ليسمح لى قرائى الأعزاء بأن أعيد نشر مقال لى كتبته فى جريدة الأخبار بتاريخ 5-5-2016 دون إضافات أو حذف لأى كلمة لأننى أراه مناسبا الآن.
«من وحى قصة «هيبتا» سرحت فى العلاقة الإنسانية بين الشعب ورئيسه، أى رئيس، وكيف أن هذه العلاقة شأنها شأن أى علاقة إنسانية تمر بمراحل صعود وهبوط، وهو ما يسمى باللغة السياسية «شعبية الرئيس».
فقد تمر علاقة الشعب برؤسائه خاصة أصحاب الكاريزما والزعامة منهم بمراحل ومشاعر متدرجة ومتناقضة أحيانًا. والعلاقة الناجحة بين الشعب ورئيسه تمر بمراحل سبعة فى غالب الأحوال:
1- اللقاء: هذه هى المرحلة التى يتعرف فيها الشعب على زعيمه المنتظر لأول مرة، وعادة ما تكون معلومات الشعب عن زعيمه فى اللقاء الأول مبهمة وغامضة، ولكن تكون ممتلئة بالإعجاب بثقة الزعيم فى شعبه ونفسه، وبمظهره القوى الغامض وصلابته جسدًا وروحًا... وتنشأ عن هذا اللقاء حالة إعجاب ما تلبث أن تتطور إلى حب للزعيم، وأمل فى أن يصير هو القائد المنتظر للأمة لكى يخرجها من كبوتها ويحقق طموحاتها.
2- الانبهار: سرعان ما تتحول حالة الإعجاب إلى حالة انبهار لدى جموع الشعب بزعيمهم المنتظر، انبهار بقدرته على القيادة، انبهار بقوة شخصيته الناعمة، انبهار بحبه لشعبه، انبهار بانحيازه للضعفاء وقدرته على الوصول إليهم، وانبهار بتصالحه مع نفسه، انبهار بتحركاته التكتيكية المحسوبة والمفاجئة لأعداء الوطن، انبهار بطموحاته لشعبه، انبهار بقدرته على الحسم ومواجهة المخاطر. هنا تكون شعبية الزعيم فى أعلى القمة.
3- الحلم: هنا يبدأ حلم الشعب، وتبدأ معه مرحلة الأمل، الأمل فى تغيير الواقع غير السعيد، الأمل بأن يحول الزعيم أحلام شعبه إلى واقع جديد مشرق، الحلم بالقضاء على الفساد، الحلم بالقضاء على الفقر، الحلم بتكافؤ الفرص بين كافة أفراد الوطن، الحلم بالمساواة أمام القانون، الحلم بالحرية فى التعبير عن الرأى والحق فى الاختلاف دون خوف، الحلم بتعليم جيد لأبناء الطبقة دون المتوسطة، الحلم بالأمن، الحلم بالقضاء على التجارة بالدين، الحلم بكوب مياه نظيفة، الحلم بالقضاء على العشوائيات، الحلم بالعلاج الجيد، الحلم بالحصول على الدواء، الحلم بصناعة وطنية قوية، الحلم بالكرامة، الحلم بدولة قوية تحافظ على مصالحها الوطنية.. أحلام كثيرة يشارك الزعيم شعبه فيها. ربما يدرك الزعيم أكثر من غالبية أبناء وطنه بأن تحقيق هذه الأحلام ليس يسيرًا ولكنه يقتضى بذل العرق والدم ولكنه -أى الزعيم- عازم بكل ما أوتى من قوة على تحقيق هذه الأحلام، والشعب بدوره حالم آمل فى قدرة زعيمه على تحويل هذه الأحلام إلى واقع فى وقت قصير لا يتناسب مع حجم التحديات، ولا يوجد سقف لطموحات الشعب خلال هذه المرحلة.
