93% زيادة في الوعي بالمسؤولية المجتمعية للشركات بمصر والإمارات والسعودية
تاريخ النشر: 14th, June 2024 GMT
أعلنت شركة "سيسيرو وبيرناي" لاستشارات الاتصال الرائدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومقرها دبي، بالتعاون مع شركة الأبحاث العالمية الرائدة "CARMA"، عن إطلاق النسخة الرابعة من تقرير المسؤولية المجتمعية للشركات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 2023 للسنة الرابعة على التوالي. ويُشكّل تقرير هذا العام نقطة تحوّل محورية، حيث يعكس إنجازات الشركات في مجال المسؤولية المجتمعية في المنطقة، ويسلّط الضوء أيضاً على التحوّل الاستراتيجي نحو تبني معايير الاستدامة والحوكمة والبيئة والمسؤولية المجتمعية الشاملة.
ويستند هذا التقرير الشامل إلى استطلاع رأي ضم أكثر من 340 من كبار المسؤولين التنفيذيين في دولة الإمارات والسعودية ومصر وبلاد الشام والعديد من دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى. وقد غطى الاستطلاع العديد من القطاعات الحيوية، بما في ذلك التكنولوجيا والهندسة، والخدمات المصرفية والمالية، والنفط والغاز، والبناء، والرعاية الصحية، والسيارات، والعقارات. ويُظهر هذا التقرير الشامل مشاركة واسعة ومتنوعة من مختلف القطاعات في مبادرات المسؤولية المجتمعية للشركات في جميع أنحاء المنطقة، ما يُعد مؤشراً على التزام القطاع الخاص في المنطقة بتعزيز الاستدامة والمساهمة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات.
وتُظهر البيانات الواردة في هذا التقرير أن مصر والإمارات والسعودية قد شهدوا زيادة كبيرة في مدى الوعي بالمسؤولية المجتمعية للشركات على مر السنوات، حيث وصل متوسط الوعي إلى 93% في عام 2023، مقارنة بـ 84% في العام السابق، مع تصدر مصر المرتبة الأولى في هذا المؤشر. وأعرب أكثر من 80% من المديرين التنفيذيين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذين شملهم الاستطلاع عن نيتهم في تعزيز أنشطتهم في هذا المجال خلال عام 2024، بزيادة تقريبية بنسبة 10% عن عام 2022. وتؤكد هذه الإحصائيات المُلفتة على استمرار المشاركة القوية والمتزايدة في مبادرات المسؤولية المجتمعية للشركات في جميع أنحاء المنطقة.
وقد تم تطوير التقرير هذا العام بهدف تقديم تحليلات ورؤى أكثر شمولاً للمسؤولية المجتمعية للشركات في المنطقة. كما شمل التقرير رؤى خاصة بالصناعات والمجالات المختلفة، ما يُتيح فهماً أعمق لواقع المسؤولية المجتمعية في مختلف القطاعات. كما تم تقديم إجابات مفصلة حول هذا الموضوع، مع إجراء تحليلات مصنفة على أساس أقدمية الموظفين وأدوارهم في صنع القرارات داخل الشركات. إضافةً إلى ذلك، يقدم التقرير المزيد من التفاصيل الإقليمية الدقيقة، وتلك المتعلّقة بالصناعات المختلفة، ما يضمن فهماً شاملاً لتأثيرات المسؤولية المجتمعية للشركات واتجاهاتها عبر القطاعات والمناطق المتنوعة.
أبرز النتائج:
• يعتبر 84% من قادة الأعمال معايير البيئة والمجتمع والحوكمة جزءاً أساسياً من نسيج أعمالهم واستراتيجياتهم التنظيمية، وإحدى أهم أولوياتهم. ويؤكد ذلك على التزامهم بتبني نماذج أعمال مسؤولة ومستدامة.
• تشهد الشركات التي تعتمد ممارسات المسؤولية المجتمعية ارتفاعاً كبيراً في ثقة عملائها وولائهم، ما يعكس تفضيلاً متزايداً للعلامات التجارية التي تلتزم بالممارسات الأخلاقية، وعليه فقد بادرت 71% من هذه الشركات بتنفيذ برامج نشطة في هذا الإطار، بينما تستعد 24% منها لإطلاق مبادرات المسؤولية المجتمعية.
