ما هو ضابط التناجي المنهي عنه شرعًا؟
تاريخ النشر: 26th, June 2024 GMT
قالت دار الإفتاء المصرية، إن مِن المقرَّر أن المحافظة على ترك ما يؤذي الإنسان ويُحزِنه مطلوبة شرعًا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ» أخرجه الإمام أحمد في "المسند"، والنسائي في "السنن".
أوضحت الإفتاء، أن هذا الحديث أصلٌ عامٌّ في تقرير وجوب ابتعاد الإنسان عن الأمور التي قد تؤذي غيره، ويندرج تحتها " التناجي أو النجوى"، وذلك بالكلام الخفيُّ الذي يناجِي به المرء صاحبه كأنه يرفعُه عن غيرِه، كما في "تاج العروس" لمرتضى الزبِيدي، ويظهر تأذي الغير خاصة إذا كان الحاضرون ثلاثة من قصر الكلام الخاص على اثنين منهم بأحد معنيين: "أحدهما: أنه ربَّما يتوهم أن نجواهما إنما هو لتبييت رأي فيه أو دسيس غائلة له، والمعنى الآخر: أن ذلك من أجل الاختصاص بالكرامة وهو محزِنٌ صاحبه" كما قاله أبو سليمان الخطابي في "معالم السنن".
وتابعت الإفتاء: ولذا فقد جاء النهي عن هذا الفعل، فيما رواه ابن مسعود رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما، فإن ذلك يُحزِنه» متفقٌ عليه، ووجه الدلالة مِنه: أن هذا النَّهي ظاهِرٌ في التحريم، بدليل ترتُّب التعليل -وهو الإحزان- عليه بالفاء، كما في "دليل الفالحين" لابن علَّان الصدِّيقي.
وبينت أن الأصل في التناجي: الكراهة والقُبح، كالمكر والخديعة، إذا لم يُقصد به أمرٌ حسن في الشرع، وقد بيَّن الله عزَّ وجلَّ أن النجوى لا تحسنُ إلا في وجوه مستثناة، فقال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114].
وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المجادلة: 9].
ضابط التناجي المنهي عنه شرعًاأوضحت الإفتاء، أنه يتحصل من هذه المعاني أن ضابط التناجي المنهي عنه شرعًا -وهو المسؤول عنه- يتحقق بجملةٍ من الأمور:
أولًا: أن يترك المتناجِيان واحِدًا منهم، ولو كانوا جماعة، فلو أبقوا أكثرَ مِن واحدٍ فلا مانِع اتفاقًا، فيجوز تناجي اثنين دون اثنين أو جماعة؛ لأن الثالث قد شاركه الباقون فيما يُستر عنه مِن الحديث، فيزول عنه سوء الظن، والحُكم يدور مع عِلَّته وجودًا وعدمًا، كما أفاده الإمام ابنُ بطال في "شرح صحيح البخاري".
فقد جاء في "موطأ الإمام مالك" عن عبد الله بن دينار، قال: كنتُ أنا وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما عند دار خالد بن عقبة التي بالسوق، فجاء رجلٌ يريد أن يناجيه، وليس مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أحدٌ غيري، وغير الرجل الذي يريد أن يناجيه، فدعا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما رجلًا آخر حتى كنا أربعة، فقال لي وللرجل الذي دعاه: استأخِرَا شيئًا، فإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لا يَتَنَاجى اثنان دون واحدٍ».
ثانيًا: أن تقلَّ الجماعة الحاضرة في مكان المحادثة، فإذا كان التناجي بحضرة جماعة كثيرة لم يُمنع؛ لأن ذلك أنفى للتهمة والرِّيبة؛ وذلك لما ورد في حديث جابرٍ رضي الله عنه أنه لما رأى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جوعًا شديدًا في غزوة الخندق ذهب إلى زوجته، ثم قال: فجِئتُه فسارَرْتُه، فقلت: يا رسول الله، إنَّا قد ذبحنا بُهَيْمَةً لنا، وطحنَّا صاعًا من شعير كان عندنا، فتعال أنت في نفر معك. متفقٌ عليه.
ثالثًا: أن يكون التناجي بينهما بغير إذنٍ من بقيَّة الحاضرين سواء كان واحدًا منفردًا أو أكثر، فإن أذِن المنفرد أو الباقي في التناجي دونه أو دونهم: زال المانِع؛ لكون الحقِّ له، فإن أسقطه سقط، ولا يكون بذلك من التناجي المنهي عنه، كما في "الفواكه الدواني" للنفراوي (2/ 328، ط. دار الفكر).
