القيادة الإدارية.. صناعة لها علمها وأسسها
تاريخ النشر: 24th, June 2024 GMT
لم تعد القيادة في عالم اليوم كما كانت عليه في الماضي، استعدادًا شخصيًا ينتج مجموعة من الاجتهادات تصيب أحيانا وتخطئ أحيانا أخرى.. إنها اليوم صناعة تقوم على أسس علمية وتتطلب المزيد من المهارات حتى تستطيع التعامل مع التطور الذي يشهده العالم.
والقيادة الفعالة أحد أهم أسس النجاح الإداري وتساهم في تحسين عملية صنع القرار وتمكين القادة من التعامل مع تعقيدات القضايا التي يشهدها عالم اليوم.
وإحدى المزايا الأساسية لتنمية القيادة هي تعزيز قدرات اتخاذ القرار لديهم. ومعروف أن القادة الذين يخضعون لتدريب شامل يكونون جاهزين بشكل أفضل لتقييم المواقف بشكل نقدي، وتقييم الخيارات المختلفة، وتوقع العواقب المحتملة. وكما قال جون ماكسويل، خبير القيادة الشهير: «القائد هو الشخص الذي يعرف الطريق، ويمضي في الطريق».
وتتبنى سلطنة عُمان استراتيجية مهمة لإعداد القادة سواء في القيادات العليا أو القيادات الوسطى أو حتى على مستوى رؤساء الأقسام الأمر الذي يساهم في بناء كل الكوادر القيادية في الدولة وكذلك في القطاع الخاص، ويتم هذا الإعداد على أحدث المستويات العلمية والممارسات الإدارية كما هو الحالي في كلية الدفاع الوطني، وفي الأكاديمية السلطانية للإدارة ويمكن أن يظهر تأثير كل هذه المؤسسات في بناء القادة خلال السنوات الخمس القادمة.
ومن الأمثلة البارزة على تطوير القيادة الناجحة ما حدث في سنغافورة. حيث تحولت سنغافورة من دولة نامية إلى قوة اقتصادية عالمية. وشدد توجه سنغافورة على أهمية التفكير الاستراتيجي والتخطيط طويل المدى والتطوير المستمر للمهارات القيادية لدى المسؤولين الحكوميين. وشمل نهجها برامج تدريب صارمة والتركيز على مبدأ الجدارة، ما يضمن اتخاذ القرارات على أسس علمية وعلى بصيرة واضحة. وكان تأثير هذا النموذج السنغافوري أساسيًا في نجاح الاقتصادي المستدام والاستقرار السياسي في سنغافورة.
إن تصور مجموعة من السيناريوهات المتعددة قبل اتخاذ القرارات هو مهارة يتم صقلها من خلال تنمية المهارات القيادية ووفق أسس علمية تعرفها المعاهد والأكاديميات التي تعمل في مجال إعداد القادة وتنمية مهاراتهم وقدراتهم.. ومن خلال النظر في السيناريوهات المختلفة وتأثيراتها المحتملة، يمكن للقادة اتخاذ قرارات أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع الأحداث.
ولذلك فإن تطوير مهارات القيادة الوظيفية يعتبر جزءًا لا يتجزأ من اتخاذ القرار الفعال والنجاح، وهذا يحدث عبر التدريب الاستراتيجي والتطوير المستمر، وهو الذي يمكن القادة من اتخاذ قرارات أكثر نفعًا وأقل مخاطرة.
لكن في الوقت الذي تقوم في سلطنة عُمان بتدريب القيادات بمختلف مستوياتها لا بد أن يواكب كل ذلك وعي بأهمية هذه البرامج ودورها وأن ينظر لها من منظور يتناسب ومكانتها لا أن ينظر لها باعتبارها نزهة تدريبية أو تكريمًا مستحقًا لا يرجى منه عائد بعد ذلك.
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
ما الذي يحاول ترامب تحقيقه من خلال فرض الرسوم الجمركية؟
ترجمة: بدر بن خميس الظفري -
لقد قضيت الساعات الأخيرة من يوم عيد «التحرر» مذهولة من جدول الرسوم الجمركية الجديد الذي أعلنته إدارة ترامب، محاوِلة فهم منطقه.
خذ مثلا الرسوم المفروضة على جزر هيرد وماكدونالد، التي لا يسكنها بشر، بل فقط طيور البطريق وبعض الكائنات الأخرى. لا بأس، فأنا سعيدة لأن هؤلاء «المنتهزين المتمايلين» لن يتمكنوا بعد الآن من إغراق السوق الأمريكية ببضائعهم الرديئة. لكن ما زال الأمر يحيّرني! ماذا تصدّر طيور البطريق؟ بخلاف أفلام الوثائقيات البيئية، أعني.
من الواضح أن أحد العاملين في البيت الأبيض، ربما متدرب على وشك المغادرة، استخرج قائمة بالأقاليم دون أن يتحقق مما إذا كانت مأهولة بالسكان، ثم طبّق هذا الشخص، أو آخر، صيغة جامدة، ربما أنشأها ذكاء اصطناعي. وكانت النتيجة: رسوم جمركية بنسبة 10% على البطاريق.