• شهدت مصر ارتفاعاً ملحوظاً في مستوى الوعي والفهم للمسؤولية المجتمعية للشركات هذا العام، حيث ارتفعت النسبة من 84% إلى 94%.
• أفاد أكثر من 80% من المديرين التنفيذيين الذين شملهم الاستطلاع أن لممارسات المسؤولية المجتمعية للشركات أثر إيجابي على مشاركة العملاء والربحية ومكانة الشركة التنافسية، ما يعكس زيادة بنسبة 110%.
في الشعور الإيجابي في إدراك هذا المفهوم بالمقارنة مع متوسط العام الماضي البالغ 38%، وتؤكد هذه النتائج الفكرة التي تفيد بأن الالتزام بالمسؤولية المجتمعية للشركات يؤدي إلى تعزيز نتائج الأعمال بشكل ملحوظ.
وفي ظل الضغوطات المتزايدة على الشركات عالمياً لتبني ممارسات مستدامة وأخلاقية، تبرز منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في هذا المجال من خلال المبادرات المبتكرة التي تدمج معايير البيئة والمجتمع والحوكمة في صميم عملياتها التجارية. ويسلط تقرير عام 2023 الضوء على هذا التحول الاستراتيجي الحاسم، مؤكداً أهمية دوره في إبراز كيفية تعامل الشركات في المنطقة مع الممارسات البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات.
وأكّد أحمد عيتاني، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "سيسيرو وبيرناي" لاستشارات الاتصال، أن الانتقال من مفهوم المسؤولية المجتمعية للشركات إلى تبني الممارسات البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات ليس مجرد اتجاه مؤقت، بل هو رحلة تحويلية تعزز التزام الشركات الراسخ بمسؤوليتها تجاه الأجيال القادمة.
وقال: "يعكس هذا التقرير جهود الشركات في مجال المسؤولية المجتمعية حالياً، ويمثل خارطة طريق تفتح أمامنا الآفاق وتقودنا نحو المستقبل المستدام الذي نطمح إليه، ويشكّل أداةً تؤكد التزامنا المتواصل والمتعمق بتعزيز منظومة الأعمال المستدامة والمستندة إلى القيم الأخلاقية".
قال مازن نحاوي، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "CARMA": "تسلط شراكتنا الاستراتيجية مع "سيسيرو وبيرناي" الضوء على الإمكانات الهائلة التي تزخر بها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسيجها الغني، ومن خلال جهودنا التعاونية، فإننا نُبرز الإنجازات المذهلة في مجال المسؤولية المجتمعية للشركات خلال العام الماضي، ونمهد الطريق للتطور المستدام في الممارسات البيئية والاجتماعية والحوكمة، والممارسات التجارية المسؤولة."
وبناءً على التقرير، فمن المتوقع أن تتبنى أكثر من 90% من الشركات التي شملها الاستطلاع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا استراتيجيات المسؤولية المجتمعية للشركات بشكل كامل في صلب عملياتها الرئيسية مع نهاية 2024. كما يُتوقَع حدوث تحسن ملموس في تدابير الاستدامة البيئية وشفافية ممارسات الحوكمة في هذه الشركات. وبالإضافة إلى ذلك، يسلط التقرير الضوء على التوجه الملحوظ نحو استخدام مقاييس المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة المتطورة لرصد جهود الاستدامة والإفصاح بمصداقية تامة، ما يمكّن أصحاب المصلحة من الحصول على رؤى واضحة وموثوقة حول أداء الشركات في هذا الصدد.
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: فی منطقة الشرق الأوسط وشمال أفریقیا البیئیة والاجتماعیة هذا التقریر الشرکات فی فی المنطقة أکثر من فی هذا
إقرأ أيضاً:
إسرائيل ومعركة الوعي
عند دخول محور الممانعة، متمثلًا في حزب الله وإيران بمختلف أذرعها الإستراتيجية، في المقاومة على خط إمدادات وتسنيد المقاومة الفلسطينية متمثلة في حماس، انقسم الرأي العربي الإسلامي، داخليًا وخارجيًا، بين معسكرات وطوائف وأحزاب، بين معارض لهذا التحالف ومناصر له، وعاد الخطاب الطائفي من جديد ليزدهر في صفوف الإسلام السياسي بين المحور الشيعي، والمحور السني.