والأصلُ فيه: ما أخرجه أحمد في "المسند" عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا تَنَاجى اثنان فلا تجلِسْ إليهما حتى تستأذِنَهما».
رابعًا: ألَّا يكون الثالثُ هو الداخِل على المتناجَيين في حال حديثهما وكلامهما سِرًّا، فلو تكلم اثنان في السِّر ابتداء، ثم أتى ثالثٌ ليستمع إليهما، فلا يجوز ما لم يُؤذن له، كما لو لم يكن حاضِرًا معهما أصلًا، كما في "فتح الباري" للحافظ ابن حجر العسقلاني (11/ 84، ط. دار المعرفة).
ويدلُّ على هذا: ما أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" عن سعيد المقبري، قال: مررت على ابن عمر، ومعه رجل يتحدث، فقمتُ إليهما، فلَطَمَ في صدري فقال: إذا وجدت اثنين يتحدَّثان فلا تقم معهما، ولا تجلس معهما، حتى تستأذنهما، فقلت: أصلحك الله يا أبا عبد الرحمن، إنما رجوتُ أن أسمع منكما خيرًا.
خامسًا: أن يخشى المتناجيان أن يظن ثالثُهما أنهما يتحدثان في أمرٍ يكرهه، أو كان لا يعرِفُهما ولا يثق بهما، فيكون التناجي في هذه الحالة حرامًا، فإن أمِنَا من ظنِّه ذلك كُرِه تناجيهما؛ لأنه يغمُّ المنفرد مِن حيث الجملة، كما في "البيان والتحصيل" للإمام ابن رشد الجد (18/ 227، ط. دار الغرب الإسلامي).
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: الإفتاء دار الإفتاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم عبد الله بن کما فی
إقرأ أيضاً:
حكم إطلاق أسماء الأشخاص على المساجد.. الإفتاء توضح
أجابت دار الإفتاء المصرية، عن سؤال ورد اليها عبر موقعها الرسمي مضمونة:"ما حكم إطلاق أسماء الأشخاص على المساجد، أو تسميتها باسم بانيها؟".
ردت دار الإفتاء موضحة: انه لا مانع شرعًا من إطلاق أسماء بعض الناس أو الأشخاص على المساجد سواء من قام ببناء المسجد أو غيره كتخليد اسم عالم أو حاكم أو مصلح وكان هذا الشخص يستحق ذلك، أو كان إطلاق الاسم لمجرد تمييزه عن غيره وسهولة الاستدلال عنه كمسجد "عمرو بن العاص"، و"الإمام الشافعي" وغيرهما ما دامت نيته حسنة؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» رواه البخاري.
أما إن كان إطلاق الاسم على المسجد من باب الفخر والرياء فهذا غير جائز. ومما ذكر يعلم الجواب عما جاء بالسؤال.
وصى والدي أن نبني مسجدًا على قطعة أرض له فلما أردنا تسمية المسجد باسمه نهانا بعض الناس بحجة أن المساجد لله ولا يحل لنا ذلك فأرجو بيان صحة ما قيل؟..سؤال ورد على صفحة مجمع البحوث الإسلامية، عبر موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.
وأجابت لجنة الفتوى التابعة لمجمع البحوث الإسلامية: قائلة: إن الإسلام حث على بناء المساجد وبين فضل ذلك في العديد من النصوص منها: عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة) متفق عليه. وأخرج الترمذي عن أنس رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من بنى لله مسجدًا صغيرًا كان أو كبيرًا بنى الله له بيتًا في الجنة). وبإضافة ذلك إلى وصية الوالد واجبة النفاذ في ثلث ماله فإن فيها برًا به وإحسانًا له بعد موته.
والمفتي به أن إضافة اسم الوالد إلى المسجد جائزة شرعًا وهي إضافة تمييز لا تمليك فالوالد لا يملك المسجد وإنما يتميز المسجد هذا عن غيره بتسميته. هذا لمن مات، وفى حق الحي فالأولى ألا يضاف المسجد له تنزيها له عن الرياء.
وقد وقعت مثل هذه التسمية في العصر الأول ولم ينكرها أحد فدلت على الجواز. ومنها: روى ابن ماجة عن عبد الله بن عبد الرحمن رضي الله عنه قال: (جاءنا النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بنا في مسجد بني عبد الأشهل فرأيته واضعًا يديه على ثوبه إذا سجد).
