عزمي عبد الرازق: بصرف النظر عن كل الكلام
تاريخ النشر: 19th, June 2024 GMT
رحم الله شوقي حين أيقظه الشوق، أنات الفقد، مما استوحش فيه، فبلغ يجاري كل ذلك الدمع، “كل المنــاهل بعد النِّيــلِ آسِـنَةٌ ما أَبعـدَ النِّيــلَ إلاّ عن أَمانِينَـــا” وأنا مثله، أعرف تلك المُكابدة، لكنني، هنا، أو في ذلك الجسر المعلق، قُبالة توتي، الجزيرة الأُخرى، حين لم أدرك قيمة المكان ولا العمامة التي ابتلعت رأسي، أي كانت توحي، لبلاد الخرتيت، أو لدولة ٥٦، فكل ما يهمني ويهمكم، أنني فقدت كثير من الأشياء العزيزة، كل ما أملكه حرفياً، أو آلفته، شارع الجرائد، البيتش، إذاعة القرآن، مسجد السيدة سنهوري، الحديقة النباتية، الباخرة كهرمان، وأشيائي الصغيرة، كُتبي، مفتاح الشقة، الشقة كلها، الجاكيت الأزرق، اللابتوب، ألبوم الصور، نصف دزينة من الأحذية، صورة قلب وسهم نحيل، والسيارة أخيرًا، تم شفشفتها قبل العيد بيوم، بعد تشليعها بحقد، لسبب غامض، لا يتعلق بقيمتها على الأرجح، ولذا حين سمعت بالخبر، قلت كما قال دوستويفسكي “لقد سرقوا مني كل شيء تقريباً، ثم أعطيتهم الباقي من تلقاء نفسي!”، أصبحت أقرأ له كثيراً، دوستويفسكي، الحبر الأعظم للرواية الروسية، وقد تجلى في الليالي البيضاء، الجريمة والعقاب، في قبوي، الإخوة كارامازوف، الرسائل كلها، الى ماريا دوستوفسكايا، لكنه صعقني مرة آخرى، كاتبي المفضل، ولم أظنه سيكتبني “انتهى الزمن الذي كان فيه أهلنا يخافون علينا في الغربة، وأصبحنا نحن في غربتنا نخاف عليهم في الوطن”، هل قال ذلك؟ نعم.
بصرف النظر عن كل الكلام، كنت أسأل دائماً ولا أجد الإجابة، مع يقيني المطلق، أنه لا يوجد أكثر تضرراً من الناس الذين لا تصطحبهم المفاوضات، أي مفاوضات، في جولاتها، وهو القلق الحاضر، هل سوف يسدد حميدتي فاتورة ما نهبته قواته، أو دمرته، في سبيل تحقيق مآربها، رغبته القاتلة، أو من استأجره، أو بالأحرى، كيف ستعوضنا، تشاد، الإمارات بما ألحقت بنا من أذى، أم ستكتفي بطرود التمر والشاش وخيم الإيواء؟ وهى إجابة تقريبًا، لفرط التشاؤم، أو من خذلان ما رأينا أعرفها، مثل ما أعرف وقع خطوات أمي في الظلام، لا شك أنني أفتقدها، هذه الأيام، ولم أتخيل بعد هذا العمر، أنني لا زلت، رغم البعد، عالق في حِجرها، وكذلك أفتقد الجزيرة وكناراتها، وتلك القرى التي استباحها الجنجويد، وضبوا إليها ضبوء السّبع للطريدة، قال لهم أميرهم، رهين المحابس الخليجية، إن مجزرة ود النورة كانت معركة عسكرية ضد الفلول، يا عيب الشؤم على خطاب العيد!
لهفي عليك يا أم الفقراء، ولدك البطل في القيادة، ينافح عن شرفه العسكري، عن بلاده لتبقى عزيزة، والآخر اصطحب الأخوات، وفر إلى مصر، عبر المفازات، بكاسي اللبن، من مهانة إلى مهانة، زحف طويلاً، حتى وقع في قبضة الصحراء العنيدة، عند التخزينة، بالقرب من الكسارات، ماتت شقيقته بضربة شمس، ولحقتها الآخرى، عطشى، دفنهم هنالك، ودفن معهم قلبه، أخرسه الدمع، لم يعرف هل يواصل أم يعود، لهفي عليك يا أمه، تبقى لك الصبر، لعل الله يوفيك أجرك بغير حساب.
وأيضاً في تلك القرية التي نحبها، كانت لحظة لا يمكنك أن تتخيلها، سيناريوهات الدم، مقتل أمير ود العمدة، أمام والدته المريضة التي يرعاها، وهو الذي لا يعرف، ولا يهتم بالسياسة، أو بالحكم، لا يتذكر حتى اسم آخر معتمد للكاملين، فجأة أصبح أبلده أم قاش، فلولي مُندس، وهو في الحقيقة كل ما يهمه، أو يستغرق تفكيره، الخريف، السعر التركيزي لقنطار القطن، بابور الحراتة، سوق المحاصيل في المعيلق، وإن أبعد النُّجْعَة، ربما يسأل عن أخبار شبكة بنكك، لأن ثمة حوالة عالقة، فيا رب أن أمير ود العمدة، خالي، ومئات الشهداء، في رحابك، وأنت الرحيم، يا من لن يُضطهد من آوى إلى ظلّ كفايتك، يا خالق الوحش والسوسنة، يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف.
عزمي عبد الرازق
إنضم لقناة النيلين على واتسابالمصدر: موقع النيلين
إقرأ أيضاً:
هل الزوج يستأذن زوجته قبل دخوله البيت؟.. عضو بالعالمي للفتوى تجيب
أكدت الدكتورة هبة إبراهيم، عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى، أن الشريعة الإسلامية قد وضعت العديد من الضوابط التي تهدف إلى الحفاظ على الخصوصية وحقوق الأفراد، خاصة فيما يتعلق بمفهوم الاستئذان، موضحة أن الاستئذان ليس مجرد أمر شكلي، بل هو جزء أساسي من حفظ العورات ودرء المفاسد، حيث يتم احترام حقوق الآخرين وتجنب النظر إلى ما لا يجوز النظر إليه.
وقالت عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى، خلال تصريح: "الاستئذان يعد من المبادئ المهمة التي شملتها الشريعة الإسلامية، حيث إنها تضمن أن الشخص لا يدخل على آخر إلا بعد أن يحصل على إذن، مراعاة لحقوق الآخرين وخصوصياتهم، وقد تم التأكيد على ذلك في القرآن الكريم، وفي سورة النور تحديدًا، حيث تناولت آياتها مسألة غض البصر وصيانة الفرج، ثم تطرقت إلى الاستئذان باعتباره من وسائل الوقاية من الضرر."
وأضافت أن الشريعة تناولت الاستئذان بالتفصيل حتى في العلاقات بين المحارم، حيث أكدت على ضرورة الاستئذان عند الدخول على الأقارب مثل الأخت أو الأم أو الابنة، لافتة إلى أن الاستئذان هنا ليس فقط حماية لخصوصية الآخرين، بل أيضًا حماية لحق الشخص نفسه في ألا يطلع أحد على ما لا يجوز النظر إليه.
وأكدت أنه حتى في حالات المحارم، ينبغي على الأفراد الالتزام بآداب الاستئذان، لأن هذا يعكس احترام حقوق الجميع وحفاظًا على النفس والآخرين، مشيرة إلى حادثة وردت في السيرة النبوية عندما دخل أشخاص على السيدة عائشة، رضي الله عنها، في وقت لم تكن تحب أن يراه، وهذا كان سببًا في نزول آية الاستئذان.
وأوضحت أن الاستئذان يشمل أيضًا حالات دخول الزوج على زوجته، حيث يجب عليه أن يعلمها بوصوله ليتمكن كلاهما من الحفاظ على خصوصيته، وأيضا تستعد الزوجة لاستقباله".