هذا الخطاب التنازعي نفسه بدأ يزدهر بين صفوف العلمانيين والدينيين، وبين اليمين واليسار، وبين رؤية الأنظمة من جهة، والشارع العربي والإسلامي من جهة ثانية، حيث أصبح من الصعب، بل من المستحيل بناء سردية موحدة ترافعية عن الحق في المقاومة والحق في التحرر.
وهذا الانقسام جعل المنطقةَ العربية الإسلامية غير قادرة على مقاومة السردية الغربية ذات الصلة، مثلما أصبحت عاجزةً عن تعبئة الجماهير والأنظمة في عدد من الدول من قبيل جنوب أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا، وبعض البلدان الغربية التي انحازت بعد طوفان الأقصى للحق الفلسطيني من قبيل إسبانيا، وأيرلندا، والنرويج… إلخ.
المقاومة بين السردية الغربية وسردية محور الممانعةبالرغم من انتصار المقاومة في غزة انتصارًا كبيرًا بالنظر إلى اختلال موازين القوى بين قدراتها العسكرية وبين جيش الاحتلال المدعوم غربيًا والمسنود أميركيًا بالسلاح والعتاد والمعلومة والحصار الاقتصادي، فإن هذا الانتصار لم يكتمل بالنظر إلى غياب سند عربي وإسلامي، باستثناء ما قام به محور المقاومة ممثلًا في إسناد حزب الله في لبنان، وأنصار الله الحوثي في اليمن.
إعلانولقد كان لهزيمة حزب الله في لبنان، سياسيًا وعسكريًا – بعد اغتيال معظم قادة الصف الأول للحزب، وتحول سوريا إلى منطقة عازلة ومحايدة في الصراع مع جيش الاحتلال، بعد سقوط نظام بشار الأسد، وما تركه من ملفات التعذيب والقهر وسجون الاعتقال السياسي، بعدما انبرت حقائق هذا النظام الذي حكم بالنار والحديد شعبًا من أعرق الشعوب – أثرٌ كبيرٌ على المنطقة.
فقد تعالت أصوات الصهيونية الوظيفية تحاول النيل من شعارات المقاومة والصراع العربي- الإسرائيلي، بالنظر إلى ما حصل في المنطقة من تحوُّلات كبرى بعد فوز دونالد ترامب في الانتخابات الأميركية، وما رافق ذلك من تحوُّل إستراتيجي في النظام العالمي الذي انتقل إلى طور القوة الغاشمة.
وهو ما اتّضح بجلاء في التعامل الأميركي مع إسرائيل في المنطقة، حيث برزت السياسة الأميركية كسياسة احتكارية تريد استخلاص غزة والضفة لصالح مشاريع اقتصادية أميركية – صهيونية، هي بشكل مباشر ترجمة للسياسة الأميركية في توظيفها القوة العسكرية والغلبة من أجل استغلال مناطق التوتر في العالم، وهو ما اتّضح بقوة في الملف الأوكراني، وقبل ذلك في الملف العراقي، والسوري، واللبناني، والفلسطيني، وفي عموم الشرق الأوسط.
ضمن هذا السياق، رأينا كيف تعالى صوت دونالد ترامب من داخل البيت الأبيض داعيًا إلى تهجير سكان غزة إلى سيناء، والأردن، ودول عربية أخرى.
وبالرغم من رفض معظم دول المنطقة الطرح الأميركي- الإسرائيلي، فإن الشعب الفلسطيني بقي يعاني الأمرّين بين مطرقة أميركا – إسرائيل وسندان الخضوع العربي والإسلامي، في مقابل شبه صمت شعبي في الدول العربية والإسلامية، باستثناء بعض الدول العربية دون غيرها، بالنظر إلى تحكم الأنظمة بهذه الدول في الفضاء العمومي، أحزابًا ومؤسسات مجتمع مدني.