4- الوعد: هنا يعد الزعيم المخلص الممتن لشعبه بتحقيق أحلام أبناء وطنه، وهو صادق فى وعده لم يخدعهم للحظة فهو حالم وآمل مثلهم، ولا ينقصه الإيمان ولا العزيمة، هو من الشعب ويشعر بنبضه وآلامه. تتعاظم شعبية الزعيم، وتسعى الغالبية لجعله رئيسًا للبلاد. الإصلاح ممكن ولكنه طريق شاق وقد يستغرق وقتًا أطول مما يتوقعه الشعب، وشعبية الزعيم فى مرحلة الوعد لا تتزعزع، فحسن النوايا يحكم الجميع. وينتخب الشعب زعيمه رئيسًا للبلاد ليحقق لهم طموحاتهم وأحلامهم وليقضى على طيور الظلام، وتكون الانتخابات حقيقية غير هزلية، ويكون الشعب فى هذه المرحلة على قلب رجل واحد خلف رئيسهم الجديد، ويبدو المستقبل مشرقًا والانقسام غير ممكن. وتصعد شعبية الرئيس إلى السماء.
5-الواقع: رغم أن الرئيس يدرك منذ اللحظة الأولى لانتخابه صعوبة الموقف وخطورته إلا أن الواقع على الأرض يبدو أسوأ بكثير مما كان يأمل أو يتصور، فمؤسسات الدولة ذراعه فى تحقيق أحلام وطموحات شعبه، منهارة لا تقوى على فعل شيء، فلها شكل مؤسسات الدولة فى كل شيء، إلا أنها تفتقر المقومات الحقيقية لمؤسسات الدولة فى كل شيء. موارد سيادية محدودة، كفاءات إدارية معدومة، انقسام سياسى غير مسبوق، أحزاب سياسية منزوعة التأثير الشعبى ولاتزال تتخبط طريقها، جهاز إعلامى حكومى يمثل عبئًا على الدولة وليس داعمًا لها، بنية أساسية بدأت فى التآكل، قوى سياسية داخلية وخارجية متربصة، قصور فى الإنتاج، عجز فى الاستثمار، فساد يستفحل ولا يرحم، افتئات متزايد على القانون، إدارة سيئة للمنظومة الاقتصادية، ارتفاع فى الأسعار، بطالة متزايدة، وشعب حالم آمل. ماذا يفعل الرئيس؟ الرئيس يعلم بالمشكلات، وضرورة التدخل العاجل. ليس لديه وقت يضيعه أو يستنزفه ليواجه أجهزة الدولة المدنية العتيقة، فيلجأ لجيشه فى كل شيء لسد الفجوة. ورغم المجهود الجبار والإنجازات السريعة إلا أن ظاهرة الجزر الحكومية المنعزلة تتزايد، وحالة الجهاز الحكومى تسوء، ولا يجد الرئيس الوقت، ولا تعاونه أجهزة الدولة للبحث عن كفاءات تعينه من أهل الخبرة من الحريصين على الرئيس أكثر من حرصهم على عدم إغضاب الرئيس، فتسود حالة من الهمهمة وضعف الأمل فى تغيير ما كان عليه حال البلاد قبل الرئيس.
6-القلق والإحباط: يبدأ فى هذه المرحلة كرد فعل للواقع الصعب ووجود بعض الأخطاء ارتفاع أصوات بعض المؤيدين المخلصين بوجود مشكلات وسوء إدارة للملفات، فيتم تهميشهم بدعوى أنهم أصوات للإحباط، أو أنهم لم يحصلوا على ما كانوا يصبون إليه فتحولوا إلى المعارضة، ومعاول للهدم، فيبدأ هؤلاء تدريجيًا فى الانسحاب، ورغم تقدير الرئيس وتفهمه لبعض وجهات النظر هذه إلا أنه ليس لديه الوقت لإعادة النظر فى السياسات القائمة، ولا يخفى أحيانًا غضبه مما تسير عليه الأمور، ويسود قطاع كبير من الشباب حالة من الإحباط، ومعه قطاع من الشعب. ولا شك أن شعبية الرئيس تتأثر قليلًا فى هذه المرحلة، إلا أن الأغلبية لم تتخل عن الرئيس بل لاتزال تدعمه وتؤيده ويدرك الجميع أنه لا بديل عن النجاح وتحقيق طموحات وأحلام الشعب وتنفيذ الوعد. ويأمل قطاع كبير من أبناء الوطن أن يدرك الرئيس أنه آن الأوان للتقييم الهادئ لإدارة البلاد والاعتراف بوجود بعض الأخطاء حتى داخل المؤسسة الرئاسية ذاتها.
