جدوى الحوار السياسي قبل وقف الحرب
تاريخ النشر: 18th, June 2024 GMT
جدوى الحوار السياسي قبل وقف الحرب
*أسئلة دون اجابات*
*حق الحياة قبل الحقوق السياسية*
ياسر عرمان
قال غابريل ماركيز في روايته الشهيرة (مائة عام من العزلة): "انهم يجرون الانتخابات في قرية خالية من العواطف السياسية". السياسة الحقيقية هي التي تخاطب مصالح وأولويات الناس وتطرحها بشكل صحيح، فالحقوق الطبيعية تاتي قبل الحقوق المدنية والسياسية والحرب تطرح حق الحياة كاولوية لملايين السودانيات والسودانيين الذين تكمن مصالحهم الفعلية في وقف الحرب كمهمة عاجلة، الحرب لا يوفقها الا الذين يشعلون اوارها ويمتلكون البارود والبنادق.
دعوات الحوار نبيلة ومهمة وقد صدرت من عدة منابر هامة، وهي مجهودات تستحق التقدير، ولكنها تضع الاولويات بصورة معكوسة سيما وإن الاطراف المسلحة لن تشارك في هذه المنابر وستواصل حربها اثناء انعقاد جلسات الحوار، ولن تلتزم بوقف الحرب وقد اصبحت لا تهتم حتي بوقف الحرب اثناء الاعياد بل إن الاعياد كانت فرصة للتصعيد، ولن تهتم باعطاء السلام فرصة كما عبرت اغنية فريق (الخنافس) وجون لينون الشهيرة (اعطي السلام فرصة).
ففي الماضي- وما اشبه الليلة بالبارحة- تم مطالبة القوى السياسية بالحوار والاتفاق قبل انهاء الانقلاب، وذكر الانقلابي "اذا توافقت القوى السياسية فاننا سنسلمها السلطة" واسلموا البلاد الى الحرب مفضلين الحرب على الاتفاق الاطاري!
القوى التي يُراد دعوتها اليوم شديدة الشبه بالقوى التي تم اشتراط الحوار معها بالامس، وهي قوى ذات صلة بالعسكر اكثر من صلتها بالسياسة- مع بعض الاستثناءات- بل ان بعضها يمتلك جيوش ويحارب في هذه الحرب فعليا!
كيف يتم ربط منابر الحوار السياسي مع بعضها البعض؟ وكيف ستشارك القوى الاقليمية والدولية في مراقبة الحوار وضمان تنفيذ نتائجه؟ وما مدي الزامية نتائج الحوار في غياب اطراف الحرب؟ وكيف يتم الربط بين منبر الحوار العسكري ومنابر الحوار المدني السياسي؟ وكيف تشارك اطراف شريكة لاحد اطراف الحرب وتحارب معه في حوار مدني سياسي؟ وهل بمشاركتها تكون اطراف مدنية ام عسكرية؟ ام خاطفة لونين؟ وكيف سيتم دمج نتائج الحوار السياسي مع نتائج الحوار العسكري اذا كانت هنالك نتائج؟ وهل الاجدى حشد الطاقات لوقف الحرب ام لاجراء حوار سياسي دائري؟ وهل الاولولية لاجراء حوار سياسي بين قوى الثورة لتكوين كتلة حرجة ام القوى الداعمة للانقلاب والحرب و التي تقف ضد ثورة ديسمبر؟ ما هي الآليات التي تؤدي لضمان موافقة اطراف النزاع العسكري على نتائج الحوار السياسي؟ كيف سيتم مناقشة اهم قضية وهي بناء جيش مهني واحد في غياب الاطراف العسكرية والتزامها؟
الاهم للشعب وللمواطن في الظرف الحالي هو اتفاق الاطراف العسكرية على وقف الحرب كواحد من مراحل العملية السياسية الشاملة. إن الحوار السياسي يقع في دائرة انهاء الحرب ومعالجة اسبابها التاريخية وتاسيس الدولة واكمال الثورة والوصول الى حلول مستدامة تبعدنا عن الحلول الهشة التي ستعيد الحرب، وبداية العملية السياسية هي وقف الحرب وانهاءها هو مرحلة ثانية تؤدي لمعالجة اسبابها في عملية سياسية واحدة. قرارات مجلس الامن واهمها القرار 2427 لم تحدد الاليات ولم تربط بين المنبر العسكري والسياسي ولم تصادق مع الاتحاد الافريقي على بعثة في الارض للسلام وحماية المدنيين.
