عودة: على حكماء هذا البلد أن يتفقوا على مبادىء واضحة وتفاسير موضوعية لكل ما يختلف عليه اللبنانيون
تاريخ النشر: 16th, June 2024 GMT
ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الارثوذكس المطران الياس عودة، خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس، بحضور حشد من المؤمنين.
بعد الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "في الأحد الواقع بين عيدي الصعود والعنصرة نعيد للآباء القديسين المجتمعين سنة 325 في المجمع المسكوني الأول في نيقيا. فبعد قيامة الرب وبدء الرسل بشارتهم بعمله الخلاصي، أي آلامه وموته ودفنه وقيامته وظهوره للتلاميذ، الأمور التي تشكل فحوى الإنجيل، أي البشرى السارة بالخلاص (1كو 15: 1-5)، ظل الشك يواجه هذه البشارة في ما يتعلق بطبيعة الرب يسوع كإله وإنسان: من هو؟ من أين أتى؟ ما علاقته بالله؟ لذا رتبت الكنيسة الآحاد التي تلي الفصح: توما، حاملات الطيب، المخلع، السامرية والأعمى حيث نقرأ عن الشك الذي رافقهم حتى التقوا بالرب القائم من بين الأموات، وأعلنوا أنه هو في الحقيقة المسيح ابن الله مخلص العالم.
أضاف: "بدأ الشك مع بدء البشارة. فقد واجهت الرسل تساؤلات حول صحة تعليمهم، فاضطروا أن يواجهوا عن طريق البشارة المكتوبة، موضحين حقيقة تجسد المسيح ابن الله، الذي أرسله الله الآب إلى العالم بسبب محبته للبشر، باذلا إياه على الصليب «لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية» (يو 3: 16). لقد حاول بعض من قبلوا البشارة تحوير الإنجيل، لأنه لم يكن يناسبهم، ولم يكن باستطاعتهم قبول الرب كما أعلن لهم، فأخذوا يعلمون بطريقة تخالف تعليم الكتاب المقدس، فتصدى لهم الرسل معتمدين على الكتاب المقدس، ليقطعوا الطريق أمام التعاليم الخاطئة. يقول الرسول بولس: «عجبت لسرعة ارتدادكم هذا عن الذي دعاكم بنعمة المسيح، إلى بشارة أخرى، وما هي بشارة أخرى، بل هناك قوم يلقون البلبلة بينكم، وبغيتهم أن يبدلوا بشارة المسيح. فلو بشرناكم نحن أو بشركم ملاك من السماء بخلاف ما بشرناكم به، فليكن محروما!» (غل 1: 6-7).
إستمرت المواجهة في الكنيسة، إلى أن وصل الأمر بالشماس آريوس وأتباعه إلى التشكيك بألوهية الرب يسوع، كما يفعل أتباع شهود يهوه في أيامنا، مدعين أن الرب يسوع ليس إلها، مفسرين تعليم الكتاب المقدس بشكل خاطئ، ما دفع بالكنيسة، ممثلة بالملك القديس قسطنطين ورؤساء الكهنة، للتصدي لهذا التعليم، على صعيد الكنيسة جمعاء. دعا الملك إلى عقد مجمع في مدينة نيقيا، في آسيا الصغرى، حضره 318 من آباء الكنيسة، ووضعوا نصا حددوا فيه الإيمان القويم، إستنادا إلى تعليم الكتاب المقدس، فاعترفوا ب«ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق» التي تعني أنه ذو جوهر واحد مع الآب، أي أن الرب يسوع هو ابن الله الآب، وهو إله كامل ومساو للآب في الجوهر، كما رفضوا كل تعليم آخر يخالف هذا التعليم".
وتابع: "الإيمان بأن يسوع هو ابن الله يشكل الركيزة الأساسية للكنيسة، وهذا جوهر تعليم آباء المجمع المسكوني الأول. عندما سأل يسوع تلاميذه: من تقولون إني أنا «أجاب سمعان بطرس وقال أنت هو المسيح ابن الله الحي، فأجاب يسوع وقال له طوبى لك يا سمعان بن يونا، إن لحما ودما لم يعلن لك لكن أبي الذي في السموات. وأنا أقول لك أيضا أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها» (متى16-18). على صخرة إيمان بطرس بنى الرب الكنيسة التي سنعيد لتأسيسها يوم العنصرة".