7- القرار وقيام الرئيس بتصحيح المسار: يدرك الرئيس المشكلات، ويتحرك بسرعة لتصحيح المسار، فالتحديات تزايدت واصطياد الأخطار تعاظم، والإحباط خطر جسيم، فالإحباط يقتل أمل الشعوب. فكان لابد من إعادة النظر فيما يجب إنجازه، وضرورة تصحيح الأخطاء، ويواجه الرئيس شعبه بالأخطاء قبل الإنجازات، وبما قرر اتخاذه من خطوات لتصحيح المسار فهو لا يزال على وعده، ويبدأ الرئيس فى اتخاذ قرارات جريئة لتصحيح المسار الإدارى لشئون الدولة، وملفاتها السياسية والاقتصادية، وتتحقق المعجزة وينفذ الرئيس الوعد الذى قطعه على نفسه بنهاية مدة رئاسته الأولى. وتعود شعبية الرئيس لترتفع إلى عنان السماء.
يذكر التاريخ دائمًا أن الزعماء والرؤساء المخلدين فى ذاكرة أممهم هم هؤلاء الذين اعترفوا بالأخطاء وواجهوها وهم فى قلب المعركة، ولم يعاندوا الواقع بل غيروا من سياساتهم ونهج إدارتهم، فالتاريخ سيذكر ذلك لـ«تيودور روزفلت» و«ونستون تشرشل»، ومهاتير محمد فى ماليزيا.
إن تصحيح المسار صعب ولكنه ليس مستحيلًا، وتصحيح المسار السياسى والاقتصادى والإدارى ضرورة لتحقيق الحلم، وقهر صعوبات الواقع. والأمر الآن برمته بيد الرئيس السيسى، فلا يزال تحقيق الوعد ممكنًا، وربما آن الأوان لتصحيح المسار».
وسلامٌ على الأمة المصرية
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: د هانى سرى الدين العلاقة الإنسانية هيبتا لتصحیح المسار شعبیة الرئیس هذه المرحلة إلا أن رئیس ا
إقرأ أيضاً:
الحلم سيد الأخلاق
#الحلم #سيد_الأخلاق
الأستاذ الدكتور يحيا سلامه خريسات
نعيش اليوم مرحلةً خطيرةً تتجلّى فيها أزمة القيم الأخلاقية بأوضح صورها، حيث تفشّت ظواهر العنف المجتمعي وأصبحت جزءًا من المشهد اليومي في أسواقنا وشوارعنا. نلاحظ تصاعدًا ملحوظًا في العصبية وفقدان السيطرة على التصرفات، سواء باللسان أو اليد، حتى بات الانفعال سمةً غالبةً على كثير من الناس، وعلامةً تظهر على وجوههم وجوارحهم. ولعلّ أكثر ما يثير الاستغراب أنّ هذا السلوك برز بشكلٍ جليّ خلال شهر رمضان المبارك، وهو الشهر الذي يُفترض أن يكون موسمًا للسكينة والرحمة، لا مسرحًا للغضب والتوتر، وكأنّ البعض يصوم مُكرهًا، لا عن قناعةٍ ويقين والتزام.