بيد أن هذا التحكم السلطوي لا يشرح معضلة القضية الفلسطينية في الوعي الشعبي.. فالقول بسلطوية الأنظمة واستبدادها لا يكفي منهجيًا لدراسة وتحليل الخلل الوظيفي الذي أصاب الذاكرة الجماعية العربية، التي أصبحت مشلولة إلى حد كبير في الفعل.
إعلانيقودنا التحليل السوسيو- أنثربولوجي للخطاب العربي إلى استخلاص وجود شرخ كبير في الذاكرة الجماعية للشعوب، وهذا الشرخ نتج عن تغير في التمثلات حول القضية الفلسطينية، حيث برزت أصوات هنا وهناك تنادي بالالتزام بمفهوم الوطن والدولة القُطرية بدل القومية العربية والإسلامية، مقابل أصوات باتت ترى في القضية الفلسطينية عبئًا على الأنظمة التي صارت بحكم تضخم مستويات التبعية الاقتصادية والسياسية بمثابة امتداد للسياسة الأميركية.
وبما أن للقوة الاقتصادية والعسكرية والاستخباراتية القولَ الفصل في الصراع، فإن هذه الأنظمة وجدت نفسها في موقف لا تحسد عليه، من خلال التلويح الأميركي بوقف المساعدات، وتعسير الحصول على القروض والسلاح للمثال لا الحصر.
وضمن هذا السياق، تعالت أصوات حزبية وسياسية تنادي بالتخلص من حماس، أو على الأقل تحييدها في مرحلة إعادة إعمار غزة، بالنظر إلى كونها تجلّيًا للإسلام السياسي.
وبين هذا وذاك، تعالت أصوات الصهيونية الوظيفية، التي تمثلت في كتّاب وإعلاميين ومثقفين عرب يرون واهمين في التطبيع مع إسرائيل حلًا لمشكلات التنمية والتقدم في المنطقة العربية، كون إسرائيل، ممثلة الغرب في المنطقة، قوةً عسكرية وعلمية وتكنولوجية، وخطبُ ودها هو خطب ود القوة العظمى في العالم، أي أميركا وعموم أوروبا. ناسين أن الدول التي طبّعت منذ عقود لم يجلب لها ذلك شيئًا مما يتوهمه هؤلاء، اللهم تضخم التبعية وفشل مسلسل التنمية بشكل غير مسبوق.
إن تحليل خطاب كل هذه الأطراف يحتم علينا الرجوع إلى الهزيمة التي منيت بها الأنظمة العربية منذ نكبة 1948 مرورًا بنكسة 1967، وبمسلسل السلام الذي تحول إلى استسلام في كامب ديفيد ومدريد وأوسلو… إلخ، وهي الهزائم التي تمكنت من الذاكرة الجماعية وأصابت المتخيل العربي في مقتل، إذ تحول الصراع العربي الإسرائيلي تدريجيًا إلى صراع فلسطيني- إسرائيلي.
إعلانوترافق ذلك مع تضخم مستويات التخلف والفشل التنموي في المنطقة العربية؛ حيث أصبح البنك الدولي، من خلال سياساته للتقويم الهيكلي، المدبر الفعلي لهذه الدول على المستويين؛ الاقتصادي والسياسي.
وبالتدريج فقدت دول المنطقة سيادتها وصارت تحت رحمة الغرب ببنوكه ومؤسساته الاقتصادية، وهو ما جعلها ترضخ لتغيير جوهري في خطابها السياسي، حيث منذ التسعينيات بدأت ملامح التغيير في وجهة نظر الأنظمة والنخب من القضية الفلسطينية تظهر بجلاء.
وهكذا غيرت الأحزاب السياسية من حدة خطابها الرافض للكيان الإسرائيلي وتحول الإعلام من الإدانة والرفض والنقد إلى تلطيف خطابه تجاه إسرائيل، وهو ما امتدّ إلى تغيير طال المناهج الدراسية والجامعية. فتهيأت بفعل ذلك، الظروف لاستقبال وتلقي دعوات التطبيع السياسي، بعد أن بدأ بالتطبيع الاقتصادي مباشرة بعد كامب ديفيد، ليصبح الأمر تحصيل حاصل بعد اتفاقية أوسلو.