وقال: "لم يكن دستور الإيمان النيقاوي أول دستور إيمان في الكنيسة. فقد وضعت اعترافات إيمان متعددة، لاستعمالها في خدمة المعمودية، لكي بواسطتها يعبر المقبلون إلى المعمودية عن إيمانهم. كان هدف دساتير الإيمان وضع الأساس الصحيح لحياة كل من يقبل الرب يسوع كسيد لحياته، لكي يسلك الطريق الصحيح الذي سلكه الرب يسوع «حتى موت الصليب»، أي طريق طاعة الله. الدستور الذي أقر في المجمع المسكوني الأول كان دستور إيمان المعمودية المستعمل في قيصرية فلسطين. تكمن الخطورة في محاولة تحوير صورة الرب يسوع عما هي في الكتاب المقدس، الأمر المؤدي إلى الإرتباط بيسوع آخر (2كو 11: 4)، مصور على قياسنا، وفق ما يناسبنا. هكذا، لا تحور فقط صورة الرب يسوع، بل تعليمه أيضا. هذا يؤدي إلى تحويل الطريق الذي وضعه الله في الكتاب المقدس، وعوضا عن الوصول إلى الله، نصل إلى إله آخر، ولا ننال الحياة الأبدية التي وعد بها الله كل من يؤمن بابنه الوحيد يسوع المسيح (يو 3:16)."
أضاف: "منذ أيام الرسل وحتى أيامنا، هناك دائما من لا تناسبه حقيقة ما فيعمل على تحويرها أو تشويهها أو خلق حقيقة أخرى تناسبه وتتماشى مع مصالحه. أليس هذا ما حصل ويحصل عندنا منذ ما قبل الإستقلال؟ ألا ترى كل جهة إلى الأمور بحسب ميولها ومصالحها؟ لذا نسمع دائما تفسيرات مختلفة لحدث واحد كالفتن التي شهدتها القرون السابقة، أو الحرب المشؤومة التي عشناها في ثمانينات القرن الماضي، والحروب الكثيرة التي مر بها لبنان، والتي يراها البعض انتصارا والبعض الآخر انكسارا. إن مفهوم الإنتصار يختلف بين مجموعة وأخرى، ما يولد تباعدا بينها واختلافا في الحكم على أحداث التاريخ ورجالاته، وما يمنع كتابة التاريخ بشكل موضوعي ويصالح البشر مع ماضيهم".
وتابع: "التباين، والإختلافات، والهرطقات التي ظهرت في القرون الأولى، عالجتها الكنيسة بواسطة المجامع المسكونية التي شارك فيها كبار آباء الكنيسة، وثبتوا التعليم القويم، إلى جانب قديسين شاركوا في المجامع وعلى أجسادهم آثار العذابات التي تحملوها في زمن الإضطهادات ولم ينكروا إيمانهم أو يساوموا عليه. لذلك على حكماء هذا البلد وكباره في النفوس والأخلاق والإنسانية والعلم والإختصاص، البعيدين كل البعد عن أية مصلحة أو غاية دفينة، أن يتلاقوا ويتفقوا على مبادىء واضحة وتفاسير موضوعية لكل ما يختلف عليه اللبنانيون، بما في ذلك مواد الدستور، علنا نتخطى الأزمة التي طالت وكانت نتائجها كارثية على الجميع".
وختم: "في أحد آباء المجمع المسكوني الأول تدعونا الكنيسة أن نحافظ على إيماننا ثابتا، في زمن تكثر فيه الآلهة والأوثان المادية والمصالح الشخصية، وأن نتشبث بصخرة المسيح، ونثق بأن لا خلاص لنا إلا به، متذكرين كلام الرسول بولس: «إحذروا لأنفسكم ...فإني أعلم هذا أنه سيدخل بينكم ذئاب خاطفة لا تشفق على الرعية، ومنكم سيقوم رجال يتكلمون بأمور ملتوية ليجتذبوا التلاميذ وراءهم، لذلك اسهروا".
المصدر: لبنان ٢٤
كلمات دلالية: الکتاب المقدس الرب یسوع ابن الله
إقرأ أيضاً:
ما سبب ترتيب آيات القرآن الكريم؟ ومن الذي رتبها؟
فقد وصف الله تعالى القرآن الكريم بقوله "وإنه في أم الكتاب لدينا لعليٌّ حكيم"، والحكمة كما يقول الأستاذ في جامعة الأزهر الدكتور محمد الخطيب هي وضع كل شيء في موضعه.
ويدل وصف "عليٌّ" على أن كل آية من آيات القرآن قد نزلت في موقعها المحدد الذي لا يصح لها موضع غيره وأن هذا الترتيب لا دخل لأحد فيه لأنه جاء من قبل الله عز وجل، كما يقول الخطيب في الحلقة التي يمكن مشاهدتها في هذا الرابط.
ووفقا للخطيب، فإن هناك ما يعرف بـ"علم المناسبات" الذي يبحث أسباب وضع آيات القرآن في مواضعها والحكمة من ترتيبها على نحو لا يمكن الإخلال به دون الإخلال بالمعنى.
صلاح العبادة من صلاح العمل
ففي سورة البقرة على سبيل المثال، جاءت آية "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين" بين آيات تتناول قضية الطلاق وموت الأزواج والوصية، وهو سياق يبدو منفصلا عن الصلاة.
وقال الخطيب إن علماء توقفوا عند هذه الآية ولم يفهموا سبب الإتيان بها في هذا الموضع، ومنهم الشيخ سيد قطب الذي أورد في "ظلال القرآن" أنه لم يعرف سببا لموضع هذه الآية تحديدا.
والسبب في هذا -كما يقول الخطيب- أن الناس يعتقدون أن الحياة عبارة عن معاملات وعبادة بينما هي عبادة فقط، فمن لم يقم بمعاملاته على النحو المطلوب فسدت عبادته.
إعلانلذلك، فقد خلص قطب في سبب موضع هذه الآية إلى أن كثيرا من الرجال يعتادون المساجد ويحافظون على الصلوات، لكنهم يسيئون معاملة زوجاتهم وأولادهم والمجتمع المحيط بهم على نحو يفقد هذه الصلاة معناها، حسب الخطيب.
ولأن الصلاة هي العبادة الأهم في حياة المسلم، فقد قرنها الله تعالى في هذه الآية بحسن المعاملة مع الزوجة والانصياع لما أمر به في هذه العلاقة تحديدا لأنها أهم العلاقات في حياة الإنسان، وفق تعبير الخطيب.
ربط الصلاة بحقوق الغير
وبناء على هذه النظرة، فإن المقصود من هذه الآية في هذا الموضع أن الحفاظ على حقوق الأسرة والزوج لا يقل أهمية عن علاقة المسلم بربه من خلال الصلاة، وأن من يفرط في الأولى لن يستقيم في الثانية.
والأمر نفسه في سورة الماعون التي يتحدث فيها الله عن معاملة اليتيم والمسكين ثم ينتقل فجأة إلى الساهين عن الصلاة، وهو انتقال مرده -وفق الخطيب- أن الصلاة هي التي تدفع الإنسان لحسن معاملة اليتيم والمسكين، ومن ثم فإن من لم يقم بهذين الأمرين يعتبر ساهيا عن صلاته وإن أدَّاها لأنه غفل عن معناها.
ومن هنا، يقول الخطيب إن قبول الصلاة مقرون بشروط صحتها المعنوية المتعلق بالالتزام بأوامرها ونواهيها وليس فقط بشروطها المادية من طهارة ونية واستقبال للقبلة، وهو ما جعل الصلاة في هاتين الآيتين مقرونة بحقوق الزوجات واليتامى والمساكين.
ومن المواضع اللافتة للآيات في القرآن، موضع قوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم ترحمون، واتقوا النار التي أعدت للكافرين، وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون، وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين" في سورة آل عمران، والذي جاء بين حديث عن معركة بدر وآخر عن معركة أحد.
ويأتي موضع هذه الآيات على هذا النحو، وفق الخطيب، ليؤكد أن حياة المسلم كلها عبادة، وليست معاملة وعبادة، لأن المعاملات جزء من العبادة وليست مسألة مستقلة عنها.
إعلانلذلك، فإن المقصود من الآية السابقة -برأي الخطيب- أن من يهزم أخلاقيا سيهزم عسكريا لا محالة، وهو ما حدث للمسلمين في غزوة أحد عندما خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وهم الذين انتصروا نصرا مؤزرا قبلها في غزوة بدر عندما لم يخالفوه.
وبناء على هذا، فإن الحديث عن الربا في هذا الموضع مرده إلى أن الانتصار في معركة المال لا يقل أهمية عن الانتصار في الحرب لأن حب المال واحدا من أشد المعارك التي يخوضها المسلم بحثا عن الحلال وتجنبا للحرام على سهولته، كما يقول الخطيب.
26/3/2025-|آخر تحديث: 26/3/202505:20 م (توقيت مكة)