من المؤسف أن نرى هذا التناقض الصارخ بين جوهر العبادات وسلوك الصائمين، فمن المفروض أن يرتقي الإنسان بأخلاقه في هذا الشهر الفضيل، وأن يكون التسامح والمحبة عنوانًا للتعامل بين الناس. لكن الواقع كشف العكس تمامًا، فالشوارع تحوّلت إلى ساحات سباقٍ محمومة تسودها الفوضى والتهور، حتى أصبح الخروج من المنزل مخاطرةً بسبب رعونة البعض. المشاحنات في الأسواق والأماكن العامة أضحت مشهدًا يوميًا، وكأنّنا ننتظر انتهاء الشهر بفارغ الصبر، لا حبًّا في إتمام الطاعة، بل خلاصًا من موجة الإساءات التي اجتاحت المجتمع.
إنّ العبادات ليست مجرد طقوسٍ شكلية، بل ينبغي أن تنعكس على سلوك الفرد، فمتى ما كانت العبادة نابعةً من إيمانٍ صادق، ظهرت آثارها على التصرفات والأخلاق. أمّا من يمارسها رياءً ومجاراةً للمجتمع، فإنّها لا تترك أثرًا إيجابيًا، بل قد تُنتج سلوكًا متناقضًا يعكس انفصال العبادة عن جوهرها الحقيقي.
مقالات ذات صلة حدث في العيد!! 2025/04/02لا أحد ينكر أنّ ضغوط الحياة كثيرة، وأنّ متطلبات العيش تفوق أحيانًا القدرة على تلبيتها، لكن حسن التدبير والتوازن في الإنفاق يمكن أن يُحدث فرقًا كبيرًا. التركيز على الأولويات والتقليل من الكماليات ليس ضعفًا، بل دليلٌ على الوعي والمسؤولية.
إنّ حسن الخلق ليس ترفًا أخلاقيًا، بل هو انعكاسٌ لحقيقة الإيمان، فمن لم تهذّبه صلاته، ولم يضبطه صيامه، فإنّ عبادته لا تعدو كونها حركاتٍ بلا معنى. الأخلاق هي الميزان الذي يُقاس به سموّ الإنسان، ومكانته في قلوب الآخرين، وتأثيره في مجتمعه. بكلمةٍ طيبة تُفتح القلوب، وبابتسامةٍ صادقة تُزرع المحبة، وبسلوكٍ راقٍ يُبنى الاحترام.
وغرس القيم الأخلاقية يبدأ من الأسرة، لكنه لا يكتمل إلا عبر المؤسسات التعليمية، حيث يقع على عاتق المدارس والجامعات دورٌ محوري في تعزيز الأخلاق وترسيخها لدى الأجيال القادمة. ولا يكون ذلك بمجرد تدريسها نظريًا، بل من خلال تقديم نماذج حية تمثل القدوة الحسنة. فالمعلم الذي يتحلى بالصبر والعدل، والأستاذ الجامعي الذي يلتزم بالنزاهة والاحترام، يصبحان مصدر إلهامٍ للطلاب، فيتعلمون منهم أكثر مما يتلقونه من المناهج الدراسية. لذا، فإنّ بناء جيلٍ يحمل القيم الأخلاقية النبيلة لا يتحقق إلا إذا رأى الطلاب هذه القيم مجسدةً في واقعهم اليومي، لا مجرد شعاراتٍ تُقال في المحاضرات والخطب.
ما أحوجنا اليوم إلى إعادة الاعتبار للأخلاق في مناهجنا التربوية، وأن نرسّخها في نفوس أبنائنا من خلال القدوة الحسنة، لا المواعظ الجوفاء. فالتربية ليست خطبًا تُلقى، بل نموذجٌ يُحتذى، فمن فقد الأخلاق فقد تأثيره، ومن كان سلوكه مناقضًا لكلامه، لن يصنع تغييرًا.
إنّ أزمة الأخلاق ليست مجرد حالةٍ طارئة، بل جرس إنذارٍ يُحتم علينا جميعًا مراجعة ذواتنا وإعادة بناء القيم التي تُحصّن المجتمع من الانهيار. فالأخلاق ليست خيارًا، بل ضرورةٌ لحياةٍ متزنةٍ ومجتمعٍ أكثر وعيًا ورُقيًا.