المقاومة الفلسطينية بين المحلية العربية والكونية الإنسانيةضمن هذا السياق وما ترتب عنه في الإعلام الدولي والخطاب السياسي العالمي، نشأت أجيال التسعينيات وبداية الألفية الثالثة في مناخ الاستلاب الثقافي والفكري الذي جعل الغرب ممثلًا في أميركا وأوروبا القدوة والمثال، حيث ستنشأ نخب جديدة مغرقة في الافتتان بالحداثة الغربية وموهومة بالتحديث الذي تأسس، أيديولوجيًا، على الانفصال مع التراث والهوية القومية، خاصة بعد أن أفل نجم اليسار والتقدمية في المنطقة العربية، وفي عموم العالم بعد انهيار جدار برلين، وتفكك الاتحاد السوفياتي، الذي تحول بفضل البرويسترويكا -" سياسة إعادة الهيكلة"- إلى دول ذيلية تدور حول مدار الرأسمالية الاحتكارية الغربية.
ولذلك، لم تستطع هذه الأجيال التي نشأت على الدعاية الأميركية والغربية عمومًا أن تفهم جوهر الصراع العربي- الإسرائيلي، وكيف تحول إلى صراع فلسطيني- إسرائيلي، وهو الذي تأسس على احتلال واستيطان أرض شعب بعد تشريده وطرده من أرضه في سياق استعماري رأسمالي احتكاري.
إعلانوضمن هذا المناخ الذي انتعشت فيه السردية الغربية المناصرة لإسرائيل والداعمة لسياستها الاستيطانية والإحلالية، تراجع تأثير المشهد الثقافي والفني في أجيال الشباب العربي، إذ سيحصل بالتدريج تحول كبير في الدراما والمسلسلات والسينما، التي انتقلت من تقديم إسرائيل كعدو ومحتل لفلسطين، إلى جار وأبناء عمومة ودعاة سلام وحاملي قيم الحداثة والتقدم.
وبعد أن كانت إسرائيل موضوعًا للجاسوسية والخيانة في عدد كبير من المسلسلات العربية، أصبحت الدراما العربية مغرقة في مواضيع استهلاكية فجة، ومنتصرة للخلاص الفردي والترقي الاجتماعي على حساب القيم والمبادئ، في ظل تضخم مستويات نظام التفاهة في العالم الاستهلاكي. وهو ما يشكل اختراقًا إسرائيليًا للفنون والدراما والتلفزيون والسينما في المنطقة.
إن الأجيال الحالية، وخاصة أجيال التسعينيات وما بعدها، لا تفهم كيف أن محور الممانعة هو في العمق محور نشأ على أعقاب الصراع بين القطبين: الاتحاد السوفياتي والغرب الرأسمالي بزعامة أميركا، وأن الدين أقحم في هذا الصراع لتمييعه وتحويره عن مقاصده السياسية والاقتصادية والأخلاقية.
فالثورة الإيرانية نشأت في مناخ رافض للهيمنة الغربية الرأسمالية في احتكاريتها مدخرات الدول والمجتمعات العربية والإسلامية، وإن كانت اتخذت من الدين آلية من آليات الأدلجة النسقية لنظام الحكم، وإن أخطأت إيران من خلال ولاية الفقيه في امتدادها الأيديولوجي في المنطقة من خلال إستراتيجية التشييع، وجعلت من طوائف الشيعة في مختلف المناطق العربية أذرعًا للهيمنة والسيطرة، مما جعلها منبوذة من قبل الأنظمة التي رأت في ذلك تهديدًا.
إن التحوير الذي مارسته آليات الإعلام والفكر في الغرب لجوهر الصراع جعله يبتكر مفاهيم تحليلية سرعان ما هيمنت على الخطاب العلمي والفكري والثقافي في العلوم السياسية والاجتماعية من قبيل: الإسلام السياسي، أسلمة المجتمع، الإسلام الحركي، الطائفية والقبائلية، وبالتدريج بات الخطاب العربي والإسلامي في العلوم الاجتماعية يعيد إنتاج نفس النسق الفكري الغربي منهجيًا ونظريًا، وهو ما جعل الصراع السياسي في المنطقة ينتقل من الصراع حول الاقتصاد والاحتكار والاستغلال والهيمنة والتبعية إلى صراع أيديولوجي بين اليسار واليمين، وبين الإسلام السياسي والأنظمة والنخب التقدمية، وكلما توغلت النخب التي تتبنى أيديولوجية دينية مغرقة في الماضوية، واشتدت مستويات تبعية النخب التقدمية للغرب، اشتدَّ الصراع وصار حروبًا طاحنة بين هذه الأطراف.