وروى الدارمي عن ابن عمر رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مسجد بني عمرو بن عوف فدخل الناس يسلمون عليه وهو في الصلاة قال فسألت صهيبًا كيف كان يرد عليهم قال هكذا وأشار بيده).
ففي هذه النصوص يتضح كيف نسبت المساجد إلى أصحابها أو من بنوها أو شاركوا في بنائها فقيل: [مسجد بني عبد الأشهل]. [مسجد بني عمرو بن عوف].
وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه (باب هل يقال مسجد بني فلان) قال ابن حجر تعقيبًا: [قوله (باب هل يقال مسجد بني فلان) أورد فيه حديث ابن عمر في المسابقة, وفيه قول ابن عمر " إلى مسجد بني زريق" وزريق بتقديم الزاي مصغرًا، ويستفاد منه جواز إضافة المساجد إلى بانيها أو المصلي فيها، ويلتحق به جواز إضافة أعمال البر إلى أربابها، وإنما أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام لينبه على أن فيه احتمالًا إذ يحتمل أن يكون ذلك قد علمه النبي صلى الله عليه وسلم بأن تكون هذه الإضافة وقعت في زمنه، ويحتمل أن يكون ذلك مما حدث بعده، والأول أظهر والجمهور على الجواز، والمخالف في ذلك إبراهيم النخعي فيما رواه ابن أبي شيبة عنه أنه كان يكره أن يقول مسجد بني فلان ويقول مصلى بني فلان لقوله تعالى (وأن المساجد لله)، وجوابه أن الإضافة في مثل هذا إضافة تمييز لا ملك..].
قال الإمام النووي [ولا بأس أن يقال مسجد فلان ومسجد بني فلان على سبيل التعريف].
وأما ما أورده القائل اعتراضًا من نسبة المساجد لله في قوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) [الجن: 18]، فقد قال القرطبي: أَيْ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَهُ غيره. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَيْ بُنِيَتْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ.
قال الإمام ابن العربي [المساجد وإن كانت لله ملكًا وتشريفًا فإنها قد نسبت إلى غيره تعريفًا , فيقال: مسجد فلان].
وبناء عليه: فنسبة المسجد إلى اسم الوالد لا حرج فيها شرعًا ولا إثم يلحق بكم أو بالوالد ولا ينقص ذلك من أجره.
الإفتاء: لا يجوز تسمية المساجد بأسماء من قاموا ببنائها في حالتين
قالت دار الإفتاء المصرية، إن هناك البعض يطلقون أسماء بعض الناس على المساجد ويسمونها على أسماء الأشخاص الذين قاموا بإنشائها وتشييدها وبنائها، منوهة بأن هذا لا يجوز في حالتين.
وأوضحت «الإفتاء»، عبر صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك": «هل هناك ما يمنع شرعًا أو يُحرِّم إطلاق أسماء الأشخاص على المساجد، أو تسميتها باسم بانيها؟»، أنه لا مانع شرعًا من إطلاق أسماء بعض الناس أو الأشخاص على المساجد.
وأضافت: "وذلك سواء اسم من قام ببناء المسجد أو غيره تخليدًا لأسماء الأعلام، أو لتمييزه عن غيره وسهولة الاستدلال عليه"، مشيرة إلى أنه إذا كانت نية إطلاق الاسم على المسجد من باب الفخر والرياء فهذا غير جائز شرعًا.
حكم إطلاق أسماء الأشخاص على المساجد.. على جمعة يجيب: لايجوز فى حالة واحدة
قال الدكتور على جمعة، مفتي الجمهورية السابق، عضو هيئة كبار العلماء، إنه لا مانع شرعًا من إطلاق أسماء بعض الناس أو الأشخاص على المساجد، سواء من قام ببناء المسجد أو غيره.
وأضاف "جمعة" في إجابته عن سؤال: "هل هناك ما يمنع شرعًا أو يُحرِّم إطلاق أسماء الأشخاص على المساجد، أو تسميتها باسم بانيها؟، أن ذلك أمر جائز شرعًا ولا مانع منه، كتخليد اسم عالم أو حاكم أو مصلح وكان هذا الشخص يستحق ذلك.
وتابع :"أو يكون إطلاق الاسم لمجرد تمييزه عن غيره وسهولة الاستدلال عنه كمسجد "عمرو بن العاص"، و"الإمام الشافعي" وغيرهما ما دامت نيته حسنة؛ لقوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، رواه البخاري".
ونوه بأنه إن كان إطلاق الاسم على المسجد من باب الفخر والرياء؛ فهذا غير جائز.