ان تجارب التفاوض في حل النزاعات المسلحة والحروب الاهلية قد دمجت وربطت على الدوام بين وقف الحرب والحلول السياسية. ان الاطراف المسلحة ذات قدرة على التاثير في المسار السياسي وتمد يدها في قفاز مخملي من الحرير لا يخفي ظهور الحديد مهما تفننت في اظهار الحرير المخملي.
كل عام وانتم بخير وتصبحون على وطن جديد.
١٨ يونيو ٢٠٢٤
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: الحوار السیاسی نتائج الحوار وقف الحرب
إقرأ أيضاً:
الحرب العالمية التجارية التي أعلنها ترمب لا تخصنا في الوقت الراهن
اليوم أعلن ترمب الحرب الأقتصادية علي جميع دول العالم وفرض جمارك باهظة علي صادراتها للولايات المتحدة، وهي أكبر سوق في العالم. هذه الجمارك تهز الأقتصاد العالمي، وتربك سلاسل الإمداد وتضرب أسواق أمال العالمية. واهم من ذلك إنها تهدد بتدمير معمار النظام الإقتصادي العالمي الذى ساد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وكل هذا ستترتب عليه تحولات جيوسياسية جديدة وتسريع لديناميات أخري ولدت قبل إعلان ترمب الحرب الأقتصادية علي الجميع.
ولكن سياسات ترمب أيضا سيكون لها أثار سلبية باهظة علي الإقتصاد الأمريكي مثل إرتفاع معدلات التضخم، وازدياد العزلة الدولية لأمريكا وتراجع أهمية الدولار حول العالم.
فيما يختص بالسودان، قرارات ترمب لا تاثير لها لانه فرض جمارك علي صادرات السودان جمارك بنسبة ١٠% ولن تؤثر هذه النسبة لا في حجم الصادرات ولا علي أسعارها لان تلك الصادرات أصلا قليلة القيمة في حدود ١٣،٤ مليون دولار في العام السابق، أكثر من ٩٠% منها صمغ لا بديل له والباقي حرابيش حبوب زيتية . كما أن السلع المصدرة لا توجد بدائل لها بسعر أرخص إذ أنها أصلا رخيصة ولا تتمتع بمرونة في السعر ولا الطلب.
كما أن إهتزاز أسواق المال والبورصات وقنوات التمويل الدولي لا تاثير لهم علي السودان لانه أصلا خارج هذه الأسواق وخارج سوق المعونات.
ولكن هذه ليست نهاية القصة لان توجهات ترمب الأقتصادية والسياسية تدفن النظام العالمي القديم وتسرع من وتائر تحولات جديدة في غاية الأهمية. وبلا شك فان موت النظام القديم وميلاد نظام جديد وفوضى الإنتقال سيكون لها تاثير سياسي وإقتصادي علي السودان بسبب تبدل البيئة الدولية التي يعمل فيها السودان السياسي والاقتصادي. ولكن هذه التحولات المضرة لن يتأذى منها السودان مباشرة بل ربما يستفيد منها لو أحسن قادته.
علي سبيل المثال النظام الجديد سيكون متعدد الأقطاب وستنتهي فيه الهيمنة الغربية الأحادية وستزداد مجموعة البريكس أهمية وستزداد أهمية تكتلات أقتصادية أخري أخري في الجنوب العالمي مثل رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وفي أمريكا اللاتينية السوق المشتركة الجنوبية (ميركوسور)، وفي المستقبل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية . وجود كل هذه البدائل كشركاء أقتصاديين/تجاريين/سياسيين محتملين يتيح للسودان هامش للمناورة وإمكانية الحصول علي شروط أفضل في تعاطيه الأقتصادي والسياسي مع العالم الخارجي.
ولكن الإستفادة من هذه التحولات يحتاج لرجال ونساء يجيدون صنعة الدولة ولا يقعون في فخاخ ألحس كوعك علي سنة البشير ولا الانبطاح غير المشروط كما حدث في الفترة الإنتقالية التي أعقبت سقوط نظام البشير.
معتصم اقرع
إنضم لقناة النيلين على واتساب