إعلانوهكذا، تم تغييب جوهر الصراع بين الشمال والجنوب، وبين الدول النامية والدول الغربية، وبين البلدان العربية ومستعمريها السابقين/ الجدد ليتحول إلى صراع حول السلطة والحكم، الذي بقي يدور في فلك الغرب ويسترشد بأوامره مهما كانت الحكومات والأنظمة.
ولهذا، فبالرغم من أن المنطقة العربية عرفت حكومات من مختلف التوجهات: إسلامية، يسارية، يمينية، ليبرالية…إلخ، فلم تستطع أن تبني استقلالًا سياسيًا واقتصاديًا وقاعدة علمية بالمرة.
وضمن هذا السياق، ساهمت الصراعات والحروب العربية- العربية في تأزيم الذاكرة الجماعية وفقدت النخب ثقتها في الخلاص الجماعي والقومي، وباتت القومية العربية مجرد ذكرى لزمن الهزيمة. وعليه، فقد تمكن الغرب، بعد تغريب الصراع العربي- الإسرائيلي وتفكيك نخب المقاومة الثقافية والفكرية، من بناء سردية غربية رأسمالية احتكارية في العمق، تتخفى بأقنعة الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان، وصار سبب التخلف في المنطقة هو الإسلام ومقاومة الحداثة والتحديث.
وبالمقابل، صارت المقاومة الفلسطينية سببًا في الحروب والفوضى في منطقة الشرق الأوسط، وهو الخطاب الذي تبناه وصاغه المحافظون الجدد في أميركا، في تبريرهم غزو العراق واحتلاله، وفي إجهاض ثورات الربيع العربي وتحويره، وهو الخطاب نفسه الذي بات يبرر حرب الإبادة العرقية في فلسطين، وقد تمكن هذا الخطاب من أن يخترق الخطاب العربي الرسمي ومن يدور حوله من نخب براغماتية ترى أن الوصل بالتراث والدين هو سبب التخلف في المنطقة.
وعلى هذا الأساس، فشلت المجتمعات العربية في بناء سردية عربية إسلامية للصراع العربي- الإسرائيلي من خلال تفكيك الخطاب الغربي ونقد أسسه الأيديولوجية والاقتصادية ممثلة في الرأسمالية الاحتكارية.
وهو ما يشرح تواضع الدراسات ما بعد الكولونيالية والدراسات الثقافية مقارنة بما حققته أميركا اللاتينية وأفريقيا والصين وروسيا، من قبيل العصيان المعرفي، ونقد الحداثة، والواقعية البنائية، وما إلى ذلك من توجهات نقدية للمركزية الغربية وللحداثة في أفولها وتهافتها الأخلاقي.
إعلانتأسيسًا على ما سبق، تصبح الدعوة إلى بناء سردية عربية إسلامية كونية حول القضية الفلسطينية إحدى واجهات المقاومة الثقافية التي يجب أن تمتد إلى مجالات الأدب والفنون والسينما والدراما، من خلال عودة النخب المثقفة إلى واجهة الأحداث، وهي مسؤولية عظمى تتجاوز الانتماء الضيق للدولة القُطرية لتعانق الانتماء الرحب للإنسانية الكونية.
وهنا تصبح الجامعة واحدة من أهم الفضاءات المعرفية التي يجب أن تعمل على ازدهار الدراسات الثقافية والديكولونيالية، وعلى تشجيع البحث العلمي في مجالات السيادة الثقافية والفكرية والعلمية، كما يجب على الإعلام المسنود بالمجتمع المدني أن يلعب دوره في التأطير ونشر الفكر الجاد والمعرفة التنويرية للشعوب العربية التي باتت تعيش تحت تهديد القصف الإعلامي والفكري الغربي، الذي يعمل دون هوادة على نشر سرديته الاستعمارية والاحتكارية وثقافته الاستهلاكية المغرقة في نظام التفاهة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline