخيرة، لكنه خصَّص مساحةً أكبر للحديث عن "دور الدولة" في أي عملية تحرير مستقبلية. هذا التحوُّل النسبي في الخطاب قد يُقرأ كمحاولةٍ لتحويل الصراع من حقل المواجهة العسكرية إلى الساحة السياسية، ربما استجابةً للضغوط الخارجية أو كجزءٍ من إستراتيجيةٍ طويلة المدى لدمج الحزب في مؤسسات الدولة، مع الحفاظ على ترسانته العسكرية كأداة ضغطٍ خارج الإطار الرسمي.
من جهةٍ أخرى، حمَّل قاسم الولايات المتحدة مسؤولية "التدخل في الشؤون اللبنانية"، واشار الى ان مواجهة النفوذ الأمريكي كأحد أولويات الحزب، في خطابٍ يتقاطع مع السردية التقليدية التي تصف الحزب كـ"قوة مقاومة" ضد النفوذ الغربي في لبنان. لكن اللافت في الخطاب كان التركيز على أولوية إعادة الإعمار والاقتصاد، حيث ربط قاسم بين المشروع السياسي للحزب وخطاب إصلاحيٍ جديد، حاول من خلاله تقديم الحزب كفاعلٍ قادر على معالجة الأزمات الداخلية، لا سيما في ظل الانهيار الاقتصادي الذي يعيشه لبنان. هذه النقطة قد تُفسَّر كمحاولةٍ لتوسيع القاعدة الجماهيرية، عبر استمالة شرائحَ تعاني من تردي الأوضاع المعيشية، وسيطرة الملف الخدماتي على الأجندة الأيديولوجية.
يبدو الخطاب محاولةً للموازنة بين تعزيز الرواية التاريخية للحزب كـ"مقاومة مسلحة"، وبين الانخراط في معالجة إشكاليات الدولة من خلال خطابٍ إصلاحيٍ يلامس هموم اللبنانيين اليومية. لكن هذه الرواية تواجه تحدياتٍ داخليةً وخارجية؛ فدولٌ عديدة، بينها الولايات المتحدة ودول أوروبية وعربية، تُصنِّف حزب الله كمنظمة إرهابية، وتعتبر أن أنشطته، سواء العسكرية أو السياسية، تُعيق الاستقرار في لبنان. كما أن تأكيد الحزب انه الممثل الاكبر للطائفة الشيعية يتعارض مع سياسة واشنطن، بينما يُنظر إلى خطابه الإصلاحي بشكوكٍ من قبل خصومه، الذين يرون فيه أداةً لتكريز الهيمنة تحت غطاءٍ خدماتي.
يمكن القول إن خطاب قاسم سعى إلى تقديم الحزب ككيانٍ يجمع بين "الشرعية الثورية" و"الشرعية السياسية"، لكن هذا الجمع يبقى هشًّا في ظل انقسام المشهد اللبناني، والرفض الدولي الواسع لدمج الحزب في العملية السياسية بشكل سلس. المصدر: خاص "لبنان 24"