قد يبدو هذا مضحكًا، ولا يجب أن نولي هذه التفاصيل الطريفة اهتماما مبالغا فيه، فمعظم السياسات الكبرى لا تخلو من بعض الهفوات السخيفة. ما يثير حيرتي حقا هو الأجزاء التي تبدو متعمّدة. ما الذي تحاول الإدارة فعله بالضبط؟
الرئيس دونالد ترامب ومناصروه قدموا العديد من المبررات لفرض رسوم جمركية مرتفعة، يمكن تلخيصها في أربعة تفسيرات رئيسية.
الفكرة الأولى، أن هذه الرسوم وسيلة تفاوضية للضغط على الدول الأخرى لتقليل حواجزها التجارية.
والثانية، أنها ستعيد الحياة للقطاع الصناعي الأمريكي وتحول الولايات المتحدة إلى قوة تصديرية كبرى كما كانت في السابق. والثالثة، أنها تهدف إلى إيقاف صعود الصين كمنافس استراتيجي.
أما الحجة الأقوى، فهي أن علينا إعادة بناء قدراتنا التصنيعية في السلع الحيوية مثل أشباه الموصلات، تحسبا لوباء آخر أو حرب.
لكن الرسوم الجمركية الجديدة لا تخدم أيًا من هذه الأهداف. فلو كنت تحاول استخدام الرسوم للضغط على دول أخرى لتخفيف حواجزها التجارية، لفرضت تلك الرسوم بنسب تتناسب مع الرسوم التي تفرضها تلك الدول علينا. ومع ذلك، فإن إسرائيل، التي أعلنت مؤخرا عن إلغاء جميع الرسوم الجمركية على السلع الأمريكية، واجهت رسومًا بنسبة 17%، لأن النظام الجديد يعتمد على تدفقات التجارة النسبية، وليس على مستوى الحواجز التجارية. ورغم أن حجم الحواجز يؤثر على حجم التجارة، إلا أن العلاقة ليست مباشرة، فمن السهل التوقف عن استيراد النبيذ، لكن من الصعب الاستغناء عن القهوة أو أشباه الموصلات.
نأتي الآن إلى النظرية الثانية، وهي التخلص من العجز التجاري وتحقيق التوازن في الاقتصاد عبر دعم الصناعة. حتى لو افترضنا أن هذا هدف منطقي، فإن الرسوم ينبغي أن تُفرض على نطاق عالمي، لا على أساس كل دولة على حدة، تماما كما أنك لا تنفق راتبك كاملا على منتجات الشركة التي تعمل بها، أو تطالب المتجر الذي تشتري منه الطعام أن يعينك بوظيفة توازي تكلفة مشترياتك. ليس من الضروري أن تشتري من شريكك التجاري بمقدار ما يشتري هو منك. ولهذا نستخدم النقود بدل المقايضة، ونترك للأسواق مهمة تحقيق التوازن.
ثم إن كثيرا مما نستورد من الخارج هو في الأساس مدخلات إنتاج لصناعتنا المحلية. ومن الصعب بناء قطاع صناعي عالمي قادر على المنافسة دون قطع غيار أو مواد خام.
هل الهدف إذا احتواء صعود الصين؟ لو كان الأمر كذلك، لحرصت الإدارة على تعزيز علاقتها بالحلفاء الإقليميين مثل اليابان التي فرضت عليها الإدارة رسوما بنسبة 24%. وكان من المفترض أيضا، تشجيع نمو الصناعات التصديرية في دول مثل فيتنام، التي تنافس الصين، لكنها تلقت رسومًا بنسبة 46%.
أما فيما يتعلق بإعادة توطين الصناعات الحيوية، فقد استُثنيت من الرسوم بعض السلع الأشد أهمية، مثل أشباه الموصلات والصلب والألمنيوم والأدوية (حتى الآن على الأقل، فقد تفرض الإدارة لاحقا رسومًا متخصصة على هذه القطاعات). وهذا القرار يبدو ذكيا من زاوية ما، إذ إن أي نقص مفاجئ في هذه المواد سيكون كارثيا. لكن من زاوية أخرى، ما الذي نحاول حمايته بالضبط؟ مخزون الوطن الاستراتيجي من المحامص؟
ولا واحدة من هذه النظريات تفسر ما يحدث، لأن ترامب لا يملك في الحقيقة نظرية متكاملة حول الرسوم الجمركية. ما لديه هو مجموعة من الحدسيات، منها أن التصدير يمنح القوة، والاستيراد يجلب الضعف والاعتماد على الغير، وأن أمريكا كانت أفضل حالًا عندما كان التصنيع في صميم اقتصادها، وأن القطاع الصناعي كان أقوى عندما كانت الرسوم الجمركية مرتفعة. أضف إلى ذلك ميله إلى العروض المسرحية ونهجًا إداريًا فوضويًا، وأخيرا ستحصل على هذه النتيجة، ولكي تتأكد من ذاك فقط اسأل البطاريق.
ميغان ماكاردل كاتبة في صحيفة «واشنطن بوست» ومؤلفة كتاب «الجانب المضيء من الفشل: لماذا يُعد الفشل الجيد مفتاحًا للنجاح».